٢
ولكنه حين رأى أن الخطر محدق بالسفينة، والخوف سائد على جميع ركَّابها، رأى أن من الحكمة أن يقتدي برفيقه المسافر ويتحذر، فغادره وأسرع إلى غرفته، فخلع ما عليه من الثياب الخارجية، وأخذ ما لديه من النقود وأوراق السير فيليام ووضعها جميعها بمنطقة من الجلد لا ينفذ إليها الماء وشدها إلى وسطه، وصعد إلى ظهر السفينة والتقى برفيقه ولازمه وهو يقول في نفسه: إما أن نغرق معًا أو ننجو معًا.
وكانت السفينة لا تستقر على حالة من القلق، تتقاذفها الأمواج كما تشاء العواصف ومهاب رياحها، فتندفع كالجواد المطلق الجامح لا يثنيه شيء عن اندفاعه، فقال البحار وهو ينظر إلى الجو المريد: لقد قُضِي الأمر.
وأجاب روكامبول: كيف ذلك؟
– انظرْ إلى آخِر الأفق في الجنوب، أَلَا ترى غمامة أقل سوادًا من بقية الغمام؟
– نعم.
– إن الأرض هناك وهي تبعد عنها ثلاث مراحل، ولا بد لسفينتنا من الالتطام بها.
ولم يكد يتم حديثه حتى ارتجت السفينة ارتجاجًا عظيمًا لاصطدامها بأحد الصخور العظيمة الناتئة، فصاح الربان بالبحارة: أسرعوا إلى إنزال القوارب.
إلا أن البحار لم ينتظر إنزالها، بل أشار إلى روكامبول أن يتبعه، وألقى بنفسه إلى تلك اللجج الثائرة، واندفع روكامبول في إثره وجعل الاثنان يسبحان إلى جهة البحر نحو ساعة حتى تعب روكامبول وتأخَّر عن رفيقه، والتفت إليه وشجَّعَه قائلًا: تجلَّدْ، لقد بلغنا إلى صخر قريب نستريح عليه.
فتشجع روكامبول وجعل يبذل ما بقي له من الجهد وهو يؤنب نفسه لتقصيره قائلًا: ما هذا الوهن؟ أأُجعَل طعامًا للأسماك على بعد ميل من البر؟ وأضعف عن اللحاق بهذا الرجل الذي سأكون بعده أغنى مركيز.
إلا أن جهده لم يَطُلْ، فإنه لم يسبح مسافة وجيزة حتى شعر بأن قواه قد نهكت، فصاح يستنجد برفيقه وجعل يغوص تحت الماء ويرتفع فوقها إلى أن شعر بيد قبضت على شعره، ثم أغمي عليه فلم يَعِ على شيء.
وعندما صحا من إغمائه قلب نظرًا حائرًا فيما كان يراه حواليه، فرأى أن أشعة الشمس قد بدَّدَتْ جيش الظلام، وأن العاصفة قد استبدلت بالسكينة، ثم رأى أنه لم يكن غريقًا في أعماق الأوقيانوس، بل كان ممدَّدًا على رمال بلغت إليها حرارة الشمس، وجففت ثيابه المبتلة من الأمواج.
ونهض وجعل يمشي على تلك الرمال، ورأى نفسه فوق صخر عظيم متسع يحيط به الماء من جميع جهاته، وذكر أن رفيقه أشار له إلى هذا الصخر وأنه قبض على شعره حين استنجد به، ولم يَعُدْ يذكر شيئًا، ولكنه أيقن أن رفيقه البحار — أي المركيز — قد أنقذه، ثم قال في نفسه حين لم يجده: ألعله وضعني في هذه الجزيرة وأتَمَّ مسيره إلى الميناء القريبة، فإذا كان ذلك فكيف أجده؟
وكأن هذا الرجل الهائل نسي موقفه الشديد، وأنه في جزيرة صغيرة قد يموت بها جوعًا قبل أن يجد بها أحدًا، فلم يفتكر إلا بأطماعه بالفتك بهذا الرجل الذي أنقذه من الموت.
وجعل يمشي في أرض هذه الجزيرة المقفرة مشي العاجز السقيم لفرط ما لقي من عناء السباحة، ويتفقد هذه الجزيرة كي يعلم مقدار بعدها عن البر، وفيما هو يمشي إذ سمع عن بُعْدٍ صوت إنسان يستغيث، فأسرع إلى الجهة التي خرج منها الصوت حتى بلغ إلى هوة عميقة، سمع أن الصوت صادر منها، وعلم أنه صوت رفيقه البحَّار، فدنا منها ورأى عمقها نحو ستة أمتار.
