الفصل الرابع

6 0 00

الفصل الرابع

كنا ننطلق باتجاه الناصرة وكان يتابع روايته :

- قبل سفري للرملة بلغ مسمعي من نفس عمال الناصرة ان زوجة التركي توفيت . صدمت وغاب عني التفاؤل وتوجست من طالعي .

ترددت بالذهاب للتعزية . قلت لنفسي اذا ذهبت للتعزية فربما يطولني لوم لاختفائي عنهم كل هذه الفترة الطويلة .. وهل وصلت لبيتهم لأقدم واجب التعازي فقط

؟ هل ستستقبلني أمينة كشخص يقوم بواجب لجيران ابعدت الأيام بينهم .. وهل ستصدق اني ابحث عنها منذ تلك اليام التي سحقت احلامنا ومدينتنا ؟

لا قدرة لي على لوم الحبيب . . ولن تصدق اني لم اعرف اخبارهم الا قبل ايام فقط .. فآثرت السكون والانتظار . انا اعرف ان حجتي ستبدو تافهة .. ربما يكون

بعض التردد والتوجسس داهماني فايقنت اني امام مرتقى صعب . لا اريد ان أبدو أمامها كالمراهق المتعجل . كنت متحمسا وخائفا . نقائضي تتصارع بين الاقدام والتمهل

. أعرف ما اريد وأخاف ان اصدم . ربما الجيل لعب دوره . انا لم اعد ذلك المراهق الشاب الذي لا يوقفه شيء عن اندفاعه . اليوم لم يتبق لي من الشباب الا اقله..

ووحدتي الطويلة لها اثرها وقيودها . هل استطيع ان اكون زوجا كأولئك الشباب الصغار ؟ صحيح ان امينة ليست صغيرة ايضا ، ولكنها تنتظر ما تسمعه وما تتوقعه

كل فتاة . ربما لو كانت مطلقة او ارملة لاختلف الامر. الواضح لي اني لم اعد حازم الشاب ابن يافا ، ابن البحر المندفع بلا تردد كالامواج .. انا ابن الضياع

، فقدت حبيبتي . وفقدت بيتي وفقدت مدينتي وفقدت وطني . أعيش مع شعب مكلوم يضمد جراحه ، يبني ذاته من جديد. ولكن الجراح باقية ما بقي السبب . الالم باق

ما بقي المؤلم . والدم ينزف ما بقي السكين بيد آثم . اما الخوف فلا ادري ان كان له دور في تكويني الجديد . ربما في البداية تجسم الخوف على فقدان ما تبقى

بالنسبة لي . لم يتبق لي الا ذاتي .. نفسي كما خلقها ربها.. احيانا لا افهم حبي للحياة ، هذه الملعونة التي تنكرت لي !! ولا افهم بحثي عن السعادة العابرة.

ربما هي طبيعة الانسان .. يجدد نفسه وآماله . يبني أحلامه وعالمه من جديد ، بما تبقى وبما لم يتبق .. ويواصل الخلق والابداع والارتقاء فوق مآسيه وجراحه

.. ولكنه لن يغفر ولن ينسى ، وسيورث ابناءه ذاكرته بكل حدتها، بكل الامها ، بكل احلامها . هل تدري ؟! قد تكون الاحلام هي الدواء لداء الحياة ، كما ان

انهار الخمر هي الدواء لزجاجات الخمرا !!

دائما يدمج السخرية بالجد . ربما نوع من الهرب من الالم المتجسم بالواقع المرير الذي نحياه . او ان طيبته تفرض عليه هذا الاسلوب حتى يخفف الحزن والاسى

عند الاخرين . كأن لسان حاله يقول : " لا تقلقوا لا تحزنوا الانسان اقوى من المصائب . الابتسامه تهزم جحافل الغضب . اصبروا وتمهلوا . لكل شيء اوان . الضحكة

ضرورية للحفاظ على النفس البشرية. ما لا يتحمله الصخر والحديد الصلب يتحمله الانسان ويعبره !".

********

قال لي وهو يرفع كأسه الى شفتيه :

- رائحة الريحان تملأ حتى كأسي .

جفلت وانا ارد عليه :

- ربما بسبب قربنا من المقبرة .

لم يعر جوابي اي اهتمام . ما ذكره عن الريحان اثار توجسي وعدم يقيني مما يتراءى لي . الريحان جميل الرائحة .. ولكن نموه فوق القبور ، وارتباطه بعالم

الموت والجمود الابدي اثار تقززي وتوجسي ، واذا ما اكملت الدائرة بظهور حازم الغريب ، ومفارقات ما جرى ويجري معي من لحظة لقائه ، يزداد الغموض ويتسع وينتشر

القلق ...

اغرقت ما بنفسي بجرعة خمر كبيرة ...

