الفصل الأول

10 0 00

الفصل الأول

المدينة الكتومة

نمشى على مهل نثري أحاسيسنا المبهمة، التي بعثرتها رحلتنا الشاقة من جنوب الصحراء، كنا أربعة حين ركبنا الصعاب بحثًا عن حلم يتراءى لنا و يختفي . عند مواجهتنا لتلك الأهوال في مجاهل الشمال الإفريقي، سقط رابعنا من على سطح القطار محاولًا الهرب من الشرطة، زلت قدماه و تبادلته العجلات ذات البأس الشديد ، لم نتبينه فتولى القطار عنه، وتولت الصحراء القاسية مراسم دفن جثته، كان بلوغ غايتنا غاب قوسين أو أدنى. وخلف هذا الحدث في دواخلنا حزنٌ مقيمٌ، لقد انتهت رحلته واندثر حلمه قبل أن يبدأ، القطار ينهب الأرض نهبا، لم يتوقف إلا عند بوابة المدينة، حيث تنتهي رحلته. وتبدأ أحلامنا...

من فوق بناية أثرية مطلة على الميناء، وقفنا ثلاثتنا كيلاني وماجوري وأنا جرهام ، نتأمل المحيط الأطلسي يعانق البحر المتوسط، فتمتزج ألوان المياه الزرقاء و الخضراء والبرتقالية الحمراء حين تدنف الشمس بجلالها البهي وتتوارى عند المضيق، الحد الفاصل بين الموت وشهوة الحياة. حيث ترقد المدينة الكتومة. ولجنا من بوابتها الواسعة، فتراءى لنا سوقها الكبير، يشرف على المسجد ذي المنارة المزينة بالفسيفساء متعددة الألوان. وحشود مختلفة من البشر، بسحنات مختلفة، يتدافعون بمناكبهم على عجل، كل في غايته، هناك البدويات بفوطهن الحمراء والبيضاء، والقبعات المزينة بألوان الثمار ورنين الأجراس النحاسية لسقاة بأرديتهم المزركشة،و مزيج من روائح التوابل وأريج الليمون والنعناع يفوح معطرا. البواخر المبحرة إلى الجنوب الأوروبي بعين الخيال نرسم حياتنا الجميلة التي تنتظرنا هناك، والمال الذي سوف نرسله للأهل الذين انقطعت أخبارهم عنا، ونحن في الزحف المقدس نحو العالم الحر المتمدن. مازالت المدينة الكتومة تحمل أسرار القادمين، وتحضن أجسادهم مختلفة الألوان ولغاتهم الغريبة المبهمة ولكنها لا تعلم مصيرهم وهم يسابقون أحلامهم ويخرجون من أبوابها الزرقاء العتيقة التي تقف شاهدا على خطواتهم المبعثرة نحو غاياتهم عصية المنال.

عندما عاد سكان الأكواخ المجهدون بثيابهم الممزقة، ووجوههم الكدرة إلى المخيم، كانت الشمس قد غربت وخبا ضوؤها، تسربلت الغابة بكساء الليل حالك السواد، انتصبت أشجارها كحراس غلاظ شداد، تسللنا نحو الغابة الملاذ، مسرعي الخطى، كانت الأشجار تعترضنا وتصدنا للخلف، ويفضح تكسرها مرورنا، تبدلت أصوات المدينة بأخرى، حفيف أوراق الشجر، نقيق الضفادع، وهسيس الحشرات، مكونة سيمفونية الغابة المرعبة، ظللنا نسرع الخطى ونختبئ منها وفيها، ونعود ونسرع نحو السياج، المحاط بحراسة مشددة.كنا نسرع الخطى وعند سماعنا خطراً يتهددنا نختبئ، كانت ماجوري التي هربت من بيت أمها لترافقنا في رحلتنا المجهولة، أكثرنا حرصا على نجاح ليلتنا هذه، فهي تريد العبور سريعا لترسل لأمها أخبارها، وهى تتذكر دجاجات أمها التي تخترق سياج بيوت الجيران المصنوعة من الأعواد الخشبية، وتُصدر ضجيجاً، وتلبّي نداء الطبيعة وتُفرغ حواصلها في كل مكان، في المراقد و أواني الطبخ المبعثرة على الأرض، مما جعل أمها في شجار دائم مع الجيران.

