الفصل الأول

7 0 00

الفصل الأول

اقتحم صابر النـّار المستعرة التي كانت تلتهـم بيته، جـرّاء سقوط إحـدى القذائف الصاروخية عليه.. إذ شلّ المشهد عقله ولم يعد لديه مجال للتفكير في العـواقب والمـآلات، فالموقف عصيب.. والخطْبُ جلل، ويستدعي القيام بعمل فوري. طفق يقتحم الغُـرفَ: غرفةً غرفةً وهو في حالة هستيرية... كان ينادي بأعلى صوته: "غالية.. رغد". توقف فجأة حين رأى زوجته وابنته ترقدان في المطبخ وهما متعانقتينِ وقد تفحمتا. خرّ جاثيا على ركبتيه وأجهش بالبكاء بيد أنه لم يلبث أن أفاق من صدمته على بكاء ابنه الرضيع. هُرع إليه مناديا بصوت عالٍ: "سالم.. سالم...". وبسرعة خاطفة التقطه من على سريره، وضمّه إلى صدره، وخرج به مسرعاً.

لم يكن يحسّ صابر بالنار التي شبّت في ملابسه إذ أن المصيبة قد عطـَّلت وسائل الإحساس لديه، وبلّـدت الشعور عنده...

وما إن خرج من أتون الجحيم، وبيده ابنه، حتى وقع على الأرض مغشيا عليه. لم يفق صابر إلا وهو مُسجَّى على سرير في إحدى المستشفيات. بادره الطبيب الذي كان واقفا إلى جوار سريره حين صحا من غيبوبته قائلا:

الحمد لله على سلامتك.. لقد أنجاك الله بأعجوبة يا صابر!

ردّ عليه بصوت خافت منهك وهو يغالب الآلام التي نشبت مخالبها في جسده:

أين سالم؟ أين هو ابني يا دكتور؟ إني واثق بأنني أنقذته.

لا أدري عنه شيئا. لم يحضره أحد معك إلى المستشفى.

طفق يردد والأسى يكاد يفتت مهجته:

حسبي الله ونعم الوكيل! حسبي الله ونعم الوكيل!

ثم جعل يتحسس الضمادات التي كانت تغطي وجهه إذ لم يكن يظهر منه سوى عينه اليسرى وفمه من خلال فتحتين تركهما له الطبيب: فتحة ينظر من خلالها، والأخرى كي يتناول عبرها الطعام. خنقته العبرة وغار صوته ولم يستطع أن يكمل حديثه فلاذ عندئذ بالصمت وغرق في يمّ أحزانه وهو ينازع أوجاعه وآلامه ويبكي بمرارة في صمت...

وبعد أيام أزاح الطبيب الضمادات من على جسده ووجهه. هنالك كانت الصدمة المروعة. "يا للهول! ويا للمصيبة!! ما هذا؟! ماذا حلّ بوجهي ليحيله إلى هاته الدمامة؟! لقد شوّهت النار منظري.. وبدّلت صورتي بعدما أتت على مساحة كبيرة من جسدي، وأحرقت الجهة اليمنى من وجهي". حاول المسكين جاهدا أن يفتح عينه اليمنى.. ولكن هيهات هيهات لذلك إذ التصق جفناه ببعضهما...

أنكر صابر صورته وأصيب بالذعر وهو يرى نفسه قد تحول إلى وحش. أغمض عينه، وكأنه يريد أن يطرد تلك الصورة القبيحة عن مخيلته، وما لبث أن فتحها ليعيد النظر إلى المرآة التي أحضرها له الطبيب بناء على طلبه، فانقلب له البصر بالصورة ذاتها.. وبالمنظر نفسه. إنها الحقيقة!

قال له الطبيب، حين رأى دمعة خرجت من مقلته دون إذنه، مواسيا:

هوّن عليك يا صابر! من الممكن التخفيف من آثار هذه التشوهات بعمليات تجميل في المستقبل.

هزّ صابر رأسه بأسى.. ونظر إليه ببلاهة.. ولم يحر جوابا...

