٤

4 0 00

٤

ولما خلا روكامبول بأندريا، لأن هذا المتوحش لم يكن غير السير فيليام؛ أي الفيكونت أندريا، الذي تقدَّمَ ذِكْر عقابه في رواية التوبة الكاذبة، وكان اجتماعهما في أحد منازل روكامبول السرية، فقال له روكامبول: لقد خلا لنا الجو الآن، فأصغِ إليَّ كي أخبرك بأنك إذا كنت وهبتني لقب مركيز مستعار، فقد صيَّرت نفسي مركيزًا ثابتًا لا ريب فيه؛ إذ إني أُدعَى الآن المركيز دي شمري.

ولهذه المركيزة الجديدة حديث طويل، ولكن اعلم أن أخاك الكونت أرمان دي كركاز …

فاضطرب أندريا حين سماعه اسم أخيه، وسُرَّ روكامبول لما رآه من اضطرابه، فقال له: يسرني أن أراك عائدًا من جزائر المركيز بحقدك القديم؛ لأن ذلك يدلني على أنك لا تزال السير فيليام، فلا أعدم فوائد دهائك، فاعلم أيها الصديق القديم أنني عندما بارزت أخاك الكونت وكنت أرجو أن أظفر به بتلك الطعنة الإيطالية، رأيت أنه يعلم دقائقها أكثر مني، فانجلت المبارزة على ظفره بي فجرحني جرحًا بالغًا، وكان من إحسانه أنه عالجني في قصره، فاغتنمت تلك الفرصة وسرقت أوراقك من غرفتك في ذلك القصر، وهي التي أعانتني على الدخول في سلك النبلاء وصيَّرتني كما تراني مركيزًا من أغنى الأغنياء.

ثم قص عليه جميع ما نعلمه من حديث السفينة والغرق، وكيف ترك المركيز الحقيقي في الحفرة إلى أن قال: وعُدْتُ سباحةً إلى أن بلغت الشاطئ الفرنسي وأموالي وأوراق المركيز معي، ولما أعملت الفكرة وجدت أن هذه الأوراق بَعد بُعْد المركيز عن أمه وأخته ثمانية عشر عامًا، ومشابهتي إياه بعض الشبه، وكوننا في عمر واحد، كل ذلك لا يكفي لإثبات مركيزيتي، بل يجب أن أكون بحَّارًا ماهرًا، وأن أعرف الهند وأخلاق قومها وعاداتهم وشيئًا من لغتهم إلى غير ذلك ممَّا كان يعرفه المركيز، فعُدْتُ في اليوم التالي إلى لندرا وهناك اتفقت مع أحد التراجمة الذين يسافرون إلى الهند، سافرت معهم إليها وأقمت فيها ستة أشهر، وكنتُ في كل يوم أختلط مع البحارة والضباط حتى عرفتُ كل ما ينبغي عرفانه، أطلقت سراح الترجمان وعدتُ إلى فرنسا، فوجدت تلك الأم المسكينة قد ماتت قبل وصولي بيومين، ولعلها ماتت من الفرح، فقد كتبت إليها أُخبرها بقدومي، ورأيت شقيقتي وهي غضة الصبى بارعة الجمال، فعانقتها عناق الأخ وعرَّفتني بخطيبها، ثم دفعت إليَّ أموال أبي المركيز، فصرت من ذلك العهد أُدعَى المركيز دي شمري.

أما هذا المنزل الذي أتيت بك إليه الآن فهو أحد منازلي السرية التي استخدمها لأغراضي، وسأقيمك في منزلي الخاص كي تكون بقربي في كل حين، غير أنه لا بد لي من أن أدعو طبيبًا ينظر في وجهك، فعساه يتمكَّن من إزالة هذا الوشم الكريه.

وعند ذلك دعا خادمه وأمره أن يدعو له أحد الأطباء الأخصاء بهذه العاهات.

