ملخص الرواية
وقعت روكسان في غرام صديق خطيبها خوسيه الذي اصطحبعا الى شقته الخاصة لمحاولة تنفيذ مأربه .
وتزوجها بعد معرفة قصيرة ثم هجرها في ثالث يوم من زواجها لسبب غامض دون ان يخبرها عن مكان وجهته او عنوانه .
فكيف ستتصرف العروس المصدومة ؟
وهل لخطيبها السابق علاقة بغياب زوجها ؟
الفصل الاول
كان مطار غاليو الدولي مزدحماً, فاقد الهوية . وكانت روكسان تجلس في مقهى المطار تحتسي كوبا من الشراب وتفكر انها يمكن ان تكون في اي مكان اخر من العالم لولا اللكنة البرتغالية السائدة وسواد بشرة الرجال الذين تجمعوا حولها مما يذكرها بانها في البرازيل ومأخوذين على ما يبدو بخصلات شعرها الذهبي وعينيها الزرقاوين .
ونظرت مرة اخرى الى ساعة يدها وهي تتأفف وتتساءل الى متى سيدوم انتظارها, فالرسالة التي تسلمتها عند وصولها لم تكن واضحة كل الوضوح, كل ما جاء فيها ان بيتر سيتأخر في الوصول الى المطار لطارئ مفاجيء وعليها ان تنتظره هناك .
اشعلت سيجارة وهي ترمق الشاب الذي كان يسترق النظر اليها في النصف ساعة الاخيرة, كانت تشعر بنفاذ الصبر على الرغم من معرفتها ان المدينة التي تقصدها لم تكن على مسافة قريبة ثم ان بيتر على علم بموعد وصولها منذ اسبوع لذلك كان بامكانه ان يطلب منها قضاء ليلة في احد فنادق الريو بدل ان يتركها تنتظر في المطار لاجل غير مسمى .
جولت في ارجاء المطار تبحث عن نماذج حقيقية للخشب المحفور الذي اشتهرت البرازيل بصناعته, وامام شعورها بالملل ادركت بالمقابل ان اسابيع الانتظار التى عانتها اخيرا لم تكن من دون فائدة, حتى انها لم تصدق بانها ستلتقي بيتر مرة اخرى .
حين اخبرها انه سيذهب للعمل بالبرازيل شعرت بالاستياء غير انها فيما بعد شكرت له الفرصة التى اتحها لها بالسفر الى تلك البلاد والتعرف الى جزء رائع ومثير من العالم على الرغم من انها منذ ستة اشهر حين غادرتها كانت لا تزال تغالب حزنها على فقدان والدها الذي كانت تحبه اعمق الحب وكانت قد فقدت والدتها منذ عدة سنين حين كانت لا تزال طفلة فاصبح والدها معيلها الوحيد, وقد قضى نحبه وهو في طريقه لمعاينة مريض وكان يعلم في تلك الليلة التي ذهب فيها لتلبية طلب ذلك المريض ان سيارته قد تصطدم بسيارة اخرى لكثرة الضباب الذي كان يلف مدينة لندن , حين قضى نحبه
بقيت روكسان لفترة تحت وطأة الذهول غير مصدقة ان والدها مات وتركها وحيدة في هذا العالم , كان لها اقارب بعيدون في شمال انجلترا ا ان روكسان لم تشأ مشاطرتهم حزنها لانهم لا يستطيعون ان يقدموا لهل سوى الشفقة والعطف .
وفي تلك الحالة من الحزن الشديد التقت بيتر براون لاول مرة , كان نجل صديق والدها وكان عائدا لتوه من الخليج العربي حيث كان يعمل في شركة لاخراج النفط .
شابا وسيما جذابا في الثلاثين من عمره, فلا غرابة ان تشعر روكسان نحوه بميل شديد, وادرك بيتر انها كانت منطوية على نفسها من شدة الحزن, فأخذ يخفف عنها ويقنعها بان الحياة مستمرة في سيرها , ومع مرور الايام, وبفضل بيتر بدأت تبتسم للحياة, وكان اصعب شيء واجهها هو ايجاد عمل تترزق منه, وكان بيتر هو الذي وجد لها عملا مع صديق له كان طبيبا للاسنان .