تذكرت ما تثيره أمها من دفاع عن دجاجاتها، إنها تريدها حرة طليقة غير محبوسة في قفص. كان تثري لحظتنا بمرحها الدائم وسخريتها في كل الأزمات. همست لنا :

ــ اليوم نحن مثل دجاج أمي نريد اختراق السياج.. وقبل أن تكمل همسها، تناهى إلى مسامعنا هرج ومرج، وخطوات ثقيلة الإيقاع تقترب، وأضواء جعلتنا نفر متفرقين في داخل الغابة لم نلتق بعدها مرة أخرى بماجوري ! ربما نجحت في اختراق السياج ..

عند عودتنا من الغابة لجأنا لأحد الأكواخ البالية المنتشرة في أطراف الغابة في مخيم المهاجرين ننتظر القادم، وقد تملكنا الخوف واليأس، بعد أن أوشكت نقودنا على النفاد، فأصبح إيجاد عمل ولو كان وضيعا خيراً من التسول في المدينة الكتومة، إذْ إن أهل المدينة يكرهون رؤيتنا نحن المهاجرين الأفارقة ذوي السحنات السوداء، حين نتجول بينهم ، يخشوننا ولا يتعاطفون معنا، في وعيهم الجمعيّ أننا مجرمون لذلك عشنا أوضاعا مذرية، كنت كل صباح أتجه نحو إحدى الأسواق الشعبية عبر حافلات النقل، وأعمل مساعدا في مطعم ، وأعود في المساء محملا بالخبز والخضروات، وما جادت به قمامة الأسواق.. نتحلق ورفقاء الضياع حول الطنجرة التي تتصاعد أبخرتها وتزكم أنوفنا فننتشي، ونسكت كلاب الجوع بالتهامنا الطعام، نتجاذب أطراف الحديث حتى مطلع الفجر، حيث تفضح الشمس بأشعتها ستر الليل، ويأتي الصباح بضجيجه.

ينصب كيلاني رفيق الضياع مظلة تقيه الشمس الحارقة، ويجلس وسط تل من الأحذية البالية التي عبرت الفيافي والحقائب الممزقة من الترحال، ويشرع في ترميمها حتى المساء يجمع بعض النقود لتعينه في محاولته القادمة للعبور، بقوارب منظمي رحلاتها الذين يطلبون المبلغ كاملا غير منقوص . بالرغم من صعوبة جني المال فقد نجح كيلاني في جمعه، وحان وقت رحيله.

عندما مال قرص الشمس للمغيب. وارتحل الصيادون والمصطافون ونكست السنارات والشباك، ركب كيلاني القارب المحمل بعدد من المهاجرين يفوق سعته مرة ونصفاً، ثم استدار واختفى، ومازال الزبد الأبيض يصطدم برمال الساحل، ويبعثر الأصداف المختبئة في أحضانها الدافئة، والموج المكفهر في الظلام معربدا خلف القارب، قفلت راجعا وأسراب النوارس تضرب بإيقاعاتها المتكررة صفحة المياه، كأنها تريد أن تقول شيئا تشاركني به وحدتي وضياعي . التفتُّ إلى الساحل ونظرت متأملا تلك الظلمة المنتشرة على سطح المياه، عسى أن أرى وجه صديقي على صفحتها، رفعت يدي ملوحا للنوارس أناجيها :

ـ أيتها النوارس ، نحن متشابهون كل يوم تشرق علينا شمس، وتغرب من آفاقنا نجوم.