انطلق الخادم مسرعًا، وذهب روكامبول إلى المطبخ فأحضر لأندريا ما تيسَّرَ من الطعام، جعل يزدرده بشراهة تدل على شدة جوعه، إلى أن حضر الطبيب فلفق له روكامبول حكاية خلاصتها أن هذا الرجل كان بحَّارًا تحت إمرته، وكان له عدو شديد احتال عليه حتى تمكَّنَ من إبقائه على شاطئ إحدى الجزر المتوحشة، ففعل به أهلها ما فعلوه، ثم باعوه إلى أحد البحارة فباعه إلى أحد أصحاب الملاعب، إلى أن عثر به هذه الليلة فعرفه واشتراه وقدم به كي يعالجه، ثم سأله إذا كان يمكن إزالة هذه الندوب والوشم من وجهه، ففحصه الطبيب فحصًا مدققًا وقال: لا ريب أن هذا الوشم من آثار تلك القبائل المتوحشة، وأظن أني أستطيع إزالته.

– والندوب؟

– إن آثارها لا تزول.

– وعيناه؟

– إن إحداهما طفئت فلا رجاء منها، والثانية في أشد حالة من الخطر، وفي كل حال سأعود غدًا في الساعة العاشرة أفحصه على نور النهار.

– حسنًا، وستراني بانتظارك. فودَّعه الطبيب وانصرف.

عاد روكامبول إلى أندريا وقال: إننا سنفرغ جهدنا بإزالة هذه الآثار من وجهك، فلا تطمح أن تعود إلى سابق حالك، فتغوي بجمالك الكونتس حنة دي كركاز امرأة أخيك، ولكننا نحاول أن نخفف شيئًا من قُبْح هيئتك.

ارتعد أندريا عندما سمع اسم شقيقه وابتسم ابتسامًا هائلًا، فقال روكامبول: طِبْ نفسًا، سأصنع لك جميع ما أستطيعه، والآن اسمح لي بفراقك إن للمركيز دي شمري أختًا وصهرًا يسكن معهما، فلا بد له من العودة إلى قصره. فرأى على مائدته رسالةً وردت إليه في المساء وهذا نصها:

إن الدوق والدوقة دي سالاندريرا يتشرفان بدعوة المركيز ألبرت دي شمري إلى طعام العشاء عندهما يوم الأربعاء.

فقال روكامبول في نفسه: إن أعمالي مع هذه الأسرة جارية في أحسن مجرى. ثم نام نوم المطمئن الآمِن من الحاضر والواثق بالمستقبل.

وفي الساعة العاشرة من صباح اليوم التالي ذهب إلى المنزل الذي أقام فيه أندريا، فوجد الطبيب قد سبقه وفحصه الفحص الدقيق، فقال روكامبول: ماذا شاهدت؟

– إني أستطيع إزالة بعض الآثار من وجهه، بحيث يظهر بعد ذلك كأنه قد انفجر مرجل أمامه، فأصابه رشاش مواده وشوَّهته، إلا أني أخشى أن يذهب ما بقي من بصره ويُصبح أعمى بعد هذه المعالجة.

فتركه روكامبول ودخل إلى الغرفة المقيم فيها أندريا ووضع أمامه أدوات الكتابة وسأله: أَلَا تزال قادرًا على الكتابة؟

فأخذ أندريا القلم وكتب هذه الجملة: إني شديد الظمأ للانتقام، وأذكر كل شيء.

فأجاب روكامبول: إذن أغمض عينك، واكتب لأرى إذا كنتَ تستطيع الكتابة في الظلام؛ إذ لا يمكن أن تحادثني إلا بالكتابة، وقد نضطر إلى المحادثة في الليل.

فأطبق أندريا عينه الوحيدة وكتب: إني إذا عميت أعرف أعدائي باللمس بل بالوحي.

– إذن تمرَّنْ على الكتابة وأنت مغمض العين.

ثم تركه وعاد إلى الطبيب وقال: اشرع في معالجته، فلا حاجة له بالبصر.