الفصل الرابع

9 0 00

الفصل الرابع

درب المطايا

كان يجلس على سجادة صلاة مصنوعة من جلد الحيوان يقرأ القرآن بعد صلاة المغرب. رفع رأسه و سألني :

ـ أراك مهموما !

ــ نعم يا أبي ، لقد تخرجت منذ وقت طويل والحياة تضيق بي يوما بعد يوم !

ــ لا تقل هذا يا بنيّ ، إنّ الله لا يضيع أجرمن أحسن عمله ، وأنت تفوقت ونصيبك سيأتي عليك بالخير إن شاء الله .

ــــــ لقد صبرتُ طويلاً، والأعوام تمر ولا انفراج !إنّي شعر باختناق حقا!

ـ ما الذي جعلك تقول ذلك ؟

ـ أخجل يا أبي عندما أدخل البيتَ وأراك مجهداً ، وإخوتي الستة ينتظرون.. أريد الهجرة .

ــ الهجرة ؟ إننا لا نملك المال !

ــ سأهاجر سراً مع أصدقائي إلى أوروبا..و

ــ إنه طريق محفوف بالمخاطر لقد فقد شبابٌ كثر، ولم يدر أهلهم أين هم الآن !

ـ أطلب عفوك ورضاك عني ، لكي يُسهلَ اللهُ أمري..

ـ اذهب يا بني، في رعاية الله.. ولا أريد أن يضيع عمرك في هذا البلد الظالم ، توكل على الله.. على بركة الله ..

كان أبي رجلا مخلصا في عمله محبوبا من جيرانه، هو إمام مسجد الحيّ الفقير الذي يسكنه عمال السكك الحديديّة الذين غضبت عليهم حكومة المركز عندما قاموا بإشعال غضب الشارع بعد أن طفح الكيل بالبؤس والفقر فيه. لقد بنيت الأبراج والمنازل الحلم من أموال المشاريع، و أصبح الشعب طبقتين: الغنية التي تتوسد مخدات الطرب والفقيرة التي احتسبت عند الله حقها في حياة سهلة كريمة !

بعد تلك الليلة حامية الوطيس التي انتصر فيها العسس؛ أطاحت الحكومة بأحلام المتظاهرين، وأحكمت قبضتها الحديدية، فأودِعَ الشباب الثائر السجون و الباقي ينتظر! كانت طبقة عمال السكك الحديدية تُعرَفُ بحبّها للعمل، وبثقافة أفرادها رغم تعليمهم المحدود ؛ فقد كانوا يدركون حقوقهم جيّداً . لقد شغل أبي منصب رئيس نقابة العمال دورتين متتاليتين،و كان السجن من نصيبه كلما همهم العمالُ محتجين على بذخ الحكومة على الصفوة من موظفيها!

انتشر الفساد ، وهمشت الحكومة هذه الطبقة الفقيرة الثائرة، ورزح أبي تحت نير الفقر، ولكنه لم يفقد إيمانه يوماً، كان يعمل ليلا نهارا ليوفر لنا العيش الكريم . انحنيتُ مقبلا رأسه، وودعته في تلك الليلة التي خفت ضوؤها .

لقد ذرفت أمي الدمع الغزير في ذلك المساء الذي خطوتُ فيه متجها نحو الشمال الغربي حاملاً ما خفّ من متاع. دست في يدي خاتمها الذهبي العزيز عليها الذي أهداها إيّاه أبي ليلة زواجه ، وقليلاً من النقود كانت قد جمعتها من عملها اليدوي. وكان إخوتي حين ودّعتُهم بين بين فرح بسفري، حزين لفراقي !

تجمعنا في نقطة ثم انطلقنا منها على ظهور الإبل، ومعنا المرشد ابن الصحراء طويل القامة ضامرها. كانت تبدو على وجهه المعرورق الصرامة ، وتلك الخطوط الدقيقة التي تصطف على جنبات عينيه جعلت ملامحه قاسية، أمّا لونه فقد أحالته الشمس فأصبح شديد السواد سوف يصحبنا عبر الفيافي الكبرى، نحن الرفاق : يونس و إبراهيم وآدم والطاهر، وأنا " رشيد " .

بدأ زحفنا والمطايا تسرع الخطى بأخفافها كأنها لا تلامس الأرض وحين بزغ القمر أضاء ليلتنا.. على امتداد البصر كانت الصحراء تبدو وكأنها لانهاية لها! وثمّة شجيرات تتراءى لنا و تختفي، هي الوحيدة التي تشاركنا الوجود في هذه البيئة القاحلة ...

