(3)

11 0 00

(3)

وصلنا بواتييه بعد حوالي ساعة من تعطل القطار. وخرجت إلى الظلام والمطرالخفيف. بسطت مظلتي واتجهت إلى موقف التاكسي.

لمحت راكبا ينتظر فوقفت إلى جواره. وتجمع الباقون في نهاية الرصيف. ووفدت سيارة تاكسي خالية. انتظرت أن تتوقف أمام جاري لكنها مضت إلى نهاية الرصيف. وفجأة تحرك

جاري مبتعدا في الإتجاه المعاكس، وتبينت أنه لم يكن في إنتظار تاكسي على الإطلاق.

انضممت إلى الطابورالحقيقي، ووقفت أنتظر في الجو البارد. راقبت سيارات التاكسي الفارهة وهي تقترب من عدة جهات وتدور بصينية صغيرة ثم تندفع إلي بداية الطابور،

حيث تتوقف ليستقل كل منها فرد واحد. بينما تستوعب ثلاثة. وربما كان أغلب الواقفين متجها إلي نفس المكان. لكن لا أحد يسأل. ولا سائق يصيح: واحد الجاراج أو السلام.

ولا أحد يعرض رغم الساعة المتأخرة والبرد والمطر.

حل دوري أخيرا. وأريت السائق ورقة تحمل اسم "المسكن الفندقي" وعنوانه. فتذمر قائلا إن المكان قريب. لكنه انطلق بالسيارة إلى ما بدا لي مركز المدينة ومضينا في

شارع ضيق. ولم يدفعه الضيق إلى الاكتفاء بالوقوف في أقرب نقطة، أو في عرض الطريق، أو حتى أمام واجهة المبنى كما يفعل سائقو القاهرة. وإنما ولج الباحة الممتدة

أمامها، وأنزلني بالضبط أمام باب يحمل لافتة «الاستقبال».

كان المبنى حديثا من ثلاثة طوابق، له واجهة مائلة من الصلب والزجاج، تضيؤها أنوار قوية. تركت حقيبتي فوق الرصيف ونشرت مظلتي تحت المطر وتقدمت من باب زجاجي معتم.

تبينت خلفه حوضا للزهور ولافتة أسعار. ضغطت ما خلته جرسا في لوحة معدنية تضم فتحات الإنتركوم وأزرار الشفرة. لكن أحدا لم يستجب.

أعدت الكرة وأنا أجذب مقبض الباب بلا فائدة. حاولت مرة ثالثة وأنا أدفعه إلى الداخل. ضغطت أزرار الشفرة مكونا مجموعات عشوائية من الحروف والأرقام دون جدوى.

عدت أتفحص الواجهة والباب وانتبهت إلى لافتة تقول إن الإدارة تعمل من السابعة صباحا حتى العاشرة مساء. وكانت عقارب ساعتي تشير إلى العاشرة والنصف. ولم ينبهني

الأستاذ منظم المؤتمر لهذا الأمر، لأنه بلا شك كان علي بينة بجدول سفري، وواثقا من أني سأصل الفندق قبل أن يغلق أبوابه، فالطائرات والقطارات في أوروبا تلتزم

بمواعيدها التزاما صارما، ولا تتأخر أو تتعطل إلا في النادر.

توقف المطر فنقلت حقيبتي إلى جواري، ووقفت تحت مظلتي أتطلع حولي. كان الشارع مهجورا تماما، ومنازله وحوانيته مظلمة. عدت أتأمل المبنى. كان ثمة بوابة عريضة من

قضبان حديدية طولية تمتد في حذاء الواجهة، وخلفها فناء ركنت به بضع سيارات، وفي نهايته مبنى آخر مماثل تماما للمبنى الذي وقفت أمامه. وكانت ثمة لافتتان تشيرأولاهما

إلى المبنى الخارجي بحرف "أ" والثانية إلى الداخلي بحرف "ب".

