(4)

12 0 00

(4)

استيقظت عند الظهر. اغتسلت وأخذت أدوية الصباح: للضغط والمعدة والاكتئاب. تلفنت إلى الاستقبال طالبا الإفطار، فقالت لي الموظفة إنه لا توجد خدمة للغرف لأنها

مجهزة للخدمة الذاتية. ارتديت ملابسي وهبطت إلى البهو فوجدت البروفيسور ربيع الخطيب أحد منظمي المؤتمر في انتظاري. كان تونسيا متوسط القامة قمحي اللون، أصلع

بشعرات قليلة متناثرة. ويرتدي بزة كاملة رمادية اللون. جلسنا في البهو وحكيت له ما تعرضت له بالأمس فأبدى أسفه.

قلت: تصور أن هذا الفندق المكون من مبنيين لا يوجد به حارس ليلي، أو مطعم، ولا أري به من عاملين سوى سيدة الاستقبال.

قال: كل المنشآت الحديثة تتعمد استخدام أقل عدد من العمال. كان يتكلم في بطء، وبصوت منخفض، ويستمع في انتباه، لكنه يشرد أحيانا. والظاهر أن اللهجة المصرية كانت

غير أليفة بالنسبة له، فتفوته بعض المعاني.

قلت بالعربية الفصحى إني لم أتناول الافطار بعد.

تطلع في ساعته وقال: نحن الآن في موعد الغداء. ماذا تحب أن تأكل؟ يوجد هنا مطعم يقدم الأكل الفرنسي والمغربي.

قلت: أفكر في شئ خفيف.

ـ إذن البلو سل. في شارع مولان أسيل. مكان للطلبة يقدم سلطات وسندوتشات.

قلت: أفضل كوبا من القهوة وكرواسون.

قال: أعرف المكان لذلك.

صعدت إلى غرفتي وأحضرت مظلتي، وحافظتي الجلدية، بعد أن اطمأننت إلى وجود أوراقي والمخطوطة التي سأتحدث عنها. تركت البطاقة الممغنطقة عند الاستقبال. وشيعتني

الموظفة بنظرة متفكهة.

خرجنا إلى الشارع الهادئ. كان المبني الفندقي بطرازه الحديث نشازا بين بقية المباني القديمة. لحظ انطباعي فقال: بواتييه مدينة قديمة جدا، تأسست قبل الامبراطورية

الرومانية، وما زالت أغلب مبانيها تحتفظ بالطراز الروماني فضلا عن القوطي. رغم ذلك كان المرور منظما جيدا. وأماكن الانتظار بحذاء الأرصفة محددة و متعددة الأشكال

والقواعد. أضاف ونحن نخطو فوق رصيف نظيف: إذا أردت مرة أن تجرب الأكلات الفرنسية المتنوعة فهناك مطاعم عديدة بشارع كارنو. لكن ربما لن تجد فرصة، لأن وجبتي الغذاء

والعشاء مرتبتين لجميع المشاركين. على العموم يجب أن تذهب إلى هذا الشارع فهو مكتظ بالبارات التي يملؤها الطلبة.

ولجنا مقهى قديما غلفت جدرانه بالخشب البني اللون. وفي الأركان دواليب مليئة بالكتب أعطت المكان طابعا بيتيا. جلسنا في جانب يسمح فيه بالتدخين. قال: ألاحظت

هذه الكتب؟

تطلعت إليها متفحصا: ماذا بها؟

قال: إنها مجرد قطع من الحجارة علي شكل مجلدات.

أحضرت لنا فتاة سمراء باسمة كوبين من القهوة و قطعة كرواسون لي.

حدثتها بالعربية متسائلا: أنت عربية؟

أجابت: نعم. جزائرية. طالبة في الجامعة.

اكتسب ربيع فجأة شخصية البروفيسور، وقال لها في تعال: ماذا تدرسين؟ ضحكت فبانت فجوة بين أسنانها داخل فمها. قالت: الفلسفة.

اقترب منا رجل نحيل متوسط القامة أسمر اللون، امتلأ وجهه بالغضون. وكان يحمل في يده كوبا من القهوة. دعاه ربيع إلى الجلوس معنا فاستجاب.

قدمنا إلى بعض وعرفت أنه أستاذ عراقي في قسم الأنثروبولوجي يدعي عبد الكريم نصيب.

