الفصل الثاني

5 0 00

الفصل الثاني

"روكسان! اهذا انت شكرا لله اعتذر على عدم لقائك في المطار هل خبرك خوسيه عن السبب؟"

؟نعم يا بيتر, كم يسرني ان اسمع صوتك بعد هذا الفراق الطويل ... انا بخير... والفندق مريح ورائع"

"يسعدني ذلك هل تناولت طعام العشاء؟"

"كلا .. استلقيت على فراشي فغلبني النعاس ولكني اتضور جوعا الان.. واتطلع شوقا الى لقائك . هل ازالوا الركام عن الطريق؟"

"ازالوه؟ هذا ياخذ وقتا طويلا في هذه البلاد هل انت خائفة من ركوب الطائرة المروحية؟ على العموم لا تخافي فانتوس قائد ماهر"

"كلا لست خائفة ولكن اخبرني يا بيتر من هو فانتوس هذا؟ هل له علاقة بالشركة التي تعمل بها؟"

"نعم, والده مؤسس الشركة"

"هو رئيسك اذن؟"

"لا فانتوس لا يهتم كثيرا بشؤون الشركة فهو منشغل بانفاق المال الذي تجنيه الشركة"

ظهر العبوس على وجه روكسان وهي تقول :

"يبدو لي من لهجتك انك لا تحبه"

"لا شيء يجمعني به, اما اني لا احبه فهذا شعور متبادل"

فاضطربت روكسان خصوصا لانها لم تسمع بيتر يتكلم عن احد بمثل هذه المرارة فقالت له:

"ولكن لماذا اخترته للقائي؟"

"لان الطائرات المروحية غير متوافرة في هذه البلاد وحين اتصلت بفرع الشركة في ريو كي اخبرهم بانهيار الطريق كلفوا فانتوس للقيام بالمهمة"

"وماذا تعمل الان واين انت؟"

" في شقتي وستعجبك يا عزيزتي فهي شقة واسعة وفي عمارة جديدة, لم اشتر اثاث كله بعد لاني تركت ذلك لك وفي هذه الاثناء ستقيمين عند اصدقاء لي كما كتبت لك وقد عينت موعد لزواجنا بعد خمسة اسابيع من اليوم وهذا يعطيك متسعا من الوقت لتكيفي نفسك مع الحياة في هذه البلاد ولشراء ما تريدين سراءه للبيت فعندنا هنا حوانيت جيدة, السيدة واغنز وعدت باعارتك الة الخياطة لتجهيز الستائر وما الى ذلك " قالت روكسان:

" لا استطيع ان اصدق انني هنا في البرازيل" ففضحك بيتر وقال :

"هذا شيء طبيعي ولا بد لك من بعض الوقت لاستيعاب التغيير الذي طرأ عليك, على كل حال غدا نلتقي... كم انا في شوق الى رؤيتك ومعانقتك... فانا احبك يا حلوتي" فتمتمت قائلة:

"وانا ايا يغا بيتر"

"ساودعك الان اذهبي وتناولي طعام العشاء ونامي باكرا فلا شك انك متعبة"

"لن انام في الحال بعد ان نمت ثلاث ساعات, لذا ساذهب واتناول طعام العشاء, هل ستكون بانتظاري حين تحط الطائرة يا بيتر؟"

"بكل تأكيد يا حلوتي والان وداعا"

"وداعا والى اللقاء"

وبعد ان وضعت السماعة جلست تحدق بجهاز الهاتف بضع دقائق استغربت كم بدا لها كلام بيتر مختلفا عما كان عليه في انكلترا او لعله لم يكن مختلفا في الواقع وانما سماعها له كان مختلفا, وكانت تفكر انه ما كان عليها ان تفارق بيتر هذه الاشهر الستة, اتكون المدة احدثت فيها شيئا من التغيير ؟

ماذا لو ان رايها فيه اختلف الان عن الراي الذي كونته عنه في ظروف الاسى في انكلترا؟ ولكنها صرفت من ذهنها هذا التفكيى الذي اعتبرته سخيفا, لان من احب احدا احبه مهما كانت الظروف .