*******

افرغ حازم علبة البيرة في جوفة بنهم واستمتاع ، ثم قذفها من نافذة السيارة المنطلقة رغم معارضتي الشديدة .. وواجهني ساخرا:

- قذفونا من حياتنا من بلادنا من خبزنا من اهلنا ، وانت تخاف من قذف علبة فارغة ؟!

ادركت ان قوله جاء للتغطية على تصرف عفوي ابتسمت وقلت :

- هم يرتكبون الموبقات وعلبة البيرة تدفع الثمن ؟!!

لم يرد . كان غارقا بذكرياته يبحث عن جملة يواصل بها ما انقطع :

- قبل سفري للقاء امينة اعترتني فكرة اخرى : ماذا تكون حالها ؟ ربما تكون متزوجة ؟ هل يعقل ان لا تتزوج فتاة بمثل ملاحتها ؟ هل تصمد امام اغراءات

الحياة وضغوطات الناس والاهل ؟ او تكون قد اخلصت مثلي لحب بلا امل ؟ ولحلم بلا اطار ؟

قررت تأجيل سفري . قلت لك ان نقائضي احتدت . احترت في واجبي وغاب عني اليقين .

ربما يكون ترددي بسبب خوفي من نهاية تعيسة لحلم شبابي وامل حياتي الوحيد المتبقي .

خفت ان تنتهي امنياتي الطويلة فاقبض على الريح بعد هذا الانتظار والصبر الطويلين . انا لست شابا يافعا صغير السن يفشل في تجربة فيدخل اخرى .

انا لا اتحمل الفشل !!

انا لا اقدر على الهزيمة بعد هذا العمر والامل الممتد المرهق .

افضل ان ابقى نائما على حلم جميل .

البعد والتمني ولا اللقاء والفراق !!!

ربما هذه هي طبيعة الانسان ، يتجاهل ويعمى خوفا من المواجهة .

انا لم اخف من المواجهة .

خفت من الفشل بعد هذا الانتظار الممتد . ان تتبعثر الآمال النضرة وتتيبس الأمنيات. أن تذبل الاحلام وتفقد معناها . أن تفقد الحياة رونقها وجاذبيتها. الحياة

حلوة رغم كل المآسي والاحزان . ولكن هل تبقى الحياة حلوة بلا امنية بعد ان اهتديت اليها ؟ بلا حلم ؟ بلا امل ؟ هل تبقى الحياة حلوة بلا أمينة ؟

وضعت تعجلي جانبا وقلت لنفسي : " خطوة خطوة يتلاشى البعد واحوي عبق حياتي الاول .. تلفني ظلالها .. وتلفها ظلالي ، ونعيش ما تبقى من عمرنا سوية ".

كلفت احد اصدقائي العمال مهمة الاستفسار بشكل غير مباشر من والد امينة عن وضع ابنته أمينة .

عشت منتظرا الاخبار ، قلقا متوجسا احيانا ، وغاضبا بلا سبب، ومنرفزا احيانا اخرى .

لوهلة اقول لنفسي :" تلك الايام ولت بلا رجعة ، وما كان لن يعود ، فانسى أمينة وابدا حياتك من جديد " . فيرد دافع قوي منطلق من آهاتي واحلامي : " ابدا

يا حازم .. الصبر مفتاح الاماني ، ولكل شيء اوان، والقلوب عند بعضها ".

اتخيل جسدها البض النحاسي بين ذراعي والامواج تلطمنا .. تبرد حرارة اجسادنا . وصدرها مستكين فوق صدري . شعرها متناثر على وجهي .. تنعفه الريح رغم رطوبته

فاخطف قبلة من شفتيها . اكاد اشعر بطعم قبلتها الان .. بحرارة عناقها . انا في كامل وعيي ، ولكن حبي لها واحساسي لملامسة جسدها وعناقها متجذر في نفسي

.. متسلط على وعيي . كثيرا ما فتحت عيني وانا واهم اني غاف بين ذراعيها .. رأسي مستكين كطفل فوق صدرها.. بين نهديها . آخذ رحيق الحياة من عنقها ، من انحدار

الصدر المثير . لم اتمتع بمعانقة امرأة وتقبيلها منذ فقدت أمينة . لم أشعر للعناق لذة ولا للقبلة معنى . كانت علاقاتي نوعا من تفريغ السموم . أحيانا أكره

نفسي لأني أخونها . أتعذب فاغرق بالشرب . وكلما شربت اكثر كلما تجلت لي أمينة وكبر احساسي بها . كانت لا تغيب عن احلامي ابدا. دائما معي في نومي . انها

زوجتي حقيقة .. ولكن بالحلم .. فهل تنهزم احلامي ؟!

