الفصل الثالث

10 0 00

الفصل الثالث

لم يغادر خيال رحيل ذكرى أخيها لحظة ولم يغب طيفه عن فؤادها ساعة رغم مضي الأيام وتعاقب السنين. كيف تنساه وقد خلـّف لها أمانة ثقيلة. كانت كلما نظرت إلى سالم تذكرته. ترعرع ذلك اليتيم على عينها وتحت رعايتها وفي كنفها الدافئ إذ لم تالُ جهـدا في تربيته والاهتمام به، فهي لم ترضعه لبنا فحسب، وإنما أرضعته حنانا وعطفا أيضا. وحينما اشتد عوده، وقويت عظامه، وصار غلاما يافعا في مقدوره التمييز بين الجمرة والتمرة.. وباستطاعته إدراك ما حوله من الأشياء فاجأ أمه، ذات يوم، بسؤاله عن سبب اختلاف اسمه عن اسم إخوته. اعترت رحيل الدهشة.. وغشيتها الحيرة.. وعقدت المفاجأة لسانها، إذ أنها لم تعدّ لذلك السؤال جوابا، ولم يدر بخلدها بأنه سيدرك ذلك في هذه السن المبكرة. احتضنته وأخذت تقبـّله بعطف وهي تخفي ارتباكها، ثم قالت له:

لا تشغل بالك يا حبيبي، بهذا الأمر. إنك لا تزال صغيرا!

ولكن من حقي معرفة الحقيقة يا أماه.

اغرورقت عيناها بالدمع، وسكتت برهة قبل أن تجيبه بأسى:

على الرغم من أن سعيدا ليس والدك في الحقيقة ولكنه هو من ربّاك صغيرا ولم يبخل عليك بشيء. كما أنه يحبك كابنه تماما ولا يفرق بينك وبين فتحي.

فرك عينيه ومسح دموعه وقال متسائلا:

أين هو أبي إذن؟ أريد أن أراه. أريد أن أعرفه!

كفكفت رحيل دموعها ثم أردفت قائلة بصوت متلجلج:

لقد.. توفي أبوك.. و.. وأنت لا تزال رضيعا!

هل لديك صورته؟

ترددت رحيل قبل أن تخرج صورة أبي سالم التي كانت تحتفظ بها في حقيبة يدها،. ثم قالت:

انظر يا سالم، إنه يشبهك تماما. لقد كان وسيما مثلك!

لم تتمالك رحيل دموعها حين رأته يقبـّل صورة أبيه والدموع تسيل على خديه. ضمّته إلى صدرها مرة أخرى وراحت تقبله...

وما إن انقلب سعيد إلى بيته عائـدا من عمله، حيث كان يعمل في مطعم صغير بقرب محطة الحافلات التي تربط بين المدن التركية، حتى أخبرته رحيل بما دار بينها وبين سالم وكيف أنه فاجأها بالسؤال واحرجها بذكائه.

هزّ سعيد رأسه وقال:

ألا تظنين أنها كانت فرصة مناسبة لإخباره بالحقيقة يا رحيل.

أخبره بماذا؟! وما جدوى ذلك؟

بكل شيء.. بالحادث الذي وقع لأسرته، بوفاة أمه وأخته. فمن حقه معرفة الحقيقة.

معرفة الحقيقة لن يغير من الأمر شيئا يا سعيد.. ولم أكن لأخبره أبدا بأنك لست أباه لولا أنه لم يكن في مقدوري إخفاء الأمر عليه.

سالم صار ناضجا.. وأعتقد أنه سيتقبل الأمر في نهاية المطاف.

ردّت عليه غاضبة:

إنك لم تره يا سعيد! كم حزن المسكين حين علم بوفاة أبيه وكيف بكى لما رأى صورته!

سكتت برهة ثم أردفت قائلة:

وكيف لو علم بوفاة أمه وأخته معا؟!

معرفة الحقيقة لن تضره في شيء، وربما يحزن قليلا ثم يسلو وينسى، ولكن لعل ذلك ينفعه يوما، فالحياة مليئة بالمفاجأت.

* * * * *

شيئا فشيئا جعل صابر يتعود على حياة السجن، كما تعود السجناء على منظره البشع، غير أنه نجح في لفت نظر نزلاء السجن والعاملين فيه بدماثة أخلاقه، واستهوى قلوبهم بحسن عشرته وصبره، واستحوذ على احترامهم، إذ ضرب مثلا رائعا في قوة الإرادة.. وقهر الأحزان حتى صار مصدرَ إلهام لكثير من السجناء؛ يرفع معنوياتهم ويواسيهم...