كان المرشد يتقدمنا والركب خلفه، وكنتُ حين يغشاني النعاس يسقط رأسي على صدري وأنا ممسك بغردة الجمل، ويتمايل جسدي حيث تميل خطواته المنتظمة المسرعة، وقد لفنا الصمت جميعا، في هدأة الليل وسُجوّ الصحراء لا وجود لأحياء على طول مسيرنا!السماء قد ارتدت حلتها السوداء، المرصعة بالنجيمات المتلألئة. تشهب ثم تختفي وكأنها يُداعب بعضُها بَعضَها الآخر ! كانت ليلتنا الأولى في الصحراء تبعث على الأمل؛ إذ كنا نمضي خلف المرشد بثقة مَنْ أسلم قيادة للذي يخشى عليه وعثاء الطريق !

في الصباح الباكر،أناخ المرشد المطايا، وجلسنا نتناول الطعام ونستريح قرب تلة صخرية انغرست في الصحراء وحفتها الرمال من كل جانب ، كأنها تخشى فرارها! قضينا قيلولتنا نستظل بخيمتنا التي نصبناها قرب التلة، حيث حرارة الشمس اللاهبة تحد من سيرنا نهارا. كان يحدثنا المرشد عن أهوال ما رأى في هذه الفلوات الممتدة، جثث لأناس ضلوا الطريق،وآخرون تعطلت شاحناتهم ونفدَ زادهم هاجمهم الموت والتهمتهم الطيور الجارحة!لم تفارق مخيلته تلك الأم التي وجدت مغروسة في الرمال كأنها زرعت بيد بستاني ماهر وهي تحضن طفلها وقد بدأ الكرب على محياها!ظل يثرثر المرشد حتى آذنت شمس المغيب!

الصحراء مخيفة بأسرارها المدفونة في أحشائها ولا تبوح بها، ويبدو على سطحها الهدوء ...حضارات سادت، وممالك بادت، و جيوش عبرت وأحلام وئدت.. لاحت لنا في الأفق البعيد حيث ترخى السماء أطرافها تلثم الأرض أطياف مدلهمة تشبه البيوت، عندها كنا قد وصلنا نهاية الرحلة على ظهور الإبل، فودعنا المرشد وتركنا نسير خلف باتجاه ما نرى، كنا نحسبه مكانا قريبا،وسنجد فيه الشاحنات التي ستقلنا إلى حدود المدينة الكتومة.. ولكن كنا كلما تقدمنا ابتعدت الأطياف، وقد اختفى مرشدنا بمطاياه خلف غبار الكثبان الرملية!

حرنا في أمرنا، وتملكنا الخوف من وحشة الصحراء !!

لقد مرت أيام ونحن ندور في محيط واحد ، تشرق الشمس وتغرب ثم تشرق وتغرب .. فقدنا طريقنا، نفد منا الطعام والماء،وهنت أجسادنا، بلغ بنا الجوع مبلغا لم نستطع معه التحرك بعد أن نفدت الطاقة من أجسادنا! فجلسنا تحت شجرة يابسة نستظل ببؤسها!

إبراهيم لجوجا لم يحتمل ما آلت إليه أحوالنا، و أصر إصرارا شديدا على متابعة سيره حتى يبلغ هدفه أو يهلك دونه، ولكنه لن ينتظر الموت اللئيم جالسا هنا مستسلما !تحرك ليلا متوغلا في الصحراء فلحق به يونس واختفت آثارهما معاً ! بقينا ثلاثة ننتظر القادم عبر ممرات الأيام !كانت الأفاعي تمر بنا و لا تقترب منا كلما أرخى الليل غطاءه الحالك، وترسل فحيحها الذي يشق سكون الليل كأنها تلقي علينا السلام !وكانت الشجيرات الجافة تُصارع الرياح عند مرورها العنيف، وبالرغم من ثبات جذورها عميقا في أحشاء الرمال إلاّ أنّ قوة الرياح الضاربة كانت تقتلعها !

صوت عاصفة الصحراء الذي يُشبه زئير أسد جائع، قد جعل أوصالي تهتز! ..صمتتنا نحن الثلاثة ، وأغلقنا دواخلنا، كل كان يفكر فيما ينتظرنا من صراع في وحشة الصحراء ! هل سنشارك الهياكل العظمية المطمورة لأناس طواهم النسيان ، وحيوانات نافقة صارعت من أجل البقاء ؟!

