(3)
ما لا تستطيع أن تقوله في العلن هناك تكون الحقيقة
جلس أبو ساكو هذه المرة أمام دكان جاره وصديقه أبو الحن على غير عادته فلم يكن ينفس دخان سيكارته وصديقه لم يقدم له كأس شايه
وجلس بجانبه أبو الحن على غير عادته التي يبقى بها مشغولا وهو يدير أمور دكانه فرجلاه في هذا اليوم لم تقدر على حمل جسمه
وفي هذا المشهد الغريب الصامت يسمع صوت أبو الحن وهو يحدث نفسه :والله العظيم أنا لما سمعت بالخبر أول شيء فكرت القصة مزح وصرت أضحك علي قلي ياها
لم يعلق أبو ساكو على الكلام بل أخذ يهز رأسه يمين ويسار وهو في حالة ذهول واستغراب
وبعد صمت عميق قال : أنا اليوم صار عندي جواب لسؤال كنت أسئله لحالي ومالا قيلو جواب وكنت حط جوابات من عندي أشكال وألوان
هنا التفت أبو الحن بسرعة الملهوف على أبو الساك وقال له :دخيل عرضك لاقيلنا حل لهذا السؤال يلي نحنا فيه الان
هذه المرة لم يكن رأس أبو الساك يهز يمين ويسار بل كان يهز من فوق إلى أسفل وبعد صمت عميق قال : أنا هلق عرفت ليش هالعالم طلعت مظاهرات رغم أنو كانت بتعرف أنو في احتمال تموت
نظر إليه أبو الحن بذهول وشعر أن هذا الرجل الذي أمامه هو في حالة هذيان ووضع يده على كتفه وهزه قليلا ليتأكد أنه صحيان وقال له : شو دخل المظاهرات بقصتنا
رفع أبو ساكو عينيه إلى أعلى ونظر إلى أبو الحن نظرة فيها الكثير من الحب والشفقة وقال : وقت واحد مابحس بوجع غيرو إلا لما بينوجع متلو وقتها عريف أنو الوجع جايي على الكل
لم يفهم شيء أبو الحن من هذا الكلام الشرقي غروي وكان كل همه أن يخرج من هذا الكابوس الذي وجد نفسه محاطا به
وعاد أبو الحن بالزمن إلى الوراء فقط خمسة أعوام هي منذ شراءه للدكان كيف جمع كل ما يملكه خلال عمل أربعين عام في العتالة وتوزيع البضاعة إلى المحلات ومحاولاته البائسة واليائسة في إقناع أصحاب الدكاكين بهذ المنتج أو ذاك وكيف أنه رغم أنه خريج جامعة بشهادة إدارة أعمال فقد وجد في هذا الدكان كل أحلامه تتحقق فقد أحب وتزوج والان عنده حنا و حنان
في هذه الأثناء كان أبو الساك الذي بلغ من العمر خمسون عام يعود إلى الوراء أربعون عاما عندما كان ولدا صغيرا يأتي مع والده إلى العمل وكيف مضى هذا الزمن كله بين والده ساكو وابنه ساكو داخل هذا المحل المبني بعرقه وعرق أبيه وعرق ابنه الممزوجة برائحة البنزين وزيت ودخان السيارات
لم يستطع أبو الساك ولا أبو الحن أن يتقبلوا فكرة الإخلاء فقد صدرت بلاغات رسمية بالأنذار بالأخلاء والهدم خلال مدة أقصاها ثلاثة أشهر والتعويض هو مبلغ زهيد من المال لايكفي لثمن بسطة في أحسن الأحوال
كانت أصوات القصف والطيران والمدافع تدوي من على بعد حي منهما فالعصابات الأرهابية المسلحة كانت قد دخلت إليه
كانت تمر من أمامهما أفواج من الناس من مختلف الأعمار يحملون مايستطيعون من منازلهم هاربين من ذلك الجحيم الذي لاعلاقة لهم به
نظر أبو الحن وأبو الساك إلى حيهما وتخيلوا الصورة بعد ثلاثة أشهر فلم يجدوا مايختلف فيها عن صورة مايجري في الحي المجاور سوى في الطريقة الأكثر تهذيبا هنا فالهدم بالجرافات والهدم هناك بالطائرات
ولأول مرة في حياتهما تمنوا أمنية لم تكن تخطر على بالهما في يوم من الأيام أن يتمنوها هم
هما اللذان وقفا مع النظام في كل شيء تمنى كل واحد في أعماقه السحيقة حيث لايصل سمع أي بشر إلى هناك أمنية خاصة به لم يقلها للاخر وهي أن يسقط النظام قبل الأشهر الثلاث