لم يسمع منه أحد من السجناء كلمة تضجّر.. أو نأمة تبرّم.. طيلة مكوثه في السجن مما حدا بكثير من السجناء إلى اللجوء إليه لحلّ خلافاتهم والتحاكم إليه لفضّ مشاجراتهم التي تنشب بينهم بين الفينة والأخرى...

وذات مرة استدعاه مدير السجن إلى مكتبه بغية الوقوف على السر الكامن وراء شخصيته المحبوبة.. وكيف كان في مقدوره الظفر بودّ كبار المجرمين، وكسب احترامهم.

ابتدره مدير السجن مداعبا:

أأنت ساحر يا صابر؟!

ردّ عليه مبتسما:

لا أبدا!

قل لي إذن: ماذا فعلت لزملائك كي تحظى بكل ذلك الاحترام والثقة، خاصة نزلاء العنبر رقم 7 الذي يعدّ أسوأ العنابر وأكثرها مشاجرات ومشاكل في السجن.

هزّ صابر رأسه وأجاب بلطف:

المعاملة الحسنة مفتاح القلوب، والصبر مفتاح الفرج، وللكلمة الطيبة وقعا شديدا على النفس البشرية، ولربما فعلت في القلب ما لا يفعله السحر ذاته.

* * * * *

كرّت سبحة الأيام ومضت السنون يطوي بعضها بعضا، وسالم يشبّ ويكبر، ويجدّ في دراسته ويثابر.. ويتدرج في السلّم التعليمي، حتى اجتاز امتحانات الشهادة الثانوية وتحصّل على تقدير مرتفع فيها مما أهّله للإلتحاق بإحدى جامعات اسطنبول.

بيد أن ذلك لم يرق لأمه التي عارضت في بداية الأمر ذهابه للدراسة في اسطنبول التي تبعد عن انطاكية كثيرا، ولكنّها لم تجد بدا، إزاء إصراره على الذهاب لاستكمال دراسته من النزول عند رغبته والموافقة على اختياره على مضض... دأب سالم على زيارة أسرته رغم طول الشّقة.. وبعد المسافة.. وشدة المشقة.. إذ كان كلما سنحت له فرصة في السنة الأولى من دراسته الجامعية يزورها. ما لبثت تلك الحماسة خبت شيئا فشيئا جرّاء انهماكه في الدراسة من جهة وفي العمل من جهة أخرى، إذ كان يعمل في أحد المطاعم في فترة المساء لتغطية مصاريف إقامته، حتى أصبح لا يزور أسرته إلا في عطلات نهاية العام الدراسي.. أو في المناسبات الدينية.

اجتهد سالم في العام الآخير من دراسته الجامعية في البحث عن عمل مناسب في مجال تخصصه في مدينة اسطنبول، وقام بتقديم طلبات عمل لعدة شركات ومؤسسات. ومن حسن حظّه أنه تحصّل على موافقة بالعمل في "الشركة العالمية للحاسوب"، التي وافقت على توظيفه بعد أن اجتاز اختبار المقابلة الشخصية بنجاح...

انقلب عائدا إلى أسرته بعد حصوله على النتيجة النهائية من الجامعة مسرورا يحدوه الأمل وتغمره السعادة... وما إن وصل إلى بيت أسرته حتى استقبلته أمّه بحفاوةٍ بالغةٍ وهنأهُ الجميع على النجاح والتفوق.

سارعت رحيل بتقديم الحلوى والمشروبات تعبيرا عن الفرحة بنجاحه وعودته ثم جلست إلى جانبه، ولم تكن الدنيا تسع فرحتها.

ابتدره سعيد قائلا:

ما هي الخطوة التالية يا بطل؟

الحمد لله، لقد وُفقت في الحصول على عمل في إحدى شركات الحاسوب في اسطنبول.

صاحت رحيل مندهشة:

ماذا؟؟.. ماذا تقول يا سالم؟؟ أتريد أن تنفق عمرك بعيدا عنا؟؟ ألهذه الدرجة لم نعد نهمك؟ أم أن المقام طاب لك في تلك المدينة البعيدة! لن أسمح لك بالعيش بعيدا عني.. يكفي السنوات الأربع التي مكثتها في اسطنبول بحجة الدراسة. لقد كنت أعدّ الأيام عدّا وأنتظر اليوم الذي تكمل فيه دراستك لتعود إلينا، وتعيش بيننا.. وها أنت تريد أن تبتعد عنّا مرة أخرى.