بدات أتوجس من الخبر المنتظر . انتظار الخبر عن أمينة مزقني . القلق والتناقض والحيرة سيطروا على نفسي .. ويوم رايت العامل الذي كلفته بالمهمة مقبلا لزيارتي

كدت اغلق الباب على نفسي وارفض دخوله . ولكني عجزت عن التصرف . لم اكن اقف بقدمي على الارض ، انما على بساط هلامي يرتفع وينخفض ، فارتفع وانخفض واطرافي

متثلجة .. أكاد لا أشعر بها . اما حالتي النفسية فمتقلبة .. لا اعرف كيف اصفها . ربما نوع من الموت . نوع من الفقدان الكلي للحواس .. من عدم القدرة على

الادراك والتفكير . شطط تام !!

هل تعرف ماذا نقل لي ذلك العامل ؟!

قال انه جر والدها للحديث عن بيته وعائلته . قال والدها ان ما يعذبة ابنة له ،مجنونة ستقضي عليه بعنادها ورفضها الزواج ، رغم كثرة المتقدمين ... ابنته

ترفض كل من يتقدم اليها . حيرته في امرها .. فهو شيخ يوغل بالكبر .. ويخاف من الايام ان تغدر بابنته ، فيغادر الدنيا وهي عانس.. فتضيع وتتعذب . انه

يضغط عليها لتقبل الزواج فتهدد بايذاء نفسها . حتى والدتها ماتت غما من عناد أمينة . ماتت وفي قلبها حسرة على ابنتها ، ووصية لزوجها ان لا يتركها على

حالها ابدا . انه يخاف من الايام وكلام الناس . راحة الوالد بزواج بناته . لو كانت ابنا لما اعاد عليها السؤال .

هدأت اعصابي ونفسي وغرقت براحة وفرح شاعرا ان أمينة عند اسمها .

صرت واثقا انها صانت حبنا كما صنته أنا .. ولكني لم اصنه .. !

هل تعتبر تصرفاتي خيانة ؟! وكيف أقبل على نفسي ما لا أقبله عليها ؟!

ولكن هذه مشكلة جانبية ذاتية عذبتني لفترة وعبرتها . سألت نفسي :" ترى هل تحبني أمينة حقا ؟! لا يكفي ما اشعر به .ربما مشاعري نوع من الامنيات. هل رفضت

خطابها بسبب استمرار واخلاصها لي ، انا الحبيب الغائب . بسبب بقاء حبها لي ؟! اخلاص متفان لا يعترف بالهزيمة ؟! هل هي نسخة ثانية مني ؟! تأمل ان اجيئها

فارسا على فرس اصيلة ؟ آخذها وانطلق للأفق للسعادة للفرح للحياة ؟!"

انا أحب أمينة وقلبي مليء بالحب والامل ولا من مزيد .

هذا ما لا حاجة الى تكراره وتاكيده . غير اني بقيت متوجسا من حقيقة موقفها مني بعد هذا الزمن الطويل ؟! قلت لنفسي : " لعل البدايات تلتقي بالنهايات ،

ونعبر الحزن الى بقايا السعادة . لقد أبحر بنا العمر في بحر الزمن وحل عهد الملتقى والوصال ، وأملى الوحيد ألا يكون رفضها للعرسان حالة مطلقة تشملنيأيضا

. عندها لن اقبض حتى على الريح ويطيب الموت .

في تلك الفترة توفي والدي وأجلت مرة أخرى حلمي بلقاء أمينة .. وبقيت انا واخي لوحدنا .

كرهت القدر الذي يبعد لحظات اللقاء بيننا . وبدأت اؤمن بالمكتوب .. بالخرافات . ولكني نفضت فكري من كل الشوائب . انا متفائل دوما حتى في أحلك اللحظات

.. و لم يغب عني تفاؤلي رغم القهر الذي وقع من نصيبي.

تجدد الامل جعلني اشعر بالضرورة الماسة لأمرأة أعطيها من عواطفي سريرا ، ومن حبي راحة تظللها كطفلة ، وتعطيني رحيقا بشريا فاشعر بانسانيتي ، ونتجلى حبا

وصبابة . وسوس لي فؤادي ، وحلقت بي تخيلاتي. بدأت افكر بأمينة كامراة وأم وربة بيت وحبيبة . القى همومي بين يديها. امتلأت جوانحي بالسعادة المتخيلة ..

فأيقنت ان الواقع أجمل والحقائق أروع وأبلغ .

ومضت على حالي عدة اشهر .. ربما سنة وانا متردد وجل . أكر وأدبر بلا قرار . كنت متوجسا من فرحي البالغ . جافلا من عاطفتي المتقدة . متخوفا من العاصفة

المندفعة من اعماقي .

وفجأة وبلا سابق تفكير او تخطيط ، استيقظت احد الأيام وأنا مقرر ان أحمل ترددي ورهبتي وفرحي وأملي واواجه مصيري . فاما الموت واما الحياة .

