الفصل الثاني

6 0 00

الفصل الثاني

كان رجال الشرطة يراقبون صابرا ويتبعونه بأبصارهم من بعيد بهدوء كي لا يلفتوا نظره. وما إن دنا منه رجل كان يرتدي بدلة سوداء اللون، وقميصا أبيض، وربطة عنق زرقاء، ويضع على عينيه نظارة سوداء مظلمة كأنه يريد أن يخفي وراءها معالم وجهه، حتى سلّم عليه، وعرفه بنفسه. وفي الوقت الذي أراد أن يقدم صابر الحقيبة للرجل انقضّ عليهما رجال الأمن. بيد أن رضا آغا أفلح في الإفلات من قبضة رجال الشرطة وأطلق ساقيه للريح ثم استقل سيارة كانت في انتظاره.

أسقط في يدّ صابر حين وجد نفسه محاطا برجال الأمن وهم يصوّبون فوهات بنادقهم نحوه ويأمرونه بالانبطاح أرضا. جعل ينظر إلى الحقيبة التي بيده تارة.. وينظر إلى رجال الأمن تارة أخرى ببلاهة. كرّر الضابط أمره له بالانبطاح بلهجة أشدّ حزما. سرعان ما شدّ رجال الأمن وثاقه ووضعوا "الكلبشة" في معصميه قبل أن يجرجروه إلى سيارة الشرطة بقسوة تحت وابل من الشتائم والصفعات..

وما إن أُدخل على ضابط التحقيق، الذي كان في انتظاره، حتى صاح في وجهه بحنق:

أخيرا وقعت في الفخ أيها المجرم القذر. لقد دوختنا بحيلك يا صاحب الوجه القبيح!

وبعد إتمام إجراءات التحقيق معه وانتزاع اعترافات منه بالإكراه أحيل صابر إلى المحاكمة. وبعد جلسات من المداولة.. والاستماع إلى الادعاء.. وإلى شهادات الشهود، لم تجد عندئذ هيئة المحكمة غضاضة في الحكم عليه بالسجن المؤبد. دارت به الدنيا وكاد صابر يفقد صوابه وهو يستمع إلى منطوق الحكم. وما لبثت أن هاجمته الأحزان.. وأحاطت به الأشجان، من كل جانب إذ حركت تلك العقوبة القاسية، على جريمة لم يقترفها، ولم تكن له يد فيها، مواجعه وأججت نار القهر في فؤاده.

جعل يحدّث نفسه وهو في طريقه إلى الزنزانة بصحبة أحد الحراس: "سبحان الله! هذه باكورة المحن في بلاد الغربة، لقد خرجت لأبحث عن عمل، وإذ بي أجد نفسي في غياهب السجن بلا جرم ولا جريرة. على كل حال، لقد استوت عندي السجون ولا أجد كبير فرق بين سجن كبير مملوء بالوحوش ليس له جدران، وسجن صغير تحيط به الأسوار يغص بالسجناء. على الأقل في هذا السجن يوجد نظام، مهما كان نوعه، أما خارجه فقانون الغاب هو الذي يحكم علاقات البشر، وشريعة الحيتان هي التي تُطبق. وإلاّ مَنْ ذا الذي أطلق يد عصمان الملاح وأمثاله كي يعيثوا في الأرض فسادا بلا رادع ولا رقيب، ومن يا تُرى وراء هذا الظلم المنظم في بلادنا حيث لم يعد يطبق القانون فيها إلا على الضعفاء. عجبا لضابط التحقيق الفض الذي استشاط غيظا وقام من على كرسيه وصفعني على وجهي بكل حقد، حين ذكرت له أنّ السيد عصمان الملاح هو الذي أعطاني الحقيبة، وطلب مني تسليمها لرجل يُدعى رضا آغا في المحطة، ثم نهرني الضابط بقوة وهو يصيح بحنق:

كيف تجرؤ على اتهام الشرفاء أيها الوغد!".

أفاق صابر من تفكيره على صوت الحارس وهو يدفعه بعنف إلى داخل إحدى زنزانات العنبر رقم 7 قائلا:

هذا المكان الذي يليق بالمجرمين أمثالك أيها الرجل البشع!