هزّ سالم رأسه وقال مبتسما:

إنها فرصة كبيرة قد سنحت لي ولا أودّ أن أضيعها يا أماه. ولكن أعدك، أن أزوركم باستمرار، خاصة أنني بصدد شراء سيارة وبذلك يصير القدوم إليكم سهلا.

ترقرقت عيناها بالدمع وقالت بلوعة:

أنت لا تفكر إلا في نفسك يا سالم، ولا يهمّك أمري البتة.

رنا سعيد ببصره نحو زوجته وقال لها بلطف:

دعيه يشق طريقه يا رحيل، ويضمن مستقبله فقد أصبح رجلا.

ثم ألتفت إلى سالم وقال له جذلا:

مبروك يا سالم! لا شك أن حصولك على وظيفة في اسطنبول سيفتح لك آفاقا واسعة في معترك الحياة.

قالت رحيل غاضبة:

أرجوك لا تشجعه يا سعيد!

ثم نظرت إلى سالم وأردفت قائلة بنبرة حزينة:

وماذا عن وفاء، بنت الجيران، التي حجزتها لك، ووعدت أمها بأننا سنأتي لخطبتها رسميا حال تخرجك من الجامعة؟!

تعلمين أنني لست جاهزا للزواج الآن يا أماه، وأنني أحتاج إلى بعض الوقت لأستعد لذلك. ومع ذلك كله أعدك بأنني سألبي رغبتك وأبذل قصارى جهدي لذلك.

لم أقل لك تزوجها اليوم أو غدا يا سالم! إنما فقط نريد أن نخطبها لك قبل أن يسبقنا إليها غيرك فهي فتاة طيبة وقد أعجبتني كثيرا، ولا أريد أن تطير من أيدينا.

ردّ عليها مازحا:

لِمَ لا تخطبيها لفتحي؟

إنها تناسبك أنت أكثر منه ثم أنه لم يكمل دراسته بعد.

قام من مكانه وطبعَ قبلة على جبهتها وقال لها:

لقد وعدتك يا أماه.. ولا داعي للقلق.

أجهشت رحيل بالبكاء.. ولاذت بالصمت...

قال سالم مداعبا ليخفف من حزنها:

ظننت أن اليوم سيكون يوم غبطة وسرور! وبأنك ستفرحين كثيرا بتخرجي وحصولي على عمل يا أماه!!

كفكفت دموعها، وحاولت إخفاء حزنها وقالت:

من قال لك أنني لست سعيدة يا بني، ولكنني متضايقة من سفرك.

ما رأيك أن تأتوا لزيارتي في اسطنبول بعد أن أرتب الأمور فيها، فلدي شقة صغيرة وهي تسعنا.

هزت رأسها وقالت:

حالتي الصحية لا تسمح بذلك ولا أتحمل الجلوس في السيارة لمدة طويلة. على كل حال، الله معك! ولكن لا تغيب عنا طويلا.

* * * * *

عاد سالم إلى اسطنبول والآمال تدفعه والطموحات تحدوه. لم يلبث أن باشر عمله الجديد في الشركة بهمة ونشاط. لم تمض إلا شهور قليلة حتى كان في مقدوره إثبات وجوده والكشف عن جدارته في وظيفته. لذا حظي بإعجاب مدير الشركة وصاحبها، السيد فوزي الذي لفت نظره سالم بوسامته ودماثة أخلاقه. ومع الأيام هجست في ذهن فوزي فكرة.. وبدرت بخلده خاطرة. جعل يحدث نفسه: "يبدو أنه شاب بسيط.. وربما يكون مناسبا لابنتي دلال، ومن يدري لعلها تتغير على يديه، أو يكون في مقدوره انتشالها من عالمها التعيس واضطراباتها النفسية".

كان لفوزي ابنة وحيدة، تشكل له مصدر قلق عميق إذ كانت تعاني من الاكتئاب، والعُقد النفسية. كان يضايقه كثيرا رؤيتها على تلك الحالة وينغص عليه حياته بقاؤها في البيت رهينة المرض تتشاجر مع أمها طوال الوقت. كانت دلال تعيش في عالمها الافتراضي وتحلّق في فضائه الألكتروني، وتقضي جلّ وقتها على حاسوبها.. تغرد مع أقرانها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.. وتتسكع بين المواقع الإلكترونية مرفرفة بجناحيها في سماء الأوهام وعالم الخيال بعيدا عن الواقع.. ولم تكن دلال تخرج من غرفتها إلا قليلا. كما أن هاتفها النقال لم يكن يغادر يدها لحظة.