ولما رأى روكامبول يطل عليه صاح صيحة الفرح وقال: لقد خشيت أن أموت ولا تسمع ندائي.
– معاذ الله أن يحل بك مكروه، فقد أنقذتني من الموت وسأنقذك منه.
ثم جعل روكامبول يتأمَّل بالحفرة وعمقها ويبحث بحث المدقق، فعلم أنه إذا لم ينجده منها فلا سبيل له إلى الصعود، وأنه يموت فيها جوعًا دون شك، فاتقدت عيناه ببارق الفرح الوحشي وقال في نفسه: إن الأقدار خادمة لي والصدفة من عبيدي.
أما المركيز فقد قص على روكامبول السبب في سقوطه، فقال: إني بينما كنت متمددًا بالقرب منك أعالجك كي تستفيق من إغمائك، شاهدت سفينة تسير في عرض البحر، فوقفت وجعلت أركض إلى الشاطى وأنا أشير بيدي إليها وأنادي رجالها.
وبينما أنا أركض غير منتبهٍ وعيناي شاخصتان إلى السفينة، سقطت في هذه الحفرة، ولو لم تسمع ندائي لهلكت من الجوع.
فأجاب روكامبول: طِبْ نفسًا أيها الأخ المشفق، فقد وجدت أخًا مشفقًا مثلك، إلا أنه كيف السبيل إلى إنقاذك؛ فإني لا أستطيع أن أنزل إليك، وليس لدي حبل أرفعك به؟
– إنك تجد على مسافة عشرين خطوة من هذه الحفرة قرب المكان الذي كنتَ نائمًا فيه، غدارتي وحقيبة أوراقي ومنطقة من جلد، وهي طويلة كنت ألفُّ بها وسطي خمس مرات، فاذهَبْ وَأْتِ بها فإنها كافية لإنقاذي، فإنك ترسل إليَّ أحد طرفيها لأتعلق به وتسحبني بالطرف الثاني.
– ليطمئن بالك، وها أنا ذاهب حالًا.
ثم ذهب روكامبول يمشي الهويناء وهو يخاطب نفسه: إن هذا الصخر مقفر قد لا يمر به الصيادون مرة في العام، وإذا لم أنقذه من الحفرة فلا يجد مَن ينقذه، وعلى ذلك فإذا أخذت أوراقه وسبحت إلى هذا البر القريب أصبح مركيزًا غنيًّا لا ريب فيه، وبعدُ هل أنا رميته في الحفرة لأنقذه منها؟ إن الصدفة قد عرضت لي فَلْأتمسك بأهدابها؛ لأنها لا تعرض في كل حين، وفي كل حال فإنه إن كان قد أحسن إليَّ في هذه الحياة وأنقذني من الموت وأعطاني لقبه وماله، فسأنفعه في الآخِرة؛ لأن الله سيسجل اسمه في دفتر الشهداء.
وبعد أن قال هذا القول ذهب إلى المكان الذي دلَّه عليه، فوجد الحقيبة والمنطقة والغدارة، فجلس على الرمال وبدأ يفتح الحقيبة وأخذ يفحص ما فيها من الأوراق مطمئنًّا، فكانت أول ورقة عرضت عليه شهادة مركيز من شركة سفن الهند، وهي مكتوبة باسم فريدريك ألبرت دي شمري، وُلِد في باريس في ٢٥ يوليو سنة ١٨٠٠، وله من العمر ٢٨ عامًا.
فخاطب روكامبول نفسه: لقد علمت الآن أني صرت أُدعَى فريدريك دي شمري، وأني اشتغلت في سفن الهند، فَلْأنظر في بقية الأوراق.