نهضت عن السرير وفتحت حقيبتها واخرجت فستانا جديدا اعدته لاول ليلة تقضيها في البرازيل القته على السرير وبعد ان تزينت قليلا ارتدته وغادرت الغرفة الى المطعم في الطبقة السفلى كان المطعم في ذلك الوقت من اليل غير مزدحم كثيرا , فقادها الخادم الى احدى الموائد ولعله حسبها صديقة حميمة لخوسيه فانتوس , فرحب بها وعاملها بحفاوة بالغة, ثم قال لها بعد ان انتهت من طعامها :

"هل اعجبك الطعام يا انسة؟"

"شكرا لك كان الطعام لذيذا جدا"

"يسرني ذلك اتريدين شيئا اخر؟" اجابت بلطف :

"كلا شكرا" وهنا سمعت صوتا يقول للخادم :

"هل اعتنيت بخدمتها جيدا كما يجب؟" فالتفتت الى مصدر الصوت فرات خوسيه واقفا ورائ الخادم بقامته النحيلة وبشرته السمراء وهو يرتدي ملابس السهرة. نظر اليه الخادم بابتسامة كلها اعجاب وتقدير وقال:

" اه, يا سيد فانتوس... ما هذه المفاجأة السارة؟؟؟ ارجو ان تتاكد من انني قمت بواجبي نحو الانسة على قدر ما استطيع " تقدم خوسيه الى المائدة وجلس على الكرسي وهو يقول :

" ارى يا الانسة غراهام انك تتجنبي المغامرة... اليس هذا صحيحا؟" فاجابت بحياء

" هذا يتوقف على نوع المغامرة ".

" على كل حال انت رائعة هذه الليلة يا انسة غراهام, ولا يجوز ان تهدري هذا الجمال في مطعم كهذا" شعرت روكسان بالحرج الشديد على الرغم من انها كانت متاكدة من انه لم يحضر الى الفندق الا ليرى ان كانت تعامل معاملة حسنة فقالت له :

"وماذذا تقترح يا سيد فانتوس؟" ابتسم واجاب قائلا:

"ماذا اقترح؟ اقترح ان نذهب الى ناديا ليليا يدعى بيرانا حيث يمكننا ان نرقص ونستمع الى الموسيقى"

"لا اظنك جادا في اقتراحك قضاء بقية السهرة معا.اتمنى لك ليلة سعيدة يا سيد فانتوس, والى اللقاء غدا كما تواعدنا... " نهضت على قدميها فنهض خوسيه ايضا وسد طريقها وهو يقول:

"لا تعتقدين اني جاد في اقتراحي؟ لماذا؟ هل لانه لا يجوز لي الترفيه عن خطيبة زميل لي في مثل هذه الظروف ؟"

"انت لست في الواقع زميلا لخطيبي..." فقال لها بتهكم لاذع:

"اراك تحدثت مع خطيبك فحذرك مني!"

حاولت روكسان ان تخطو الى الامام وهي تقول :

"كلا ولماذا يحذرني منك؟ ارجو منك ان تدعني وشاني..."

"مهلا... هل تمانعين في مرافقتي لك ؟"

"لا امانع"

"ولكنك رفضت" فاجابته بحزم :

قد يطيب لك ان تسخر مني يا سيد خوسيه" ولكن اعلم انني لم اعد اتحملك فاعذرني ودعني اسير في حال سبيلي " مال خوسيه عن طريقها قائلا:

"اخطات التقدير؟؟؟ ظننت انك تشعرين بالوحدة" فنظرت اليه بنفاذ صبر قائلة :

"ولذلك اخذتك الشفقة علي!"

"ليس تماما... انما انا مستعد ان اريك جانبا من النشاط الثقافي في عاصمة بلادي" خطت روكسان خطوة مترددة الى الامام ثم التفتت اليه قائلة :

"هذا لطف منك... وانا كنت اود ان اشاهد قليلا من معالم هذه المدينة و... "

"ومع ذلك تترددين هل انا اخيفك الى هذا الحد ؟ وهل قضاء الوقت معي يثير فيك الاشمئزاز؟" ابتسمت وقالت :

"انت تعلم جيدا انك تسيء فهمي عن قصد" دار خوسيه حول المائدة ونظر اليها بامعان ولمس بيده ذراعها قائلا:

"كما قلت يا انسة انت فتاة رائعة الجمال ويسرني جدا ان اصطحبك ال بيرانا" شعرت روكسان بعضلات ذراعها تتصلب تحت لمسة اصابعه وبقشعريرة تسري في مفاصلها هل كان يعي تماما تاثيره فيها؟ لم يكن يبدو عليه ذلك ولكن المظاهر قد لا تدل على شيء .ومع كل ما كان عليه من تهذيب الا انه بالنسبة اليها كان مغلفا بالغموض. حاولت ان تبعد عنها هذه الافكار فمن غير المعقول ان تدعه يثير فيها الاضطراب فهل هذا لانها لم تجد نفسها في صحبة رجل منذ ان فارقها بيتر ؟ ولماذا لم ترفض رفضا قاطعا وتذهب الى غرفتها ؟ هذا ما كان يجب عليها ان تفعله وما ينتظره منها بيتر ثم لماذا تشعر بالحيوية والنشاط بدل ان تشعر بالتعب والعياء؟الأنها نامت عدة ساعات في مساء النهار؟ قالت له :

"ارى انه يجب علي لن ارفض دعوتك... " فانتصب خوسيه في وقفته قائلا :

"هل لانك خائفة مني يا انسة غراهام؟" وكانت بالفعل خائفة الا انها رفضت ان تقر له بذلك فقالت:

"هذا كلام هراء يا سيد خوسيه..."