وفي تلك الأثناء هُرعت رحيل إلى بيت أخيها عندما تناهى إلى مسامعها نبأ تعرضه للقصف، وهي لا تلوي على شيء، ولا تلتفت لأحد. انفجرت بالبكاء لمّا رأت جزءا من البيت مدمرا وبأن النار قد أتت عليه وحولته إلى ركام. لم تتمالك رحيل نفسها وأخذت تصرخ وتولول. وما إن أفاقت من صدمتها حتى قدّم لها أحد الجيران ابن أخيها الرضيع سالما وقال لها بأسى:

لم ينج من البيت إلا هذا الطفل! وقد نقلنا صابرا إلى المستشفى في حالة جدّ حرجة بعد أن أحرقته النار.

غشيتها سحابة الحزن وأظلمت الدنيا في عينيها. ضمّت الطفل إلى صدرها، واستسلمت للبكاء...

* * * * *

كانت المدينة الثائرة محل نقمة وغضب وحش دمشق بعد أن آلى على نفسه تدميرها فوق رؤوس قاطنيها انتقاما لكبريائه.. وإرضاء لنزعة السادية في صدره.. وحقدا على أهلها ليضرب بها الأمثال ويجعلها عبرة لمن يعتبر.. ويقهر بها كل حرّ شريف قد تسول له نفسه شق عصا الطاعة. كانت الجثث تنتشر في أرجاء المدينة المنكوبة.. وتغص بها الشوارع والأزقة.. وكانت الأشلاء مبعثرة في الطرقات هنا وهناك إذ لم تتوقف آلة الدمار والتخريب العسكرية لمدة شهر تقريبا حصد فيها جيش الأسد عشرات الآلاف من أهل حماة. حينئذ لم يجد أهالي تلك المدينة بدّا إزاء تلك الوحشية من مغادرتها إلى المدن المجاورة، والقرى القريبة. كما عبر بعضهم الحدود فرارا بأنفسهم وأولادهم من انتقام الطاغية واتقاء للقذائف الصاروخية المتساقطة على رؤوسهم كالمطر.. وهربا من القتل والسحل على يد جند الوحش...

تنفست رحيل الصعداء بعد أن نجحت في عبور الحدود التركية برفقة أسرتها. بيد أن تلك المسكينة لم تكف عن البكاء منذ أن غادرت سوريا...

جلست ذات مساء كئيبة حزينة ترضع الطفل اليتيم والدموع تترقرق في مآقيها. دنا منها زوجها، وبادرها في محاولة منه للتخفيف من حزنها قائلا بحدب:

إلى متى ستظلين تبكين هكذا يا رحيل؟

إنك لا تحس بالنار المتأججة في قلبي!

سكتت قليلا ثم تنهدت بعمق وأردفت قائلة بمرارة:

الله يلعن روحك يا حافظ، ويحرق قلبك كما أحرقت قلبي!

هزّ صابر رأسه وقال بلوعة:

لقد أحرق ذلك المجرم قلوب الآلاف من أهل حماة والمدن المجاورة لها.

ألا يوجد أحد في مقدوره ردع هذا المجنون وردّه عن غيّه، ووقفه عند حده؟

كفكفت رحيل دموعها وأردفت قائلة:

ما يزيد نار الحزن في قلبي الصّمت الرهيب من باقي المدن.

وماذا عساها أن تفعل تلك المدن المسبية؟

على الأقل يخرج أهلها ليعبروا عن رفضهم للمذابح والمجازر التي تتعرض لها حماة وما جاورها.

إنه الخوف يا رحيل! لقد زرع الطاغية الرعب في قلوب الناس بالقمع والاستبداد بعد أن فرق بينهم وجدانيا، وزرع بينهم الكراهية، حتى لم يعد أحد يشعر بأحد. ففي الوقت الذي كان طائر الموت يرفرف فوقنا يحصد الرؤوس وينشر الموت الزؤام في مدينتنا كانت مطاعم ومقاهي العاصمة وبعض المدن الأخرى تغصّ بالرّواد.

كفكفت رحيل دموعها وقالت بحرقة:

سيدفع الجميع الثمن!

ثم وضعت سالما في فراشه بعد أن أخلد إلى النوم في حجرها وهمست بحزن:

إن رؤيتي لهذا اليتيم الذي فقدَ أسرته جملة واحدة يعتصر فؤادي حزنا.

