(1)
ـ دكتور شكري!
التفت خلفي وشاهدت بين جموع المسافرين زميلا من حوارّي عدوي اللدود حلمي عبدالله(1).
صافحته مبتعدا بوجهي لأتحاشي رائحة فمه التي مزجت بين دخان السجائر والتهاب اللثة. قال وهو يتأمل ملابسي بنظرة فاحصة ليقيس مدى نجاحي: أنا مسافر إلى جامعة "العين"
في الإمارات. وأنت؟
قلت: مؤتمر في فرنسا.
التمعت في عينه نظرة حسد. قال: كيف حال التفرغ؟
كان يشير إلى تقاعدي وتعييني أستاذا متفرغا للتاريخ المقارن في جامعة القاهرة، بمبلغ لا يتجاوز عدة مئات قليلة من الجنيهات.
قلت: لا بأس.
دعاني إلى الجلوس معه في كافيتريا المطار فقلت إن موعد طائرتي حان وأسرعت بالانصراف. ولجت الحمام وتبولت، ثم غسلت يدي وأنا أتأمل وجهي في مرآة عريضة. ساويت
شعري الأبيض وخرجت. لمحت فتاة جالسة بين عدد كبير من الحقائب. شعر أسود قصير وناعم. نظارة طبية. ملابس مهملة تتألف من بلوزة دون رقبة داخل بنطلون أسود. قامة
رشيقة. كانت منحنية فوق كمبيوتر محمول، وضعته فوق فخذيها وتعمل عليه بتركيز. لم تكن مصرية وقدرت أنها قد تكون فرنسية. وقفت وسط مجموعة من السائحين الفرنسيين
يعلقون على مشاهداتهم وتجاربهم في القاهرة. كانوا متشاركين في زجاجة مياه بركة يحملها أحدهم، ويلجأون إليه بين الحين والآخر طلبا لرشفة. وعرفت أن موعد قيام
الطائرة ما زال مجهولا. ومع ذلك بدأ إخراج الركاب إلى الباص الذي سيقلهم إليها.
كان للمجموعة الفرنسية قائدة في حوالي الستين، دقيقة الحجم، بالغة النشاط، فرضت نفسها منذ اللحظة الأولي كفرد من طاقم الطائرة، مسئولة عن سلامة جماعتها، وأعطت
أولوية الخروج للعائلات ذوات الأطفال.
صعدت إلى الطائرة خلفهم وهبط قلبي عندما تبينت أنها من طراز بوينج 737 الذي تعددت حوادثه. جاء مكاني بين اثنين من السائحين. ولمحت فتاة الكمبيوتر في صف أمامي
ناحية اليسار. قدرت عمرها بالثلاثين. وكشفت البلوزة عن رقبة طويلة تغري باللمس والتقبيل.
وبينما تحركت المضيفات السمراوات المبطرخات ببطء وهن يتثاءبن، لم تهدأ قائدة الفرنسيين العجوز لحظة في المرور على أفراد جماعتها، والاطمئنان عليهم، وعلى الأطفال
منهم بوجه خاص.
هبت علىّ موجات من روائح العرق الشديد. كانت بجواري امرأة خمسينية شقراء يلتمع جلد وجهها الأحمر، وبين لحظة وأخرى تتلمس جذور شعر رأسها بأنامل أصابعها في رفق،
ثم ترفعها أمام عينيها لترى ما استخرجته من قشور. التفتت إليّ عدة مرات ثم سألتني عما إذا كنت أعيش في فرنسا. نفيت ذلك وأريتها كتيب المؤتمر. قرأت الكتيب واستعرضت
أسماء المشاركين باهتمام، ثم قالت في خيبة أمل: ليس بينهم أحد من المعروفين.
تابعت نقاشا حادا يجري بين فرنسيين خلفي. سمعت أحدهما يقول: لم يعد أحد حتى في اليسار يؤمن بالماركسية. الملكية الخاصة هى الأساس لكل شئ.
كما هو منتظر، ولأنها طائرة رخيصة، فضلا عن كونها مصرية، فقد أقلعت بعد ساعة من موعدها دون أن يتذمر أحد من الركاب، ودون أن يحملوا على محمل الجد الاعتذار التقليدي
الذي قدمه قائد الطائرة بعد أن حلقت في السماء. طرنا بعض الوقت فوق ألوان ترابية بنية بلا خضرة، حول مدن صغيرة في شبه دوائر غير محددة وعشوائية، وبداخلها مبان
متناثرة في غير نظام. انحني رفيق جارتي على النافذة يصور السحاب بكاميرا فيديو. وبدأت أشعر بالاختناق من روائح العرق. التفت خلفي بحثا عن مقعد آخر ينقذني من
الروائح. لمحت واحدا خاليا بجوار فتاة شقراء نحيفة بعينين زرقاوين تعلوهما عوينات طبية وترتدي بلوزة زرقاء وبنطلون جينز وحذاءً رياضيا. تناولت حقيبة كتفي وغادرت
مقعدي. اقتربت منها وأشرت إلى المقعد المجاورلها. سألتها إذا كان خاليا فأجابت بالفرنسية: نعم. كانت تحتل المقعد المطل على الدهليز فمالت بساقيها لتسمح لي بالمرور
إلى المقعد المجاور للنافذة. ورفعت إلىّ عينيها قائلة: إنه مقعدي في الأصل لكني أخاف من الجلوس إلى جوار النافذة.