ثم أخذ رسالة طويلة مكتوبة بخط رفيع متطاول، فعلم أنه خط امرأة، وكان عنوان هذا الكتاب «ولدي العزيز» والتوقيع عليه «المركيزة دي شمري»، فقال روكامبول: الحق يقال، إن السير فيليام قد خدمني في حياته وفي مماته، ولولا أوراقه لما غدوت الآن مركيزًا في مقام النبلاء. ثم قرأ تحت التوقيع «شارع فانو نمرة ١٧ في القصر»، وبعد ذلك أخذ في تلاوة هذه الرسالة وهذا نصها:
أرسل هذا الكتاب إلى وزارة البحرية الإنكليزية، ورجائي أن يصل إليك ولو بعد حين، وأن تُسرِع بعد تلاوته إلى أمك وأختك، كما يرجو أبوك الذي ندم عند احتضاره لسوء ظنه، وإني لم أعلم يا ولدي العزيز إلا الآن بذلك السر الذي دفع أباك إلى الإساءة إليَّ وإبعادك عني، وإليك الحديث: كان المركيز دي شمري يقيم منذ ١٦ عامًا بعيدًا عني لا يكلمني، وكان يرسل إليَّ راتبًا في كل شهر أنفقه عليَّ وعلى أختك، وقد طالما بكيت أمامه وتوسَّلْتُ إليه أن يُطلِعني على سر هذا الجفاء، فلم أَفُزْ منه بمراد، على أننا كنا في عيون الناس نتشارك بالسعادة والهناء، وفي الحقيقة كنَّا من أشد الناس نكدًا، حتى حسبنا أن أباك أصيب بضرب من الجنون. أما سر هذا الجفاء فهو أن أباك لم يكن منذ ثلاثين عامًا على شيء من الثروة، سوى أنه كان كولونيلًا في الجيش، وكنتُ أنا فقيرة مثله، فتزوَّج بي زواج غرام، وكنتَ أول ثمرة من ثمرات هذا الزواج، وعندما بلغت الخامسة من عمرك، تغيَّرَتْ حالة أبيك فجأةً، فإن ابن عمه كبير هذه الأسرة كان أغنى الأغنياء فقُتِل في مبارزة.
وقبل أن يموت هذا المركيز ببضعة أعوام، اضطر أبوك إلى السفر في حملة الجرائر، فأقامني عند قريبته المركيزة دي شمري في قصره خارج باريس، ولما عاد أبوك اضطر إلى الاستقالة، بحيث بلغنا بعد استقالته إلى أقصى درجات الفقر، فخدم في إحدى المناجم بصفة كاتب، ولكن عهد شقائنا لم يَطُلْ؛ فإن المركيز هكتور شمري جُرِح جرحًا خطيرًا في مبارزة ضمان بعد أن كتب وصيته، وقد أوصى بجميع ماله إلى أبيك، وحرم أختًا له وهي ابنة المركيز دي شمري من غير زوجه، فحقدت هذه المركيز حقدًا عظيمًا عليَّ، ووشت بي وشاية هائلة لم أعلم بها إلا أمس.
وحكاية هذه المركيزة أنها ترملت وهي في عنفوان الشباب، وكان ابنها هكتور لا يزال طفلًا فلم تستطع الزواج؛ لأن زوجها اشترط عليها في وصيته أن لا تتزوج بعده أو هي تُحرَم من حق الإرث، إلا أنها ارتكبت هفوة ولدت بعدها بنتًا وأخفتها في البدء عن العيون، ثم جاءت بها إلى قصرها، وكانت تقول إنها يتيمة وقريبة لها. أما أخيها المركيز فقد علم سرها، ولهذا فإنه حرم أخته من الإرث وأورث ماله لأبيك، ومن ذلك العهد بدأ انتقام تلك المرأة.
وقد اتفق أنه بعد قتل هذا المركيز بثلاثة أشهر ولدت أنا أختك، وكان عمرك خمسة أعوام، أيضًا ماتت هذه المركيزة فذهب أبوك إليها وحضر ساعة احتضارها، فقالت له أقوالًا أملاها عليها الحقد الدفين، وكانت علة شقائي أعوامًا طوالًا؛ لأنها كانت السبب في إبعادك عني.
فقال روكامبول في نفسه: ما هذا الكتاب؟ إنه يشبه الحكايات الموضوعة، فلأتم قراءة هذه الحكايات. واندفع في قراءة تتمة الرسالة، فقرأ ما يأتي:
اعلم يا ولدي العزيز، أنه بعد أن عاد أبوك من عند المركيزة بثمانية أيام، خطفوك من منزلي وبقي سر اختطافك دهرًا طويلًا مكتومًا عني حتى حسبتك في أعداد الأموات.
وكان عمرك حين اختطافك عشرة أعوام، وكنتَ تحب في ذلك العمر أن تنام في غرفة وحدك.
وفي أحد الأيام دخل الخادم إلى غرفتك كي يُوقظك ويمرنك على ركوب الخيل كما كنتَ تُحب، فلم يجدك فيها، وبحث عنك في الحديقة وفي كل مكان من القصر دون أن يقف على أثرك.
وكان أبوك غائبًا عن باريس في تلك الليلة، وأخبرت البوليس بأمر اختطافك فذهبت أبحاثه عبثًا، وكتبت إلى أبيك أخبره بهذه المصيبة فوردني منه كتاب لم يظهر فيه شيئًا من عواطف الوالدين، على أنه عاد من سفره بعد شهر فرأيت أن شعوره قد ابيضت، وحسبت أن ذلك كان تأثير تلك المصيبة، ولكنه منذ ذلك العهد لم يكلمني كلمةً إلا أمام الناس، ولم ينظر إلى أختك نظرة حنو، ولم يذكر اسمك مرة في خلال هذه المدة الطويلة التي بلغت ستة عشر عامًا.