عندما بيع البيت الذي كانت تسكنه مع والدها وجد بيتر لها شقة تسكن فيها, وما ان مضى بضعة اشهر حتى بيتر وظيفة في البرازيل, وحاول ان يقنعها بالزواج به لاصطحابها الى البرازيل معه, غير انها ترددت وطلبت وقتا للتفكير والاستعداد لاتخاذ هذه الخطوة الحاسمة في حياتها, ثم وافقت على ان تعقد خطوبتها قبل سفره الى البرازيل, ثم تلحق به بعد ان يرتب اموره, فيتزوجان هناك, وشق على والدي بيتر ان لا يحضرا حفلة الزفاف الا انهما تفهما موقف روكسان . وبعد سفر بيتر اخذ يراسلها باستمرار فيعرب لها عن شوقه وتطلعه الى اليوم الذي سيجمعهما معا ويحدثها عن حياته في البرازيل حيث كانت الشركة التي يعمل فيها بيتر شركة كبرى .
نظرت روكسان الى ساعتها مرة اخرى فادركت بانه قد مضى على انتظارها لبيتر اربع ساعات مما جعلها تشعر بالقلق الشديد, وكانت على وشك ان تطلب كوبا ثالثا من الشراب عندما لاحظت ان رجلا كان يتفحصها باهتمام من حول طاولة لا تبعد عنها كثيرا , فرمقته بنظرة باردة, ولكنه لم يبالي, بل اخذ يحدق اليها بمزيد من الاهتمام, فلم يكن منها الا ان نهضت عن كرسيها وحملت حقيبتها الصغيرة واتجهت نحو الباب على انه كان عليها ان تمر بقرب الطاولة التي يجلس عليها الرجل, فلم تتمالك من القلء نظرة عليه فاذا هو شاب لم تشاهد بمثل جاذبيته ووسامته شابا من قبل, كان شعره اسود فاتحا وبشرته سمراء اسود العينين وكان فارع القامة, ذا وجه تدل ملامحه على الدقة والقساوة معا, فاستولى عليها الاضطراب وهي تدفع الباب للخروج الى البهو .
تنهدت وهي تجول بنظرها فيما حولها على امل ان تشاهد بيتر, اما كان يدرك بان لا بد لها ان تشعر بالغربة في مطار غيب كهذا؟ ما الذي جعله يتأخر في المجيء الى لقائها كل هذا التأخير ؟
اجتازت البهو وجلست في احد المقاعد المريحة ثم اخرجت سيجارة واشعلتها واخذت تنفث دخانها بفروغ الصبر, وفجأة سمعت صوت رجل يقول لها :
"هل انت الانسه غراهام, روكسان غراهام؟" فالتفتت الى مصدر الصوت ولشدة دهشتها حين وجدت نقسها وجها لوجه مع الرجل الذي كان يرمقها في المقهى. ولكنها تمالكت نفسها واجابته قائلة :
"كيف تعرف اسمي؟"
فقال لها وهو يضع يديه في جيبي سرواله :
" في هذا المطار الكثير من النساء الانكليزيات الوحيدات, وانت احداهن ".
فنهضت روكسان واقفة, وعلى الرغم من طول قامتها الا انها وجدت نفسها مضطرة لأن ترفع راسها حتى تراه, وعن قرب تبين لها ان عينيه السوداوين هما في الحقيقة بلون المخمل البني الغامق قالت له :
"ارجو ان يكون كلامك اكثر وضوحا..." فهز كتفيه وهو يقول :
"الحق معك يا انسه غراهام اسمي خوسيه فانتوس, وانا زميل خطيبك في العمل... " شعرت روكسان بالارتياح قليلا وقالت له :
"وماذا جرى لبيتر؟... هل هو آت؟".
"مع الاسف لن ياتي وساشرح لك السبب بعد قليل, هل هذه الحقيبة هي كل ما لديك من امتعة ؟" فترددت روكسان وهي تنظر الى حقيبتها ثم قالت :
" وكيف اعرف حسن نيتك؟ هل لديك ما يعرف عنك؟" فابتسم الرجل نصف لبتسامة واجاب قائلا :
"اراك لا تثقين بي" فسارعت الى القول:" ما ادراني؟ قد تكون اي شخص كان, سمع باسمي يتردد على السنة المسؤولين في المطار..." هز الرجل كتفيه العريضين قائلا:
"الحق معك يا انسه غراهام, الحكمة تقضي باتخاذ الحيطة ولكنني اؤكد لك اني صادق في ما اقول, هناك خوسيه فانتوس واحد في العالم وهو انا" فقالت:
"اما لديك وثيقة تثبت هويتك؟ كرخصة قيادة مثلا؟"
فاخرج خوسيه من جيبه جواز سفره ورخصة دولية لقيادة السيارة فالقت عليهما نظرة سريعة لثقتها بان المتمرد على القانون لا يملك مثل تلك الجرأة والثقة بالنفس, فقالت له :
"شكرا معي هذه الحقيبة فقط, لان بقية حقائبي شحنتها مع حقائب المسافرين على الطائرة". اعاد خوسيه اوراقه الى جيبه وحمل الحقيبة واشار الى روكسان بان تتبعه عبر البهو الى خارج المطار, وفي الخارج كان الطقس حارا فلاحظ خوسيه انزعاجها فقال لها :
"الطقس الان اقل حرارة منه في منتصف النهار... وستعتادين عليه في وقت قريب "
حاولت روكسان الابتسام وتمنت لو ان بيتر اوفد رجلا اخر للقائها يكون اقل من خوسيه جاذبية وثقة بالنفس. وكانت بانتظراهما سيارة سوداء فخمة, فالقى خوسيه الحقيبة على المقعد الخلفي وفتح الباب لروكسان ثم صعد وجلس الى جانبها وهو يبتسم لها فبدت اسناه بيضاء اكثر مما هي ازاء بشرته وملامحه الفاتحة وقال لها :
" الم تزوري البرازيل من قبل؟"
"كلا"
"ولكنك بدأت تشعرين نبض الحياة في بلادنا" قال هذا وانطلق بالسيارة الى الطريق العام .