لم يكن في مقدور أمها فعل أي شيء إزاء ذلك مما جعل قلبها يتقطع عليها كمدا، ويذوب على حالها حسرة. وكان كلما تناهى إلى سمعها خطبة فتاة تعرفها أو تعرف أهلها أو تُدعى لحفل زفاف يشتعل فؤادها أسى على ابنتها. وذات مرة طفح كيل الصبر لدى سوسن، فقررت أن تحسم الأمر مع زوجها، ولدى عودته من عمله استقبلته بعاصفة من اللوم والتضجر:

لم أعد أتحمل هذه الحياة التعيسة في هذا البيت البائس: إما أن تجد لابنتك حلا.. وإما سأغادر هذا البيت!

هدئي من روعك يا سوسن. خبِّرِيني ما الأمر يا سوسن؟ أتشاجرتي مع دلال كعادتك؟

تجاهلت كلامه ولم تجبه عن سؤاله واستأنفت حديثها بحدة:

لا أدري إلى متى ستستمر في تجاهلك لابنتك؟ ليس لديك شغل غير العمل والصفقات!! ثم إلى متى سأبقى معها على هذه الحالة؟ إنك لا تهتم بغير نفسك ومصالحك الشخصية!

وماذا تريدينني أن أفعل؟ لقد فعلت كل ما في وسعي لعلاجها، أنفقت على ذلك مالا كثيرا كما تعلمين؛ ألم أعرضها على أفضل الأطباء النفسانيين؟ ألم أحضر إليها أكثر الشيوخ خبرة بالسحر والقدرة على التعامل مع الجن والشياطين والأرواح الشريرة؟!!

هزّت رأسها وقالت بحزن بعد أن هدّأت من نبرتها:

ولكن، لا الدواء أتى بنتيجة.. ولا التمائم والتعاويذ والشيوخ غيروا من حالها!

وما الحل في رأيك يا سوسن؟

الزواج. ربما إذا تزوجت تغيرت حالها.

وضع فوزي يده على جبينه وزمّ شفتيه واستغرق في التفكير قبل أن يردّ عليها:

أظن أن الموظف الشاب الذي حدثتك عنه سيكون حلا يا سوسن.

وماذ تنتظر يا فوزي. لِمَ لا تتكلم معه في الموضوع بصراحة؟

إنني انتظر الفرصة المناسبة.. إذ أنني لا أريد أن أعرضها عليه مباشرة، فكرامتي لا تسمح بذلك.

* * * * *

على الرغم من أنّ سالما لم يكن يدري ما يدور في خلد مديره ولم يعرف الأسباب التي كانت وراء اهتمامه به إلا أنه كان يشعر بالسعادة الغامرة جراء ذلك. لقد أثارت تلك المعاملة الحميمية دهشة زملائه في الشركة، فأخذوا يتهامسون فيما بينهم وينسجون في ذلك القصص والحكايات!!

وذات يوم بادر فوزي سالما قائلا:

لا أدري ما سرّ حبي لك وثقتي بك يا سالم، حتى عدت أعتبرك كابني.

هذا شرف كبير لي.

على كل حال، أودّ أن استشيرك في أمر ما يقلقني كثيرا.

كلي آذان صاغية يا سيدي!

لا أخفيك بأن أمر ابنتي دلال التي حدثتك عنها من قبل بات يأخذ حيزا كبيرا من تفكيري خاصة بعد إصرارها على رفض الزواج. لقد تقدّم لها كثير من أبناء العائلات الكبيرة غير أنها لم توافق على أيّ منهم.

ثم سكت قليلا وأردف قائلا بابتسامة:

أتظن أنه من حقي إرغامها على الزواج بالقوة يا سالم.. أم ماذا عساي أن أفعل؟

أرى أن تترك لها حرية الاختيار، وفي الوقت ذاته تقدم لها النصح.

المشكلة، أنّ أمها تطلب مني بقوة أن أضغط عليها كي توافق على الزواج من ابن أختها الذي سبق أن رفضته دلال.

أمر طبيعي يا أستاذ فوزي، أن يحرص أولئك الشباب على مصاهرة شخصكم الكريم، وخطبة كريمتكم، فكلّ يود الظفر بهذا الشرف الكبير.

شكرا لك يا سالم. بصراحة، كل يوم أكتشف فيك شيئا جديدا، حتى صرت أتمنى من كل قلبي أن يظفر بها شاب حكيم مثلك.

احمرّ وجه سالم وأحس بالخجل بيد أنه لاذ بالصمت ولم يحر جوابا.