تابعت سيرى متثاقل الخطى إلى حيث الكوخ، ألقيت جسدي المنهك مسرعا فوق حصيرتي التي افترشها أنشد الراحة لأعضاء جسدي الذي أنهكه الترحال، أرخيت جفوني المثقلة بالكوابيس، التحفت أحزاني المتشابكة، وتوسدت دموعي،عندئذ تبدأ الرحلة في رأسي تستحث ذاكرتي مجددة الأحداث التي مرت بي منذ قدومي،حين أصبحت وحيدا وفقدت هويتي بعد أن تعرض لهجوم بالسكين ونجوت، ولكن سلبني المنحرفين ما كان بحوزتي من مال، وضاع جواز سفري وألقوا بي قرب الساحل، عند محاولتي الثالثة للعبور، لم استطع إبلاغ الشرطة لعدم حيازتي أوراق الهوية، يكفي أن أكون أسود لتقبض علي شرطة. لا حقوق للسود في المدينة الكتومة، فلوني في حد ذاته تهمة وكراهيتهم للأفارقة أمر قديم يجري في عروقهم مجرى الدم، نشعر نحن المهاجرين الأفارقة أننا ضحايا للسكان المحليين وفي المقابل هم يشعرون بالخوف والتوجس، إن انعدام التواصل بيننا عميق جدا وصرت خائفا طوال الوقت من أن أصبح رقما في دفاتر الشرطة.

عند انتهاء أعمال البدن،تئن الأكواخ البئيسة، وترسل همهمات وشخير من هم في أحشائها من المهاجرين، ورفاق الضياع. و تنبعث الروائح النتنة من حولها من مكبات القمامة، والأوساخ المنتشرة من مخلفات المهاجرين.في تلك الليلة كان اليأس قد بلغ بي آخره فصرت أرقا، عندما غشيتني سِنة من النوم، سمعت صوتا يهمس في أذني :

انهض يا بن إفريقيا وأرحل من هذا المكان فقد طال المقام فيه، عد إلى افريقيا أرضك السمراء، أرض أجدادك منذ متى لم تشتم عبير التداني؟ نهض نهض .. ويزداد الصوت قوة، انتفضت فزعا وقررت العودة من حيث أتيت.

جاهدت للخروج من المخيم سيرا على الأقدام، بين الأشجار، وعبرت المجاري الضيقة حتى وصلت للطريق العام، أجتهد في إيجاد سيارة أجرة تقلني إلى محطة القطار، انتظرت طويلا ،كانوا غير متحمسين للتحدث معي .وترن فى أذني كل تلك العبارات المسيئة التي كنت أسمعها في أثناء وجودي بينهم في سوق المدينة بحثا عن عمل، حسم صوت التردد في داخلي . عندما كنت جالسا مع صديقي كيلاني ننتظر السمسار في المطعم المكتظ بالرواد صاح بائع العصير متهكما:

ــ انتبهوا قد يأكلونكم .. أولئك السود !

مشيراً بسبابته نحونا..

صاح أحدهم:

ــ ماذا يفعلون؟!

ـ نعم حقا بإمكانهم فعل أي شيء !

كنت أتميز من الغيظ ولو كان المكان غير المكان لما رأى هذا العنصريّ شروقا جديدا..

قطار العودة ينهب الأرض على عجل نحو البلدة الحدودية ، ويتوغل فى الصحراء، أختلس النظر متابعا المتاهات، وشريط الذكريات يمر من أمامي، حياة المخيم البئيسة والأطفال الذين يركضون خارج الغابة إلى الطريق العام، حيث المحسنون الذين يمدونهم بالخبز والفواكه وبعض المال، أناس من ذات المدينة الكتومة يحسون معاناتنا، ونعمل معهم في متاجرهم تقتصر علاقتنا بهم على التحية والسلام، لا يريدون كسب صديق أفريقي أسود، يعاملنا بعضهم معاملة حسنة وبعضهم الآخر بشكل سيّئ، ولكن الجميع يدفعون قليلا. غفوت فانقطع شريط ذكرياتي نظرت متفرسا في الوجوه حولي علني أرى في قسماتهم وجوه من رحلوا من رفاقي .أفرغت سر العودة الطوعية إلى وطني لمنظمة تعنى بشأن الأفارقة في المدينة الحدودية . فيسروا لي طريق العودة على متن الشاحنات، لقد كانوا كريمين معي عاطفيا وماديا. وغادرت. ونبذت ذلك الحلم الذي دمّرني و جعلني نكرة بعد أن كنت معتدا بذاتي !