اعجبت روكسان رامارات وجهه المعبرة وعاد اليها الشعور ذاته الذي استولى عليها قبل ان تحط الطائرة, كان هنالك شيء بدائي في تلك البلاد على الرغم من ناطحات السحاب والعمارات السكنية الفخمة, وتنبهت روكسان الى ان خوسيه يخاطبها قائلا:
" كنت تسكنين في لندن على ما اعتقد"
"نعم في الضواحي , هل لم لن تخبرني لماذا لم يات بيتر للقائي, واين نحن ذاهبان الان؟" فابتسم قائلا:
"كنت اعتقد انك نسيت الغاية من زيارتك لهذه البلاد, المنزل حيث ستسكنين هو في تلك الجبال, ولكن الطرق اليها غير امنة ولا سالكة تماما , ولكن ذلك لا يجعل المنطقة مكانا موحشا لا مدينة فيه, فهي تضم متحف وجامعة...غير ان الوصول اليها امر اخر"
"وماذا بعد؟ لا اعتقد ان هذا كل شيء"
"وقع انهيار على حافة الطريق منذ مدة... " فصاحت بلهفة
"وهل وقع ضحايا؟"
"كل, ولكن خطيبك انعزل وسدت في وجهه الطريق, فاتصل بي"
" وانت هل كنت في ريو؟"
"كلا كنت في نفس المنطقة حيث خطيبك"
"بربك يا سيد فانتوس" كيف امكنك ان تصل الى هنا اذا كان بيتر لم يتمكن من الوصول؟" فاجاب وهو ينعطف بالسيارة بسرعة جعلت روكسان تميل نحوه, حتى كادت تصطدم بمقعده.
"لدي وسيلة اخرى للتنقل... اعني الطائرة المروحية"
ولم تشأ ان تثقل عليه بالاسئلة فاكتفت بالقول :
"وهل نحن ذاهبان الى حيث بيتر الان؟" فاجابها مذكرا:
" الطريق مسدودة "
" ولكن اين طائرتك المروحية؟"
فبدت على وحهه ملامح السخرية مما بعث الاحمرار في وجهها وخيل اليها انه من الرجال الذين اعتادوا معاشرة النساء, فلم تعرف كيف تعامله وذلك عائد الى شيء لم تستطع تحديده جعله يختلف عن اي شخص عرفته في حياتها. والذي اثارها هو انه كان على وعي تام بجاذبيته, وربما بالتأثير الذي يبعثه فيها. تصلبت في جلستها وقالت له في حزم :
" ماذا تنوي ان تفعل بي؟" فقهقه ضاحكا وقال:
"افعل بك؟ هذا كلام لا يجوز ان يصدر منك. ماذا تتصورين اني سأفعل لك؟" حدقت اليه روكسان بذهول ثم قالت له باختصار:
"انت تعلم ولا شك ما اعنيه" احنى راسه موافقا وقال:
"نعم, انا اعلم انك متشوقة جدا للقاء خطيبك وهذا من حقك لانه ترك لندن منذ اشهر وفي هذه الاثناء كان من الممكن حدوث اي شيء, وعلى كل حال فالظلام سرعان ما سيخيم ولا اريد ان اجازف بحياتي ان انا حاولت الهبوط بالطائرة المروحية بين تلك الجبال, ويؤسفني ان اخبرك بان عليك ان تقضي الليلة في ريو, حيث حجزت لك في احد الفنادق الفخمة... وغدا يمكنك ان ترتمي في احضان حبيبك!" فرمقته روكسان بنظرة صارمة وهي تقول :
"شكرا لا احتاج منك الى تعليمات وارشادات "
"انا متأكد من ذلك" قال هذا الكلام بسخرية ثم اضاف مقطب الجبين:
"انت لا تثقين بي يا انسة غراهام ... لماذا؟"
"انا لم اقل ذلك"
"لا ولكنه واضح في تصرفاتك... ربما تظنين اني اختطفك, فحين تصلين الى الفندق يصبح بامكانك ان تتحدثي الى خطيبك بالتليفون" وعندما سمعت روكسان بكلمة تلفون شعرت بالارتياح فيما ظل خوسيه يرميها بنظراته الساخرة ثم قال :