وفي أوائل العام الماضي لزم الفراش لانحراف ألم به، ثم اشتدت وطأة علته فلم يكن يؤذن لي ولأختك أن ندخل إلى غرفته، إلى أن وسطت في ذلك أحد القسيسين، فأَذِن لي بالدخول إليه وهو في حالة الاحتضار، وقال: لقد دنت ساعة الموت ولا أحب أن ألقى الله وفي قلبي أثر من الحقد، ولذلك فإني أصفح عنكِ.
فاضطربت حواسي وقلتُ له: إن الصفح يكون عن المجرمين، فأي ذنب ارتكبته؟
وقد كانت لهجة الصدق ظاهرة من ملامحي، فتأوَّه وقال: رباه! ألعل المركيزة كانت كاذبة نمامة؟
ثم أخذ رسالة من بين أوراقه كتبتها إليه المركيزة قبل وفاتها بيومين، ودفعها إليَّ وهو يقول: اقرئي هذه الرسالة. فأخذت الرسالة بيد مرتجفة وقرأت فيها ما يأتي:
يابن عمي العزيز
إن ولدي العزيز هكتور قد جعلك وريثًا لجميع أمواله، فحسبت لبساطة قلبك أنه جعلك الوريث الوحيد دون أخته ودوني لأن هذا الإرث من حقك، على أنه لم يخصك بإرثه لهذا السبب، بل إنه أراد أن يحرم أخته التي أربيها في منزلي بصفة قريبة، وما هي في الحقيقة إلا ابنتي، ثم إن هناك سببًا ثانيًا وهو أنه كان يحب امرأتك، وهو لم يدفع أمواله إليك بل لابنته التي تحسب أنها ابنتك. أما وقد اعترفت لك بالحقيقة، فأرجو أن تعتني بأمر ابنتي من بعدي، فإنها باتت صبية، وما تركته لها قد لا يكفيها.
المركيزة دي شمري
أعلمت الآن يا ولدي السبب الذي دعى أباك إلى احتقاري، فقد كان يحسبني من أحط النساء العابثات بالواجبات، ويحسب أن أختك عار عليه لاعتقاده أنها بنت الجريمة، وذلك لأني ولدتها في منزل المركيزة التي أرادت لحقدها عليَّ أن تدنس شرفي قبل موتها، فلقيتُ أشد العذاب لجفاء أبيك في ذلك العهد الطويل.
ولما قرأت هذه الرسالة الكاذبة جثوت راكعةً أمام سرير أبيك، وسألت الله أن يلهمه إلى سبيل السداد، فيثق ببراءتي قبل أن يموت، وقد أراد الله أن يجيب ندائي، فإن أباك أيقن مما رآه وسمعه مني بطهارتي، فسألني الصفح بدلًا من أن يصفح عني، وفاضت روحه الكريمة وهو يباركني.
وقد أخبرني قبل أن تحضره الوفاة أنه هو الذي اختطفك، وسوى ذلك من التفاصيل التي علمت منها محل وجودك، فعُدْ أيها الحبيب إلى أحضان أمك؛ لأنها تنتظرك بفارغ الصبر.
إلى هنا انتهت رسالة المركيزة إلى ولدها، فتناولها روكامبول ووضعها مع أوراق الشهادة، ثم بدأ يقرأ الأوراق الباقية في الحقيبة ورأى بينها مذكرات كتبها البحَّار عمَّا لا يزال عالقًا بذاكرته عن اختطافه، وكيف أن أباه أخذه من الغرفة التي كان نائمًا فيها وذهب به إلى الهافر، وهناك سلَّمه إلى ضابط إنكليزي في إحدي السفن، إلى غير ذلك من المذكرات التي قرأها روكامبول بإمعان شديد.
ولما أتم قراءتها جميعًا قال: إن جميع هذه الأوراق تُثبِت أن هذا البحار هو ابن المركيز دي شمري، ولكنه لا يستطيع الخروج من الحفرة إلا بإذني، ثم إني لا أجد فائدة من قتله، فإن هذا السجن الذي هو فيه كافٍ لقتله.
وعند ذلك أرجع الأوراق إلى الحقيبة وشدَّها بالمنطقة إلى وسطه، وذهب إلى الشاطئ فرأى أن البحر عاد إلى السكون، وأن أرض فرنسا لا تبعد عنه أكثر من ساعة، فألقى نفسه في البحر وراح يسبح مجدًّا إليها.