* * * * *

غادر صابر المستشفى خفية بعد أن تحسنت حالته الصحية بمنظر مرعب إذ لم يترك الحريق بصمته القبيحة على وجهه وجسده فحسب بل خلـّفَ جرحا غائرا في أحشائه.. وحزنا عميقا بمهجته. وما إن تناهى إليه نبأ نجاة ابنه ووصوله إلى يد أخته رحيل حتى سكنت نفسه ونزل عليه الخبر كنزول الماء على النار.

انطلق ميمما وجهه صوب تركيا للبحث عن ابنه بعد معرفته بلجوء أخته وأسرتها إليها. رفرفت سحابة الحزن فوق رأسه وأحس بانقباض في صدره بعد أن دخل التراب التركي. طفق يحدّث نفسه حين تذكر الحادث المأسوي: "المصائب لا تأتي فرادى. والمآسي تتناسل وتتكاثر، فالأسى يبعث الأسى.. والحزن يولد الحزن".

عندئذ فاضت لواعج أحزانه وثارت كوامن الشوق في نفسه بينما كانت الحافلة التي يستقلها تشق طريقها إلى اسطنبول، وتلتهم المسافة نحوها. تراءت صورة ابنه في خياله فجأة وتذكر حين وجده يبكي في سريره، واللهب يحيط به إحاطة السوار بالمعصم ويمدّ ألسنته لإلتهامه كما تمدّ الحية لسانها لسحب فريستها. هزّ رأسه وطفق يحدّث نفسه والحسرة تكاد تقطع فؤاده: "الحمد لله الذي ساعدني في إنقاذه". رنا ببصره من خلال النافذة وتوقف عن التفكير قليلا عله يريح أعصابه المنهكة بيد أن المناظر الخلابة والمشاهد الطبيعية الأخّاذة التي كانت تمر بها الحافلة لم تكن لتثير بهجته أو تحرك مهجته. سرعان ما عاد يحدث نفسه: "... أين أنت يا ترى يا بني؟ وكيف سأصل إليك يا حبيبي؟".

لدى وصوله إلى اسطنبول اتصل بابن خالته، مراد، الذي كان يقيم في تلك المدينة منذ زمن بعيد منقطعا عن الأخبار، الذي جاء إلى المحطة لاستتقباله بيد أنه ما إن رآه على تلك الحالة المرعبة حتى أصيب بالصدمة.

أخذ مراد يحملق في وجهه فاغرا فاه وقد عقدت المفاجأة لسانه وركبه الفزع. ابتدره صابر متسائلا:

يبدو أنك لم تعرفني يا مراد؟ لقد تغير منظري كثيرا.. أليس كذلك؟

صحا مراد من ذهوله وصاح مندهشا:

بلى! ولكن ما الذي فعل بك هذا يا صابر؟

هزّ صابر رأسه وراح يقصّ عليه بعضا من تفاصيل قصته بينما كانا في طريقهما إلى السيارة. وما إن فرغ من روايته حتى أخذ يواسيه ويعزيه والحزن يعتصر فؤاده.

وما إن صعد صابر السيارة حتى بادره بالسؤال:

إلى أين ستأخذني يا مراد؟

إلى البيت طبعا!

لا أريد أن أضايقك. بإمكانك أن تضعني في أقرب فندق شعبي وسأتدبر أمري.

لن تضايقني إنني أقطن في شقة وحدي.

سكت صابر برهة ثم قال:

إنما جئتك كي تساعدني في البحث عن ابني سالم، إذ ليس لي في تركيا غيرك.

رد عليه مراد بعطف:

سأبذل معك قصارى جهدي للوصول إليه، على الرّغم من أنني أعتقد أن الأمر لن يكون يسيرا فكما تعلم أن تركيا دولة كبيرة ومترامية الأطراف. على كلٍّ، عليك أن تأخذ قسطا من الراحة أولا ومن ثمّ سنشرع في البحث عنه.

راحتي في رؤيته وضمه إلى صدري.

سكت مراد برهة ثم تنهد بعمق وقال بلوعة:

لا أفهم ما الذي يدفع بزعيم إلى استخدام الأسلحة الثقيلة ضد شعبه بتلك الضراوة.

إنها السادية.. والتعطش للدماء.. فالحقد الأعمى لا حدود له.