"انت فتاة جميلة يا انسة غراهام, ولكني اسف ان اخبرك اني عرفت نساء جميلات كثيرات ولم الجأ الى اختطافهن لاجعلهن يستسلمن ويرضخن لي". زاد هذا الكلام من احراج روكسان في هذه اللحظة ظهر لها ضواحي المدينة حيث هالها ان تفاجأ بالفقر المدقع الذي دلت عليه بعض البيوت الشبيهة بالاكواخ ال********************************ة. ادرك خوسيه ما كانت تفكر فيه فقال لها :
"حيث هناك غنى فاحش هناك فقر مدقع ايضا, انت مثل كل الناس يا انسة غراهام تريدين ان تري فقط ما توقعت ان تريه" نظرت اليه قائلة:
"وكيف ترى انت هذا الفقر المدقع يا سيد فانتوس ام انك لا تراه ابدا؟ فقال عابسا:
"نعم اراه يا انسة غراهام " كان في صوته شيء من المرارة لم تلحظه من قبل واضاف :
"ربما تتصورين اني لم اعرف الا هذه الحياة , حياة الترف والرفاهية" ادارت وجهها وقالت " لم افكر في ذلك يا سيد فانتوس "
"اذن كان عليك ان تفكري قبل ان تتكلمي" . كانت مدينة ريو رائعة الجمال تتميز بفرادة البناء المعماري الذي اشتهرت به . كانت تعج بالسياراتو المارة وعلى جانبي الشوارع العامرة بالاشجار كانت المتاحف وناطحات السحاب, وكان الفندق الذي توقف امامه خوسيه قائما في احد الشوارع الجانبية الهادئة وكان شامخا فخما بخلاف معظم الفنادق التي تواجه الشاطئ وكان من الداخل حديث الاثاث ووسائل اللافاهية. ترك خوسيه سيارته في الموقف ودخل وروكسان الى الفندق ثم سار يتقدمها نحو مكان الاستقبال. ادركت من الحفاوة البالغة التي استقبل بها خوسيه انه يتمتع بتقدير واحترام بالغين وبعد ان تحدث الى المسؤولين هناك عاد وقال لها :
" غرفتك جاهزة احسب انك تعبة وبحاجة الى الراحة والاستحمام قبل تناول طعام العشاء الذي يقدم للزبائن في اي وقت بعد السابعة والنصف, وقبل وصولنا اتصل براون ليستخبر عنك وسيتصل مرة اخرى فيما بعد... هذا كل شيء عندي اعلمك به" وشعرت روكسان بانها تأبى انتفارقه بعد ان ادى مهمته على اكمل وجه, ولعل ذلك عائد الى شعورها بالوحدة .
وسار خوسيه في اتجاه الباب فبدا لها كالنمر بقامته النحيلة المفتولة العضلات, تحت نبرة شفافة ناعمة الملمس وخيل لروكسان انه قد يكون مؤذيا كشبيهه في عالم الحيوان. التفت اليها قبل ان يفتح البال وقال :
" هل يروقك كل هذا؟"
"بكل تأكيد"
"سآتي اليك في العاشرة صباحا من الغد والان ليلتك سعيدة يا انسة غراهام"
"شكرا يا سيد فانتوس" تناول احد تاخدم حقيبتها التي تركها خوسيه الى جانبها واشار اليها بانكليزية ركيكة بان تتبعه. كانت غرفتها واسعة وفخمة ذات عدة نوافذ تطل على المدينة . وبعد ان استحمت ثم استلقت على فراشها تنعم بهواء المروحة وتحدق الى جهاز الهاتف فلعلها حين تسمع صوت بيتر يفارقها الشعور بالقلق الذي اخذ يستولى عليها . استسلمت روكسان للنوم ثم استيقظت على رنين الهاتف حيث كانت الغرفة غارقة في الظلام الا ان انوار الشارع كانت تتسرب من خلال النوافذ . تناولت السماعة وهي تشعر بقشعريرة خفيفة تتسرب اليها نظرت الى ساعة يدها فاذا هي تشير الى الثامنة والنصف . سمعت صوت بيتر يهتف من الطرف الاخر من الخط قائلا :
/
/
/