أسند صابر ظهره إلى الباب، ولم يلبث أن صفعته رائحة العرق الكريهة والرطوبة المنبعثة من النزلاء على وجهه وأحسّ بالغثيان. طفق يتصفح الوجوه البائسة.. والنفوس اليائسة وهو يحدث نفسه بلوعة: "آه.. ما أشد وقع الظلم على النفس البشرية!! ولو يعلم الظالم حرقة ناره لمَا ظلم أحد أحدا خشية أن يقع عليه مثله أو يكون ضحية لظالم. وكما قيل: الأيام دُولٌ.. وكما تدين تُدان! لقد ذقت آلام الحرق وأوجاعه، وتجرعت كأس الفقدان ولوعته، واكتوى جسدي بالنار وسعيرها، وتشوّه وجهي بألسنة لهيبها، وفقدتُ عيني، ونضارة وجهي. وفتّتَ الحرمانُ كبدي وأذاقني ويلات الفراق. كنت أظن أن كأس الألم في قلبي قد نفد، ومَعِينَ دموعي قد نضب، ولم يعد في فؤادي قطرة من شعور.. أو ذرة من إحساس.. وكنت أحسب أنه لم يعد يؤلمني في هذه الحياة شيء بعد أن تكسرت نصال الآلام في قلبي على النصال، وتبلدت وسائل الإحساس في نفسي فلم يعد بها إحساس، وكنت أحسب أنني تحصنت ضد الحزن بالأحزان.. وعن الألم بالآلام. يا ويلتاه! إن لنار الحيف حرقة في القلب لا تدانيها حرقة إذ أنها أقسى ألما، وأشد مضاضة من مناوشة الرماح، وتقطيع الجسد بالسيوف"...

أفاق من تفكيره على صوت السجناء الذين ضجّوا حين رأوه واقفا يتأملهم ويتصفح وجوههم في صمت ووجوم.

تملكهم الرعب، بادئ ذي بدء، غير أنه لم يلبث أن قام أشقاهم وأسوأهم خلقا فقال متهكما:

أإنسان هذا يا تُرى أم شيطان؟!

ردّ عليه رجل آخر بسخرية:

بل هو مارد من جان!!

قال ثالث:

إنه يشبه "أحدب نوتردام" بل هو أشدّ قبحا منه!

وقال آخر:

إنه أجمل قبحا رأيته في حياتي. بل هو أقبح من القبح نفسه!!

ردّ الأول ساخرا:

يبدو أنه فرّ للتو من مدينة الشياطين!!

ثم علت قهقهاتهم وضحكاتهم...

بيد أن صابرا لم يعرهم انتباها ولم يكترث لسخريتهم.. ولم يعبأ لقولهم. عاد لنفسه ليحدثها: "هل سيكون هذا مثواي الأخير.. ويكون بذلك مآلي ومصيري بأن أقضي نحبي في السجن بين هؤلاء المجرمين ظلما وقهرا؟؟ وهل؟؟.. وهل...؟؟".

دنا منه نبيل، الذي أخذته به الشفقة، فربّت على كتفه، وقال هامسا في أذنه بلطف:

لا تبالِ بما يقولون.. غدا ستتعود على كلامهم، وهم بدورهم سيتعودون على منظرك.

ثم أفسح له مكانا ليجلس بجانبه.

ردّ صابر عليه ببرود:

لست مستاء منهم أو من كلامهم، ولا ألومهم! فجهل ملامةُ الجهلاء.. وسفه مؤاخذة السفهاء!!

أعجب نبيل بحكمته وحسن منطقه، فقال بدهشة:

أفهم من قولك إنك لست غاضبا من قولهم!

لا أبدا.

على فكرة، اسمي نبيل أجاويد، فما اسمك؟

صابر الحموي.

وما إن أوى نزلاء الزنزانة إلى مضاجعهم حتى اختلى صابر بنفسه وأخذ يناجي ربه. لم يذق غمضا في ليلته تلك إذ هجر الكرى جفنيه.. ونأى النوم بجانبه بعيدا عنه.. جعل يتقلب طوال الليل وهو يفكر في مآله ومستقبله على إيقاع أنغام الشخير والصفير الصادرة من حناجر المساجين. راح يرفرف بخياله خارج السجن وبعيدا عن السجناء ولم يلبث أن زاره طيف ابنه.

مضت تلك الليلة على مضض إذ كانت من أطول ليالي حياته حتى أنه ظن أن الصبح لن يُقبل أبدا.

