(2)

10 0 00

(2)

حطت الطائرة أخيرا في مطار أورلي في جو قاتم بدا من النافذة. سبقتني إلى الخروج مسرعة. ولم تلبث أن غابت عن بصري. وجرت مراقبة الجوازات بتدقيق بالغ. ثم مضيت

مع لافتة استعادة الحقائب مسافة حتى بلغت مكانها، ووقفت أنتظر وأنا أتأمل الواقفين. تعلقت عيناي بامرأة طويلة القامة بشعر أشقر قصير ترتدي معطفا طويلا من الجبردين،

وتنتعل حذاء جلديا بني اللون بكعب متوسط. رأيتها تجذب حقيبتها في حيوية ونشاط. الحنين الدائم الذي صاغ سنوات المراهقة والدراسة والعمل بالذوبان داخل معطف أسود

معطر فوق إمرأة. حديقة المقهى والمرأة الأربعينية الممتلئة البادية الرصانة والأمومة ويدها تستقر فوق يد شاب حزين أسمر أصغر منها سنا بعقد علي الأقل وليس ابنها

بالتأكيد.

استعدت حقيبتي الثقيلة واستخرجت منها معطفي وارتديته. ثم علقت الحافظة الجلدية المنتفخة في كتفي. التقطت حاملة حقائب مقابل نصف يورو، وضعته في ثقب بمقبضها.

دفعت الحاملة أمامي حتى موظفة الجمرك. كانت ترتدي بلوزة سماوية اللون وجوبة زرقاء. انتظرت خلف طابور من الفرنسيين، ورأيتها تسمح لهم بالمرور دون كلمة. وعندما

وصلت أمامها طلبت مني الجواز مستفسرة عن مهنتي.

قلت لها إني بروفيسور جامعي.

ناولتني الجواز وهي تردد في سخرية خفيفة: تفضل يا بروفيسور. وأشارت لي بالمرور.

عاودتني آلام ظهري وأنا أعبر الأنفاق الطويلة المؤدية إلى المخرج. تشاغلت بالفرجة على الإعلانات الجدارية. لفت نظري ملصق لغلاف عدد من مجلة التصوير لأمرأة تكشف

عن فخذها وأليتها. ثم شهدت ملصقا آخر لمؤخرة إمرأة أسفل هذا التساؤل: هل الأفلام الإيروتيكية تساعد الأزواج في حياتهم الجنسية؟ وحوى ملصق ثالث عدة أرقام تليفون

وتحتها هذه العبارة: "إتصل بنا قبل أن تقدم على الانتحار".

اعترضني عند المخرج شاب عربي أدركت من لهجته أنه من شمال أفريقيا. سألني إذا كنت في حاجة إلى تاكسي. أجبت بالنفي وسألته بدوري عن محطة الباص، فدلني عليها في

فتور. أنزلت حقيبتي بصعوبة من فوق الحاملة، ودفعتها بعيدا غافلا عن استرداد نقودي. ورأيت الشاب يقترب منها ويجرها إلى صف حاملات فيدفعها فيه، ويسترد العملة

التي أودعتها.

أقلني الباص إلى ميدان دنفر ـ روشو بينما كنت أكافح الكآبة التي انتابتني وأنا أتابع الطرقات النظيفة، والحدائق والتشطيب الدقيق الأنيق لحواف الأرصفة، وأحواض

الأشجار والزهور، وجوانب الكباري وأسفلها. أنزلت حقيبتي وأنا أئن من ثقلها. ولمت نفسي علي أني أحضرت هذا الكم من المراجع والملابس. عبرت الميدان.وهبطت إلى محطة

المترو. استقبلتني لافتة مونبارناس بيان فيني. تسليت بترجمة العبارة إلى العربية.

مونبارناس أهلا وسهلا أم حمد الله على السلامة؟

عند شباك البطاقات وقع ما كنت أتوجس منه. كان العامل شابا صغيرالسن مزهوا بنفسه كثير الحركة، منهمكا في حديث متواصل مع زميله الجالس خلف النافذة المجاورة. ذكرني

على الفور بشبان النواصي وركاب الموتوسيكلات. وضعت حقيبتي الكبيرة على الأرض وأسندت إليها الثانية الأصغر وأوشكت أن أتعثر فيهما وأنا أحني رأ سي أمام فتحة النافذة

وأجاهد كي يكون نطقي واضحا. سألته عن ثمن البطاقة إلى مدينة بواتييه فأشار في ضيق إلى لافتة معلقة فوق زجاج النافذة. جمعت بعض القطع المعدنية من جيوبي وأعطيتها