"اذن تعالي معي وبرهني لي انك لست خائفة"

سآتي يا سيد خوسيه... سآتيما دمت مصرا كل هذا الاصرار " شد باصابعه على ذراعها وقادها عبر غرفة الطعام التي تخلو من الزبائن وقال لها :

"انا معجب بشجاعتك يا انستي ..."نزعت ذراعها من قبضته وهي تقول :

"الانسان لا يحتاج الى شجاعة يا سيد خوسيه بل الى ثبات وعزم ..." فاكتفى خوسيه بالابتسام ولم يتفوه بكلمة.

كانت ريو مدينة ساحرة في الليل تشع منها ملايين المصابيح الكهربائية والانغام الموسيقية المنبعثة من الملاهي كانت تعلو على ضجيج السيارات . كان النادي يتالف من بضع الغرف احواض ماء تعج بانواع السمك وكان هناك نوع من السمك يحمل اسم بيرانا في حوض كبير في وسط النادي, شعرت روكسان بالقشعريرة عندما شاهدته حين قال لها خوسيه:

"في وسع هذا النوع من السمك ان يلتهم الانسان في لحظة فلا يبقى له اثر... " فقالت روكسان:

"هو لبليس السمك اذن..." احاطها خوسيهبذراعه وقال لها :

"دعينا نشرب كاسا اولا ..."

"اكتفي بعصير البرتقال ارجوك, ولا شيء اخر" على ان خوسيه لم يستجب لرايها فطلب لها شرابا اخر ولما راته سالته في حيرة :

"ما هذا؟"

"هذا مزيج خاص بي" ولما ذاقته روكسان وجدته لذيذا وله نكهة الليمون الحامض مع شيء اخر, وفي غرفة الرقص كانت الجوقة الراقصة تتابع رقصاتها في وسط الغرفة وكان يتخلل المشاهد انواع مختفة من الالعاب السحرية الاخاذة, جلست روكسان تتمتع بهذا كله . وشعرت بان خوسيه يرمقها بنظراته الغريبة من حين الى اخر, وقالت له :

"هل هذا ضروري؟"

"ماذا تعنين؟"

"اعني ان تحدق الي هكذا"

"ولم لا؟ اين تريدين ان انظر؟الى الرقص,ام الناس ام الى السقف والجدران؟ فكل هذا اعرفه جيدا انت الشيء الوحيد الجديد هنا, لذا احب ان احدق اليك..."حارت بماذا تجيبه لذا قالت له :

"دعنا نذهب الى حلبة الرقص..." صدحت الانغام الراقصة وهو يمسك بيدها ويقودها وسط الموائد الى الحلبة فقالت له:

"لا اريد... اعني..."

"لا تريدين ماذا؟"هزت كتفها وهي ترزح تحت وطأة نظراته اليها قائلة:

"لم ارقص من قبل على هذه الموسيقى الصاخبة... فانا امراة عادية" ضحك ضحكة خافتة وقال :

" من قال لك هذا يا انسة غراهام؟" وبدا بالرقص ببطء فوجدت روكسان انه من السهل مماشاة خطواته. تساءلت ماذا لو شاهدها بيتر تراقص هذا الرجل؟ ثم صرفت هذه الفكرة من راسها حين تذكرت بان السهرة ستنقضي بعد قليل فتعود الى غرفتها بانتظار اليوم التالي الذي سيجمعها مع بيتر . وهكذا يختفي خوسيه من حياتها ويغمره النسيان... نظرت اليه وهي تراقصه فرات خصلة من شعرها تلامس خده ونظر اليها هو بدوره نظرات حادة نفذت الو اعماقها فيما اقترب منها اكثر, فاخذت ترتعش من شدة خفقان قلبها وعزمت على ان لا تدعه يتجاوز هذا الحد في تصرفه معها .

انتهت الرقصة وفيما هما يغادران حلبة الرقص اوقفهما هتاف امراة كانت تغادر هي الاخرى حلبة الرقص مع رفيقها, كانت امراة هيفاء القوام فاحمة الشعر رائعة الجمال لم تر روكسان امراة في مثل حسنها وسحرها من قبل . تقدمت المراة الى خوسيه وقبلته بحرارة وهي تقول :

"خوسيه! لم اعلم انك في ريو... لماذا لم تخبرني ؟ لقدت عدت من اوروبا منذ اسبوعين وانا الان وحيدة تعيسة لانك لم تات الي..." نظر خوسيه الى روكسان من فوق راس المراة فلاحظ ارتباكها وقال للمرأة بلهجة جافة وهو يبعدها عنه :

/

/

/