أين الأمم المتحدة؟ وأين مجلس الأمن؟ وأين الضمير العالمي؟!!

هزّ صابرٌ رأسه بحزن وأجاب باقتضاب كأنه لا يودّ الخوض في الأمر:

اسماء لا معنى لها حينما يتعلق الأمر بالمسلمين!

وفي اليوم التالي خرج صابر مبكرا للبحث عن عمل، إذ أنه كان في حاجة ماسة إلى المال. وبينما كان يسير، في أحد الشوارع الجانبية في مركز المدينة، يجرجر أحزان الدنيا، ويسحب حبال الألم، إذ به يجد عمّالا يعملون في بناء أحد المرّكبات السكنية الكبرى.

تردد قليلا قبل أن يبادر بسؤال أحدهم:

هل أجد لديكم عملا؟

نظر إليه العامل باشمئزاز، وأجابه باقتضاب قائلا:

تكلّم مع المسؤول!

أين أجده؟

أشار بإصبعه نحو حاوية قائلا:

إنه هناك في مكتبه.

طرق صابر الباب وظل واقفا حتى سمع صوت المسؤول، الذي كان في اجتماع مع مدير مجلس إدارة الشركة في تلك الأثناء، يدعوه للدخول. وما إن فتح صابر الباب وأطلّ بوجهه الدميم عليهما حتى انتابهما الفع. صاح المهندس غاضبا:

اخرج من هنا أيها الرجل، فهذا ليس مكاناً للتسول!

ردّ عليه صابر بصوت حزين.

أنا لست متسولا يا أستاذ. إنما أبحث عن عمل.

ليس لدينا عمل! اغلقِ الباب وامضِ إلى حال سبيلك.

فجأة انقدحت في ذهن مدير الشركة فكرة. جعل يحدّث نفسه: "... إنه مناسب ولا تخطئه العين، وسيكون في مقدوره القيام بالعمل دون إثارة الشبهة إليه".

نظر إليه من فوق إلى أسفل ثم التفت إلى المهندس وقال له:

دعه يدخل يا رجب.

ثم ابتدره بالسؤال:

ما اسمك؟ ومن أين أنت؟

اسمي صابر الحموي. وأنا سوري.

وما الذي فعل بك هذا؟

راح صابر يروي قصته... وقبل أن يأتي على آخرها قاطعه عصمان قائلا:

حسنا هذا يكفي!

وفي الحال أخرج عصمان بطاقة بياناته الشخصية من جيبه وناولها إياه، وأردف قائلا:

تعالَ إليّ غدا في مكتبي على هذا العنوان، في العاشرة صباحا، وسأحاول أن أجد لك عملا...

وصل صابر إلى مقر الشركة قبل الموعد بخمس دقائق تقريبا. كان الأمل يحدوه في الحصول على عمل يسدّ به احتياجاته ويدعم به تحركاته كي يكون في مقدوره البحث عن ابنه.

ألف، سكرتيرة المدير منهمكة في الضرب بأناملها على لوحة مفاتيح الحاسوب بسرعة كأنها تريد أن تنجز عملا مستعجلا، لدى ولوجه غرفة الاستقبال. ظلّ واقفا ينظر إليها منتظرا فراغها من طباعة الرسالة ولم ينبس ببنت شفة.

رفعت السكريتيرة رأسها حين أحسّت بوجوده! قامت فجأة من على كرسيها في الحال وصرخت مذعورة وقد أصيبت بالفزع. أحسّ صابر بالإحراج الشديد غير أنه تدارك أمره، وبادرها متلطفا ليخفف من فزعها:

معذرة يا سيدتي، على الازعاج!

استدركت نفسها وصحت من ذهولها.. وبذلت ما في وسعها لإخفاء خوفها ثم قالت بصوت متلجلج:

لا.. لا.. ليس ثمةَ أيّ إزعاج! تفضل.. هل بإمكاني تقديم أية خدمة لك؟

لديّ موعد مع الأستاذ عصمان الملاح.

تساءلت السكرتيرة بدهشة:

أتقصد المدير؟

نعم!

ثم ناولها البطاقة.. وقال:

وهذه بطاقته يا سيدتي.