ركبت الباص الى تل ابيب ، ثم أخذت باصا من تل ابيب الى الرملة .

وصلت " للجيتو " العربي بدون صعوبة . فالاسم معروف لليهود كما هو معروف للعرب .. وبقيت حيرتني من هذه التسمية ، خاصة عندما يستعملها اليهود ، ضحايا الغيتوات

في اوروبا ، غير ان دافعي الخاص ، ذاتيتي ، كانت اقوى من التفكير بمهازل الزمان .

دخلت حيا ترابيا تعلو الاوساخ والابنية المهدمة جانبية ، اشارة باقية على العاصفة الهوجاء ، وعلى المصير الذي صرنا اليه ، برز واضحا التفتت والضياع والتشرذم

والتلاشى . من مدينة متطورة ، ومركزا زراعيا اساسيا الى جيتو معزول . حرمنا من وطننا وحرمنا من ذاتنا . يبدو جليا ما يراد لنا من اكوام الاتربة والاوساخ

التي لم تنظف رغم مضى عقدين من الاعوام ، ولكني جئت بمهمة اخرى ، فما بالي أحمل نفسي فوق طاقتها ؟ لأنسى نفسي القلقة وشجوني وأحزاني ؟! هل انسى أمينة

وأغرق في تاملاتي عن مصيرنا البائس وحظنا العاثر ؟!

رأيت نفسي في بحر مائج متمسكا بقشة عائمة يدفعها الموج ، فازداد امساكا والتصاقا بها خوفا من الغرق .. وأنا الذي احسن العوم ولو في وسط المحيط .. فاضطربت

وارتج على الامر .

هل صرنا حقا بلا وطن ؟! نعيش فيه وليس لنا ؟! فقدت أمينة وفقدت الوطن ؟!

شدتني أحزاني فسالت نفسي : " أمينة قد تعود لي.. ولكن كيف يعود الوطن ؟!"

وقفت في باب احدى البقالات أشرب زجاجة شراب ارطب بها حلقي من حرارة الطقس وكآبة الافكار وقيظ الحزن والغضب الدفين في اعماقي . كان ذهني يزدحم دوما بافكار

عديدة جديدة ومتجددة . تمنيت فراق الخواطر ليخلو فكري لأمينة ، استعدادا للحظة العمر الكبرى . لحظة انتهاء الانتظار الممتد الطويل . لحظة التجلي والصعود

. فافهم ما لم افهمه واعرف ما لا اعرفه . نعود انا وأمينة الى جذور الاشياء وبدايات الاحداث. ننسى عذاب الماضي ونعيش لحظتنا باتساعها .

عندما القاها لن افقدها ثانية !

ولكن كيف ستلقاني ؟!

اقلقني هذا السؤال واصابني شطط . تهت وراء مبتدأ افكاري ، وتاهت افكاري وراء توقعاتي .

من انا ؟ ماذا اريد ؟ هل ينتهي الحلم الجميل ؟ يتبدد الامل ؟ تتناثر الاحلام اشلاء ؟ أهوى من العلياء ؟ يتحول الفرح الموعود الى ترح ؟ وينقلب الضحك الى

بكاء ؟ تنتحر السعادة ويسود شقاء . تتلاشى الامنيات التي اينعت ؟!

*******

تنبهت له يرفع كأسه لشفتيه . شربنا. تنهد بعمق شديد وكأنه يروي لي مجددا ما يعبر برأسي من ذكريات عنه.. حتى خيل لي اني أسمع تأوهاته وليس تنهده العميق.

ربما يعيش معي ما يعبر بذهني من صور وذكريات تخصه. تأملته فما وجدت تغييرا يذكر على محياه . هدوء متواصل ونظرات من عالم متجلد .

طلب كأسين آخريين وهو يحثني على الشرب . فجأة لمعت عيناه وسلط نظراته بوجهي ، فارتعشت . وسألني متذكرا أحد الاصدقاء :

هل تزوج سهيل ؟! -

- ورزق بطفلة . أجبت

- وذقنه ؟!

- لا تزال علامة مميزة .

- تسعدني اخباره .

- نلقاه الليلة .

لم اكن واثقا مما قلت . لم يجب . كنت متوقعا ان يسال عن الاصدقاء بالتفاصيل ، فشحذت ذهني لاتذكر ما جرى معهم .. فلم اجد كثيرا مما يقال. عاد يغرق بذاته

وكأسه ، فازداد يقيني من غرابة موقفي ، واشتد انذهالي من حال صاحبي . ربما لوهلة فهمت ما يقصده بان أمينة زوجته منذ أحبها . انها زوجة أحلامه ، يعيش معها

وهو في عالم الكرى . أيجوز ان يكون ظهوره حلما كظهور أمينة الدائم له ؟!

ولكني متيقظ لما حولي ولما يجري معي ؟؟!!

images/clip_image