بمجرد جلوسي مدت يدها إلى قائلة: اسمي دنيس وأنت؟
تناولت يدها وذكرت لها اسمي.
قالت: هل سنتحدث بالفرنسية أم بالإنجليزية؟
قلت: لا بأس بالفرنسية ولو أن لهجتي رديئة.
كانت شفتاها متشققتين في أكثر من مكان. وكشفت بلوزتها جانبا كبيرا من نحر لوحته شمس حديثة. تجاهلتها وبسطت صحيفة ودفنت رأسي فيها.
قالت بعد لحظة: أنا فرنسية وأعمل في شركة فرنسية بالقاهرة، وعائدة في أجازة قصيرة لرؤية زوجي.
أبديت اهتمامي دون أن أعلق.
استطردت: إنه أكبر مني بسنة. عمري 42 سنة. وأعرفه من أيام الدراسة. أنا منفعلة جدا فقد افتقدت الرقص والأصدقاء.
لم تمض نصف ساعة حتى كنت أعرف عنها كل شئ: زوجها هادئ الطبع على عكسها، فهى دائمة الحركة لا تكف عن الحديث. أبوها موسيقار دائم السفر. أمها في حوالي الخمسين
مغرمة بالشراب، وتعمل في شركة لإنتاج الموسيقى. في السنوات الأخيرة بدت الأم عاجزة أمام أشياء كثيرة، وصارت تعتمد على الابنة الأخرى. وأوحت نغمة الحديث بأن
الأبوين انفصلا من مدة. لم تلبث أن تكشفت عن أنها مصابة بداء الكلام القهري. كانت فاطنة إلى أن عيني تنزلقان برغمي عندما ألتفت نحوها، إلى أعلى ثدييها اللذين
يبدوان من فتحة البلوزة، فتهبط بعينيها إلى صدرها تتأمل المشهد الذي أطالعه.
قالت: للأسف أن الخمورلا تتوفرعلى الطائرة المصرية. فأنا أتوق إلي كأس.
أخرجت الزجاجة التي ابتعتها من السوق الحرة على الفور فابتهجت. استدعيت المضيفة وطلبت منها كأسين بقطع من الثلج. فتحت الزجاجة وصببت لها ولي. وقرعنا الكأسين.
قالت: أتمني أن تكون أعمال الشغب قد توقفت في باريس.
أجبت: لا بد. فقد مضى عليها أكثر من أسبوع.
قالت: إنهم مجانين. ماذا يريدون؟
قلت: الذي فهمته من الصحف أنهم يحتجون على البطالة ووحشية الشرطة(2).
لم تعلق، إذ بدأت شاشة العرض المعلقة في عرض فيلم أميركي. قالت إنه فيلم كوميدي شاهدته من قبل. ولم يمنعها هذا من الاستغراق في متابعته. أزحت مقعدي إلى الوراء
ورشفت من كأسي وأنا أتابع الفيلم. كان عن زوج تركته زوجته لفشله في مهنة التمثيل. وأخذت أولادهما معها. فتنكر في شكل خادمة، ليتمكن من رؤية الأطفال ويحكي لهم
القصص حتى تعلقوا بـ (ها). وأوحى إليه نجاحه في اجتذاب أطفاله، بإعداد برنامج خاص موجه إلى الأطفال، اقتحم به شاشة التليفزيون. وحقق النجاح الذي كان يطمح إليه.
وفي النهاية عادت إليه زوجته. كانت المشاهد الميلودرامية ـ رغم افتعالها الواضح ـ مؤثرة للغاية فدفعت بالدموع إلى عينيها وإلى عيني أنا الآخر. لكن ذلك لم يخلق
أي رابطة بيننا. خالجني الشعور بأنها لا تراني. فلم تسألني حتى عن عملي أوسبب سفري إلى فرنسا. وأنا الذي تبرعت بأن أذكر لها جنسيتي. ولم يثر هذا أى اهتمام أوفضول
لديها. كانت تبدو نافدة الصبر، حينما أشرع في الحديث. فما كانت تقوم به فعلا هو الحديث عن نفسها لنفسها.
ما جعلني أتحملها هي رائحتها. كانت بالتأكيد رائحة جنسية قوية بلا تدخل من عطر. تسليت بمحاولة تحديد مصدر الرائحة. كانت قد ذكرت أنها لم تنم جيدا لأنها سهرت
بالأمس مع بعض الأصدقاء. هل إنتهت السهرة بجنس؟ وقامت من النوم متأخرة ولم تجد وقتا للاغتسال الذي هو عموما ليس من عادات الفرنسيين؟ أو أنها استمنت في الصباح
كعادة يومية، أو بتأثير اللقاء المرتقب مع زوجها؟ أولعلها فقط منفعلة بقرب لقائه؟ وهل هذا ممكن في علاقة مرت عليها سنوات؟ الشك هنا مصدره تركيزها الدائم على
نفسها الذي ربما ينسحب أيضا على علاقتها بزوجها.
أيا كان السبب، فإن الرائحة كانت جميلة.