له. ولم أنتبه إلى أن إحداها من عملة الفرنك الملغية. وكان هذا ما ينتظره الشاب، إذ صاح في غاضبا وأعادها إلىّ ثم قال شيئا لزميله لم أشك في أنه تنديد بحمورية

الأجانب (الشرقيين بالطبع والعرب على وجه الخصوص). حصلت على البطاقة وحملت حقيبتي إلى محطة القطار. كان الزحام شديدا يتألف فيما يبدو من المغادرين للمدينة بسبب

أحداث الشغب. بدأت أبحث عن رصيف القطارالسريع تي جي في. سألت رجلا في ثياب أنيقة فقال إنه روسي ولا يعرف الفرنسية. استوقفت امرأة مسرعة فابتعدت عني خائفة. وأخيرا

عثرت على الرصيف في جانب آخر من المحطة الضخمة.

تقدمت من القطار الذي كان موشكا علي التحرك. اعترضني محصل أريته بطاقتي فقال لي عبارة فهمت منها أنه لا بد من المضي بعيدا إلى آخر الرصيف. مشيت طويلا حتي وجدت

نفسي أمام قطار آخر. كانت هناك فتاة تودع أهلها فأريتها البطاقة.

قالت: هذا هو القطار، لكن عربتك في نهايته. إصعد هنا الآن لأنه سيتحرك.

رفعت حقيبتي في صعوبة إلى مدخل العربة. وتنقلت بمشقة بين العربات حتي وصلت مكاني.

جلست وأنا أتنهد شاعرا بالعرق يسيل تحت إبطي. أنصت لشابين في المقعد المقابل يتبادلان الحديث بصوت عال عن مزايا أنواع مختلفة من السيارات والقوارب. وكانا يبدوان

في تمام الصحة واللياقة البدنية. قمت بعد قليل فذهبت إلى عربة الكافيتريا واشتريت علبة بيرة. عدت إلى مقعدي وجلست أحتسيها في استمتاع، بينما القطار مندفع كالصاروخ.

تأملت رجلين في مقعد جانبي. أحدهما صغير السن والثاني كهل. وأشارالأخير إلى المقعد التالي لهما ساخرا. وكان به شاب وفتاة غارقين في القبلات. وما لبث الرجلان

أن نهضا وغادرا العربة. ثم عادا بعلبة بيبسي وكوب قهوة من الورق. وجلس الشاب يحتسي البيبسي، بينما ظل الثاني واقفا يتطلع إليه في حنان.

رجل وابن أم رجل وعشيق؟

تأملت رف الحقائب الذي تألف من زجاج سميك عاكس يتيح رؤية رؤوس الجالسين تحته أو وجوههم المقلوبة إذا كانوا يجلسون في المقاعد العكسية. لمحت ما بدا لي ساعدا

عاريا يداعب جسما عاريا والإثنين في حركة دائمة. دققت النظر فتبينت يدا أنثوية تتحسس ما خلت أنه فخذ عار. تدفقت الدماء في عروقي وتركت العنان لخيالي. وقمت بعد

لحظة متجها إلى الحمام. واكتشفت أني كنت أتطلع إلي صورة أم تهدهد طفلة صغيرة لم تتجاوز الثانية من عمرها، لتساعدها على النوم. فعدت مكسوفا إلى مقعدي.

توقف القطار في الطريق فجأة، وانطفأت أنواره. وأعلنت إذاعته عن عطل في الشبكة الكهربائية. وكررت الإذاعة الخبر. وبدا الانزعاج والقلق علي الركاب. وواصلت الإذاعة

الإبلاغ كل بضع دقائق عن الموقف. ثم تحرك القطار وتوقف بعد قليل. وأعلنت الاذاعة عن إعداد سيارات لتقل الركاب من المحطة التالية إلى بعض الوصلات. ثم أعطت عنوانا

يمكن للركاب الكتابة إليه للمطالبة بتعويض عن التأخير. ابتسمت لنفسي وأنا أتابع ردود الأفعال ـ سواء من جانب الركاب أو قيادة القطار ـ بالنسبة لأمر يعتبر عاديا

في بلادي. امتد العطل حوالى الساعة، قبل أن يستأنف القطار طريقه. وحمدت الله أني قررت الاعتماد على نفسي في الذهاب إلى المكان المعد لإقامتي، وأعفيت الأستاذ

الجامعي المكلف من عبء استقبالي.