سأله: كيف حالك الآن؟

أجاب: لا بأس.

التفت ربيع إلىّ قائلا: عبد الكريم فقد ذاكرته تماما منذ شهور. كان يسير في الشارع، ثم وقع، واستيقظ في المستشفى، ومضت أيام عديدة قبل أن يستعيد ذاكرته.

سألته عما إذا كان ذلك قد حدث له من قبل.

قال: مرة واحدة أثناء ضرب بغداد في حرب الخليج.

أمطرته بالأسئلة: عن عمره (40 سنة) وعما إذا كان متزوجا (من فرنسية).

ـ أولاد؟

ـ كلا. لا أريد تحمل مسئولية إحضارآخرين إلى هذا العالم. وزوجتي تشاركني الرأي.

ـ هل أنت مدرك للسبب فيما تتعرض له من حالات؟

ـ أجل.

لم تمنعني إجابته من ممارسة هوايتي في التحليل.

قلت: فقدان الذاكرة قد يعني رغبة في الانسحاب أمام الضغوط الخارجية. الغربة. الزوجة. عدم التحقق المهني والجنسي.

قال: أنت محق فيما يتعلق بالغربة. أما بالنسبة لزوجتي فنحن متفاهمان جيدا منذ البداية.

ـ آه! هنا النقطة! فاحتياجاتنا تتغير، وقد ينمو أحد الطرفين في اتجاه معاكس للطرف الآخر. ثم هناك احتمال آخر. أن تكون هناك نزعات معينة ينجح المرء في كبتها

بعض الوقت، وبالتدريج تضعف السدادة حتى تنخلع، ويحدث هذا عادة بالقرب من الخمسين.

استدركت فجأة شاعرا أني تماديت في المحاضرة: ليست هناك قاعدة فربما قبل ذلك.

وكأنما أراد تجنب أسئلتي وتعليقاتي فغير موضوع الحديث. بسط الصحيفة التي يحملها وقال: الاضطرابات امتدت إلى روين وايل دي فرانس وأحرق الشباب 315 سيارة.

قلت: كنت أظنها قاصرة علي باريس.

قال: كان الأمر كذلك في البداية. فباريس بها أكبر تجمع من المهاجرين وأبنائهم(3).

سألتهما: لم يحدث شئ في بواتييه؟

قال ربيع: حتى الآن لا.

سألت: هل هناك تيارات إسلامية خلف الأحداث؟

قال عبد الكريم: رئيس المخابرات الفرنسية نفى أن يكون للإسلام الراديكالي علاقة بها.

انتهى من شرب القهوة فاستأذن منصرفا.

سأله ربيع دون تكلف: هل دفعت حسابك؟ سأقوم بذلك إن كنت لم تفعل.

أكد عبد الكريم أنه فعل. فقال ربيع في بساطة: لا بأس.

ثم أضاف بصوت خافت عندما ابتعد العراقي: العرب يستهبلون أحيانا، فلا بد من تنبيههم.

اكتشفت في الحديث معه وجود أشياء مشتركة بيننا رغم فارق السن الذي يقارب العقدين. فكل منا عانى وما زال من فقدان الأم في سن مبكرة وقضى حياته في البحث عنها.

قال: زوجتي صاغت نفسها في دورالأم. لكنها امرأة صعبة.

فرنسية عجفاء! التقطته عندما جاء من عشرين سنة، ولأنه لم يكن يعرف غيرها، أو لأنها أول تجربة له مع المرأة الأوروبية، تزوجها وأحال كل منهما حياة الآخر جحيما!

أبديت إشفاقي على صعوبة الحياة بالنسبة للمرأة عندما تتقدم في السن، وتعتريها الأوهام والمخاوف. وضربت مثلا برعب الإصابة بسرطان الثدي واستئصاله.

قال: زوجتي تقول مازحة إنها لن تخسر شيئا لأن صدرها صغير.

تطلع في ساعته وقال: حان الوقت لأن نذهب إلى حفل الاستقبال.

أخذني في سيارة رينو صغيرة إلى إدارة الجامعة في مركز المدينة، ومبنى قديم تعلوه يافطة من القماش بهذه العبارة:

بونابرت في مصر

أضواء عربية جديدة

نوفمبر 2005