رأيت شابا وفتاة يقتربان مني. وتوقفا أمام المنزل المجاور. كان مبنى قديما له باب صغير من الخشب الثقيل، فوق درجتين، فتحته الفتاة بمفتاحها ثم دخلت بعد أن تركته

مواربا. وظل الشاب واقفا يدخن. تقدمت منه ووجهت إليه تحية المساء طالبا مساعدته. قلت له إن هناك غرفة محجوزة باسمي والمشكلة هي كيف أدخل. كررت ما قلته ضاغطا

على مخارج الألفاظ كي يستوعبه. أجابني بأنه لا يعرف شيئا عن هذا المكان. خطر لي أن أتصل بصديقي أستاذ الجامعة. سألت الشاب عما إذا كان هناك تليفون في المنزل

الذي ولجته الفتاة يمكن الاتصال منه. قال إنه لا يعرف وأشار إلي نهاية الشارع قائلا: هناك تليفون عمومي.

أومأت إلى حقيبتي وقلت: لا أستطيع حملها إلى هناك. وليس معي بطاقة للتليفون، إذ نسيت شراء واحدة. وليس هناك حانوت مفتوح الآن.

كنت آمل أن يعرض عليّ بطاقته، أو يقترح حلا، لكنه أدار لي ظهره قائلا إنه لا يستطيع لي شيئا.

عدت إدراجي إلي موضع الحقيبة. فوجدت البوابة الحديدية مفتوحة إلى آخرها. فكرت في الدخول فربما أمكنني ولوج المبنى من باب جانبي أو خلفي أوالذهاب إلى المبنى

الداخلي. وداعبني الأمل في أن أعثر في الداخل على حارس ليلي يستطيع مساعدتي. ثم خطر لي أني ربما أصبح أسير الفناء، عندما تغلق البوابة وبذلك أفقد حرية الحركة.

وبينما أنا موزع بين الفكرتين بدأت البوابة تتحرك في نصف دائرة نحوالإغلاق. وفوق طرفها مصباح يرسل ومضات تحذيرية صفراء اللون. وفجأة توقفت وأخذت تعود إلى وضعها

السابق المفتوح كأنها تدعوني للدخول.

لمحت شخصا في مدخل المبنى ب. تركت حقيبتي وحملت حافظتي الجلدية وعبرت المدخل وجريت نحوه. رأيته يدخل من باب زجاجي معتم مماثل للذي كنت أحاول فتحه. صحت به: هالو.

هالو. لكنه أغلق الباب خلفه واختفى في الداخل. كان بالباب لوحة معدنية مماثلة لتلك الموجودة في باب المبنى الأول. دققت الجرس وحركت مقبض الباب وعبثت بأرقام

وحروف الشفرة دون جدوى.

وقفت حائرا ثم رأيت البوابة تتحرك من جديد في اتجاه الإغلاق والمصباح الأصفر يرسل ومضاته التحذيرية، فهرعت نحوها وحملت حقيبتي إلى الداخل، وقفت أتأمل البوابة

حتى انغلقت تماما.

تركت الحقيبة مكانها ودرت حول المبني "أ" فلم أجد منفذا إليه. رفعت بصري إلى الواجهة الخلفية للمبنى. كانت مؤلفة من ألواح زجاجية عاكسة للضوء لا تكشف عما خلفها.

وكانت كلها مظلمة، أو هكذا كانت تبدو على أية حال. ظللت رافعا رأسي إلى أعلى كأنما أنتظر أن يظهر شخص ما في إحدى النوافذ لينشر غسيلا، أو يتأمل الشارع أو يثرثر

مع الجيران. ثم عبرت الفناء الذي اصطفت به عدة سيارات ومضيت إلى المبنى "ب".

اكتشفت أن المدخل به مكتب للاستقبال وكمبيوتر مفتوح عليه تعليمات خاصة بطعام الإفطار. هناك إذن شخص ما بالداخل ترك الكمبيوتر مفتوحا وسيعود بعد قليل. انتظرت

طويلا دون أن يظهر أحد. دققت الجرس عدة مرات. ودرت حول المبنى مرتين. نفس القصة. الباب المحكم الأغلاق، الزجاج العاكس المعتم. ولا يستطيع أحد الدخول إلا إذا

كان يعرف الشفرة.

عدت إدراجي إلى البوابة الحديدية ووقفت أتأمل الشارع. مرت عدة سيارات مسرعة ثم رجل وإمرأة في أواسط العمر يترنحان من السكر. تأملاني بلا مبالاة دون أن تبدو

عليهما الدهشة. فكرت في تسلق البوابة إلى الطريق. لكن قضبانها كانت عالية ومدببة وكان ظهري يؤلمني. ثم ماذا لو نجحت في تسلقها؟ إلي أين أذهب و أنا لا أعرف المدينة.