وفي مساء اليوم التالي، ابتدره نبيل بلطف، حين رآه كئيبا، قائلا:

الحزن لن يغير من الأمر شيئا يا صابر!

إن وقع الظلم قاسٍ على القلب!

أعلم ذلك، ولكن علينا أن نعيش الواقع ونتعايش مع الظروف، ونرضى بالقدر.. وكما ترى ها قد غربت شمس يوم آخر، ومضى يوم من الأيام بحزنه وسروره. وهكذا ستكر مسبحة الزمن يا صديقي!

هزّ صابر رأسه موافقا وقال بأسى:

صدقت! وهكذا تنقضي أعمارنا.. وتنفرط آجالنا.

لا ريب أن تكون الأيام الأولى قاسية عليك، غير أنك ستتأقلم مع هذه الحياة وتصير الأيام متماثلة.

السجن المؤبد عقوبة قاسية وطويلة على رجل بريء!

هل لك أن تخبرني ما الذي جاء بك إلى السجن يا صابر؟

إنها قصة طويلة يا أخي.

ولكنني أرغب في سماعها. تسليتنا الوحيدة في السجن هو سماع قصص بعضنا بعضا، وبذلك نقتل الوقت.

راح صابر يروي قصته، ويحكي حكايته بلوعة. ولمّا أتى على آخرها فاضت عينا نبيل بالدمع. ثم هزّ رأسه وقال بأسى:

لقد عرفت الآن أنه ليس كل من في السجن بالضرورة يكون مذنبا أو مجرما، لأن غالبا ما يفلت المجرم الحقيقي من العقاب، ويدفع رجل بسيط بدله الثمن.

تنهد نبيل بعمق ثم راح يحكي قصته:

"بينما كنت عائدا ذات ليلة إلى البيت، حيث كنت في زيارة لوالدي الذي كان مريضا. كان ذلك قبل منتصف الليل بقليل برفقة زوجتي، التي كانت حاملا، إذ رأيت برميلا، يسدّ الطريق الضيق المظلم الذي لا تسلكه كثير من السيارات في مثل ذلك الوقت المتأخر. نزلت من سيارتي لأزيحه، فإذا برجلين يخرجان من خلف الأشجار ويهاجمانني بغتة. كان أحدهما يحمل مسدسا بيده. طلبا مني أن أعطيهما ما بحوزتي من مال. لم أتردد في إعطائهما محفظتي، وساعتي وخاتمي. وفي غضون ذلك انقض الرجل الآخر على زوجتي حين رآها تحاول استعمال هاتفها النقال. أمرها بالنزول من السيارة بعد أن خطف من يدها الهاتف وسحب منها حقيبة يدها عنوة...

تنهد نبيل بعمق قبل أن يستأنف القصّ:

... كنت أراقب المشهد المؤلم رافعا يدي للأعلى بيد أنه حين رأيت ذلك الوغد يمسك بذراع زوجتي بقسوة ويجرّها وهي تصرخ وتولول وتحاول أن تفلت من قبضته.. عندئذ غلى مرجل الغضب في رأسي وفقدت أعصابي ولم أتمالك نفسي، فانقضضت على صاحب المسدس بسرعة خاطفه، ولم أبال بالنتيجة ولم أفكر في العواقب. مسكت يده بقوة بغية نزع المسدس منه غير أنه أخذ يقاومني بكل ما أوتي من قوة. سرعان ما ترك الرجل الآخر زوجتي وهُرع نحونا كي يساعد رفيقه. غير أن صاحب المسدس ضغط على الزناد فجأة دون قصد، فطاشت رصاصة فأصابت رفيقه في مقتل وسكنت صدره. أسقط في يد صاحب المسدس لمّا رأى زميله يخرّ صريعا على الأرض يتخبط في دمائه. ترك المسدس في يدي وأطلق ساقيه للريح، لواذا بالفرار وهو لا يلوي على أحد ولا يلتفت لشيء. ألقيت المسدس بسرعة بين الأشجار. وحين وصلت الشرطة ووجدت بصماتي على المسدس قبضت علي ثم تمت إحالتي إلى المحاكمة بتهمة القتل غير العمد.

سكت نبيل برهة، ثم تنهد بعمق وأردف قائلا:

وللأسف.. حكم علي القاضي بالسجن لمدة عشرين عاما.

هزّ صابر رأسه حزنا وزم شفتيه ولم ينبس ببنت شفة.