(2)
حنا وحنان والباقي للطوفان
جلس هذه المرة أبو الحن وجلس مقابله أبو الساك وجهان متقابلان أمام دكان أبو الحن
نظر أبو الحن في ساعته وقال وهو يحدث نفسه بصوت عالي: ماني مصدق إمتا تجي هالساعة وحدة ونص وروح جيب ها الأولاد من المدرسة
ثم صمت لدقائق ونظر إلى أبو ساكو الجالس أمامه وقال له : بتعرف لمابفيق ها الأولاد الصبح وباخدون من البيت وبطالعون على المدرسة بحس روحي طلعت مني ولما برجع الضهر باخدون بحس روحي رجعت إلي
ثم أضاف : ماعم أعرف شوبدي ساوي ولك مشكلة إذا خليتون بالبيت ومشكلة إذا راحوا على المدرسة والله العظيم صاير وضع ها الأولاد مشكلة مالها حل
هنا نظر أبو الساك إلى أبو الحن وهز برأسه باتجاه الأعلى والأسفل مطولا وسحب سحبة عميقة من سيكارته ثم ارتشف رشفة من كاسة شايه المقدمة دائما من صديقه أبو الحن كرشوة غير مباشرة للكلام الذي سيقوله الان: والله أنا شايف مو وضع الأولاد هو المشكلة مالها حل أنا شايف وضعك أنت هو يلي صاير مشكلة ماله حل
نظر أبو الحن نظرة استغراب إلى أبو الساك من هذا الكلام الذي قاله عنه وقال له: كيف يعني؟
أجاب أبو الساك : هلق الله يلي خلقون لها الأولاد ماخلقلون غير ها المدرسة وها البيت
فرد أبو الحن عليه : شو قصدك
فقال أبو ساكو له : قصدي أن الله يلي خلقون بيحسن يخلقلون بيت ومدرسة غير هالمدرسة وها البيت يلي عم تحكي عنون
فقال له أبو الحن معصبا منه :ولك عطيني من الأخير شو بدك تقول
فردعليه أبو ساكو بكل هدوء يلي بدو قولوا وبالمشرمحي: أنوحنا وحنان والباقي للطوفان
نظر أبو الحن إلى أبو الساك وهز برأسه يمين ويسار وتفاجأ بهذا الكلام الذي وجد فيه كل أنواع الخيانات خيانة أولا للعائلة وخيانة ثانية للجيران والأصدقاء وأخيرا وهنا الطامة الكبرى الخيانة العظمى وهي خيانة هذه الأرض وهذا الهواء وهذا الماء الذي رباه وربا حنا وحنان إنه الوطن الذي يبدو أن أبو الساك لم يعلم به بعد حتى يقول مثل هذا الكلام
وقف أبو حنا أمام باب المدرسة مع بقية الأهالي الذين حضروا لأصطحاب الأولاد وأخذ ينظر إلى البوابة رافعا بين الحين والاخر جسمه على أطراف أصابع قدميه ليتمكن من رؤية حنا وحنان بين جموع هؤلاء الأهالي وأخذت خفقات قلبه تزداد وتيرتها ارتفاعا مع تأخر ظهورهما وأخذ يدعو إلى ربه هو الذي كان قبل سنتان ونصف يضحك من كل شخص يذكر أمامه كلمة الله من قريب أو بعيد أن تنقضي هذه اللحظات بأسرع مايمكن على خير فالعام الفائت في المدرسة المجاورة استشهد أربعة أطفال عدا عن الجرحى أثناء الأنصراف
لمح أبو حنا من بعيد حنا وحنان يبحثون عنه فتقدم باتجاههم وكذلك فعلوا الأولاد وهم مملوؤين فرحا بلقاء والدهم بدأت قذائف الهاون تتهاوى على المنطقة وبدأ يسمع صوت صفيرها وانفجارها ركض أبو الحن مسرعا باتجاه أولاده وركضوا الأولاد باتجاهه والكل مرعوبين خائفين تلاقت نظراتهم وتشابكت أياديهم ولف أبو الحن ولديه بكامل مساحة جسمه محاولا تغطيتهما بأكبر مساحة ممكنة ونام فوقهما على الأرض وشدهم إلى جسمه فعادوا كلهم جسدا واحدا كان صوت الهاون يعلو فوق صوت الجميع ولم يعد أحد يسمع أحد
في تلك اللحظة سمع أبو حنا صوتا لأول مرة يسمعه في حياته صادرا من كل جسمه من رأسه وقلبه وجسده صوتا أعلى من صوت الهاون بالاف المرات يتردد صداه في كل كيانه ( حنا وحنان والباقي للطوفان ..................... حنا وحنان والباقي للطوفان ............................. حنا وحنان والباقي للطوفان)