وماذا أفعل بحقيبتي. وفضلت أن أنتظر دخول أو خروج أحد العاملين أو الساكنين بالمكان.

جلست فوق حقيبتي إلى أن تثلجت أطرافي فقمت أسير حول الفناء. وبمرورالوقت بدأت أفقد الأمل. أدركت أن خلاصي لن يتحقق إلا حينما يبدأ يوم العمل في الموعد الذي

حددته اللافتة الخارجية. اتجهت إلى البوابة وتعلقت بيدي الإثنتين في قضبانها ووقفت أنتظر طلوع النهار. تعبت من الوقوف فجلست فوق حقيبتي. وبعد قليل حملتها إلى

مدخل المبنى وجلست فوقها مسندا رأسي إلى الباب. غفوت قليلا ثم أيقظني إحساسي بالبرد. نهضت واقفا وذهبت إلى البوابة الحديدية.

تنقلت بين البوابة والحقيبة حتى ظهرت تباشير الفجر. وفي السادسة والنصف خرج شخص من المبنى "ب" وانغلق الباب خلفه. وقبل أن أتحرك كان قد استقل إحدى السيارات.

وانفتحت البوابة لتسمح له بالخروج ثم دارت منغلقة خلفه.

في السابعة تماما دارت البوابة منفتحة. وولجت الفناء سيارة بيجو صغيرة نزلت منها امرأة طويلة. نهضت واقفا وابتعدت عن الباب. واقتربت المرأة في نشاط وعصبية.

ضغطت أزرار الشفرة وفتحت الباب وتركته مفتوحا فدخلت في أعقابها.

التفتت إلىّ مرحبة فذكرت لها اسمي. قالت: لحظة واحدة.

شغلت الكمبيوتر ثم أومأت برأسها عندما وجدت اسمي.

قالت: التأمين من فضلك.

قلت: أنا مدعو من الجامعة ولم يحدثني أحد عن تأمين.

قالت: هذا هو نظامنا.

سألتها: كم تريدين؟

قالت: 200 يورو.

أخرجت نقودي وبدأت أعد لها المبلغ.

قالت: ليس معك بطاقة ائتمان؟

قلت: لا أستخدمها.

قالت: أفضل أن تكون معك واحدة.

قلت: لكني لا أحتاج إليها في بلدي.

هزت كتفها في استسلام وأخذت مني النقود. ثم أعطتني بطاقة ممغنطة أفتح بها غرفتي. وحملت الحقيبة إلى مصعد أنيق انغلق خلفي في إحكام.

غادرت المصعد في الطابق الثاني واتجهت إلى غرفتي. وضعت الحقيبة على الأرض، ودسست البطاقة في فتحة الباب، وأدرت مقبضه فلم ينفتح. قلبتها في يدي فوجدت سهمًا على

الناحية الأخرى. دسستها من ناحية السهم فأضئ نور أخضر. دفعت الباب ودفعت الحقيبة إلى الداخل بقدمي. ثم انتزعت البطاقة وأغلقت الباب متنفسا الصعداء، معتقدا أن

محنتي قد انتهت.

كانت الغرفة مظلمة فتحسست الجدار بجوار الباب بحثا عن مفتاح النور فلم أعثر عليه. تحسست الجدران في عدة أماكن بلا فائدة. وساعدني ضوء الشارع المتسلل من النافذة

على تمييز موضع الفراش والتليفون المجاور له. رفعت السماعة فردت علي موظفة الاستقبال، وشرحت لي أن الكهرباء لا تعمل إلا إذا وضعت بطاقة الدخول في ثقب خاص بجوار

المدخل. فعلت فأضيئت أنوار الغرفة. كانت فسيحة، وبها مكتب وركن للطهي بجوار الباب. نزعت البطاقة فانطفأ النور. أعدت البطاقة مكانها. وفتحت الباب ووضعت لوحة

عدم الازعاج في مقبضه الخارجي. تلفنت للاستقبال طالبا عدم ازعاجي بأي تليفون. ودون أن أتناول أدوية قبل النوم خلعت ملابسي واندسست بين الأغطية.