تناولت البطاقة وجعلت تنظر إليها تارة وتنظر إليه تارة.. كانت التساؤلات تتزاحم في ذهنها، ثم قالت في قرارة نفسها: "لا يمكن أن أصدق أن الأستاذ عصمان يقابل في مكتبه مثل هذا المخلوق!!".

بيد أنها استدركت نفسها وقالت:

لحظة لو سمحت! تفضل بالجلوس، سأخبره بوجودك. هل لي أن أعرف اسمك الكريم؟

صابر الحموي.

دلفت السكرتيرة إلى مكتب المدير لتخبره... ثم ما لبثت أن عادت إليه. أشارت إلى باب المكتب وقالت بلطف:

تفضل يا أستاذ صابر. السيد عصمان في انتظارك!

وما إن دخل عليه المكتب حتى ابتدره صابر بالتحية.

قال عصمان:

لقد تكلمت مع مدير شؤون الموظفين بشأنك، وما عليك إلا إحضار أوراقك مع سيرتك الذاتية للسكرتيرة في أي وقت وهي بدورها ستهتم بأمرك فقد أمرتها بذلك.

شكرا لك يا سيد عصمان، لن أنسى فضلك!

وحين همّ صابر بالخروج من المكتب مدّ إليه حقيبة "سامسونايت" أنيقة وقال له:

أريد منك أن تسلّم هذه الحقيبة إلى أحد رجال الأعمال إن لم يكن لديك مانع!

بكل سرور يا سيد عصمان.

سيلاقيك في محطة القطار.

ثم سكت برهة وأردف قائلا:

يوجد في الحقيبة بعض المستندات المهمة.

ولكن كيف سأعرفه؟

لا تشغل بالك! هو الذي سيعرفك ويأتي إليك. لقد أعطيته أوصافك، ولن يخطئك أبدا. وحالما تتأكد من أنه السيد رضا آغا، أعطه الحقيبة.

غادر صابر المكتب، وشكر السكرتيرة حين رآها تنظر إليه في دهشة...

عصفت الخواطر والظنون بصابر وهو يحث الخُطى نحو المحطة. جعل ينظر إلى الحقيبة ويحدث نفسه: "لا أدري لمَ لم يأتِ الرجل لأخذ الحقيبة من الشركة بنفسه؟ ولماذا لم يرسلها مع أحد موظفي الشركة؟!". أحسّ بشعور غريب ينتابه لدى دخوله المحطة وازداد معدل خفقان قلبه...

أخذ يشجع نفسه ليخفف من ارتباكه: "على الرغم من أنني لست مرتاحا لأمر هذه الحقيبة غير أن السيد عصمان يبدو أنه يريد مساعدتي.. ومن يدري لعله يريد أن يختبرني قبل أن يوظفني عنده؟".

* * * * *

بعد أن توقفت العمليات العسكرية في مدينة حماة وما جاورها من القرى عاد النازحون إليها ليتفاجأوا بحجم الدمار والخراب الذي خلفته آلة الوحش العسكرية. بيد أن سعيدا وأسرته آثرت البقاء في تركيا مع بعض السوريين الذين رفضوا العودة لديارهم خشية القتل والتنكيل.

وذات صباح، تساءلت رحيل قائلة لزوجها:

إلى متى سنظل بعيدا عن ديارنا يا سعيد؟

تنهد سعيد بأسى وقال:

الله أعلم! ولكن هذا المجرم لا يؤمن جانبه، خاصة أن وضعي خاص وقد حملت السلاح ضده.

إذن سنظل في بلاد الغربة طوال حياتنا.

هذا قدرنا. ثم ماذا تبقى لنا لنعود إليه يا رحيل، لقد قتل أحبابنا وأصحابنا ودمّر بيوتنا. ثم أنني أحسّ بأن هذه بلادنا، لا أنني لا أومن بتقسيمات سايكس بيكو.

أتظن أن نظام البعث سيسقط يوما يا سعيد؟

لقد جاء العلويون للسلطة بمؤامرة غربية، واتخذ حافظ الأسد وطائفته حزب البعث كحصان طروادة لإخفاء أطماعهم الطائفية، ولا أظن أن هذه الطائفة ستترك الحكم.

هزّت رحيل رأسها ولاذت بالصمت.