أيقظني الهرج والمرج وضجيج الحياة في الغرب الإفريقي. اختلفت الألوان واللهجات، وجدت نفسي الضائعة، وهرولت نحو العربة التي ستقلني إلى بلدتي، تغيرت الروائح وسحنات البشر ولاحت المباني المبنية من القش، والأعواد متراصة في أمان تظللها الأشجار الضخمة صاح أحدهم مندفعا نحوي :

ـ واه .. واه جراهام متى عدت..؟!

ألقى بجسده العاري على صدري الممزق، وضمني إليه بقوة الأشواق التي تخرج وتلفنا، دمعة سخينة طفرت من مقلتيه جاهد في إخفائهـــــا عني وما استطاع ، فهرول يسابق الريح ليخبر أهلي. لأول مرة أسمع اسمي، كان ينادونني أفركانو ، نكرو.. .كدت أنسى اسمي لم ينادني به أحد منذ رحيل رفاقي، أحسست أني إنسان كائن ، قد تلاشــــــت غربتي التي كانت تسيطر على كياني، وراح معها خوفي الدائمُ من المجهول.

أشرقت شمس هذا اليوم وأنا وسط أهلي أعرف أسماءهم، أبناء جلدتي، لوني ولهجتي، كانت حروف اللهجة تشجيني، كدت أشم كل حرف نزع رداء القهر عني .

جلست على العشب الأخضر مع أبي ارتشف شايا من الأعشاب، أبي الذي قضى عمره متنقلا، يحمل شعلة التعليم في وطني، صابرا قانعا بدوره،نظر إليّ مليا ولم يعاتبني على فراري وتركي مقاعد الدراسة فقط ناولني صورة أكادينو في جامعة أوروبية قائلا :

ــ لقد كنت أولهم ولكنه سبقك نحو الغرب وحقق حلمه هو نظر إلى زرقة السماء محلقا، وأنت نظرت لزرقة البحار الغادرة أمواجها. الغرب يا بنيّ يفتح أبوابه للعلم يريد علماء، ولا يريد متسولين ،عليك اللحاق به إن شئت..

وضع يده على كتفي وهزني برفق ثم أردف:

ـــ يا بنيّ ، الإنسان يجد نفسه في المكان الذي يضعها فيه، فتخير لنفسك مكانا يحفظ كرامتك.

ارتشف أبي الشاي دفعة واحدة ووضع الكوب بقوة على الأرض مُحدثاً صوتا كأنه يريد دفعي لفهم عباراته.

حملت دفاتري، ومشيت مستقيم الخطى في ذلك الوادي المتعرج متسلقا الربوة، تداعب شجيرات الطريق المنتشرة جسدي و يلفحني نسيم عليل، من مطر أسقط رذاذه على وجهي ليغسل آلامي، رائحة الأرض المكسوة بالخضرة قد أزالت روائح المدينة الكتومة من توابل ونعناع وحيثما التفت أجد أبناء جلدتي، شعرت بالانتماء وزالت تلك المخاوف المبهمة، لاح باب معهدي الذي تركت مقاعده فارّا إلى المجهول، نظرت إلى زرقة السماء المتشحة بسحاب أبيض منتشر على صفحتها كحملان ترعى في واد خصيب ثم تقدمت بخطواتي الثابتة ودلفت.