في تقلبات الصحو وفقدان الوعي كنت أسمع أنينا وزئيرا وصراخا..ثم تلاشيتُ ! شعرت برذاذ من الماء يسقط فوق وجهي أعادني إلى صحوي، ثم بقطرات من الماء داخل فمي دبت الحياة في جسدي . استعدتُ نظري ، رأيتُ الرفاق يتوسدون الأرض وقد دفنت الرمال بعضَ أجسادهم ، رأيتُ قربنا أناساً غرباءَ يتحدثون ويهرولون هنا وهناك لكن وعي لم يسعفني كثيرا لأدرك ما حولي !

بعد أنْ قطعت بنا الشاحنة شوطاً في الفيافي ؛ تلفتّ فلم أجد رفاقي ! سألت أحد الجالسين قربي عنهم فقال بصوت حزين متقطع :

ــ لقد ماتوا جميعاً .. قبرناهم هناك !

لقد وقع هذا الخبر على نفسي وقوع الصاعقة، فأحسست بشلل يسرى في جسدي !

لقد اعتنى بي كثيرا ركاب الشاحنة، ولم يترددوا في توصيلي إلى حدود وجهتي دون مقابل .

تقيأتني شاحنتهم هنا في هذه البلدة التي مكثتُ فيها ستة أشهر أمارس الأعمال الشاقة بعيدا عن الأنظار! كانت البلدة أقل أمانا و ما كان بقائي فيها على قيد الحياة إلاّ معجزة ! تسللت داخل المدينة الكتومة ليلا .. سرت على غير هدى وأصوات رفاقي مازالت ترن في أذني ، وخيالهم ما زال ماثلا أمامي !

نصحني أحد السابلة - وكنتُ التقيته في أثناء جلوسي بمقهى فقير قذر في طرف المدينة- بالانضمام إلى مخيم السيركو في بداية الرحلة المجهولة حيث يرقد الحلم!كانت الطريق التي تؤدي إلي المخيم قد اكتست لونا رماديا قذرا، وتراءت الأكواخ التي سادها البؤس والفقر وقد أحيطت بمياه السيول المتدفقة من أعلى الجبل. لقد صبغت الشمس جدرانها الخشبية وغشيها الغبار ، أما سكانها من المهاجرين؛فإنّي لم أرَ فى الكون حزنا وغما مثل الذي كان يكسو وجوههم !

مكثت بينهم انتظر ، كنت أفكر في رفقة الصحراء : إبراهيم ويونس هل ضلوا طريقهم أم قبرتهم الصحراء مثل الآخرين؟! لم يطل بي المقام حتى فوجئتُ بإبراهيم يدخل المخيم وقد تغيرت ملامحه، وصار نحيفا يبدو على سيماه القلق والكدر !

ذهبنا إلى مطعم صغير في طرف المدينة، و حكى لي هناك عن هول مسيرته مع يونس ! وصار الحديث يتدفق من فمه كأنه لم يتحدث منذ زمن :

" عندما افترقنا لاحت لي في الأفق البعيد مجموعة شاحنات تصطف في محطة بترول،أسرعنا الخطى نحوها وعند وصولنا انهرنا انهيارا تاما! فاعتنى بنا وعالجنا العاملون هناك !.. كان يونس قد فقد الأمل في الهجرة، وبقى يعمل في المحطة . ذات ليلة شتوية هبت علينا عاصفة رملية كادت تقتلعنا من أرضنا ! لقد كرهت الصحراء إنها قاسية لا ترحم... لم استطع البقاء .. دفعت مبلغا من المال لسائق إحدى الشاحنات فأوصلني إلى الحدود وولجت إلى المدينة.. في أثناء تجوالي حدث انفجار في فندق كنت أمر بقربه، وكانت يد الشرطة أقرب من فراري ! وأودعت حراسة الانتظار مع بقية المتهمين من مواطني البلد. ثم أطلق سراحهم جميعا إلا أنا ! لم تسعفني اللغة في الدفاع عن نفسي، و لم أكن أملك أوراقا ثبوتية ولا هوية حتّى ! ولا أعرف أحداً فمكثت شهرا كاملا في السجن !

جاءت الشرطة ليلا وقادتني إلى حيث وجدت عربة مليئة بالمبعدين من الأفارقة . كان معنا نسوة وأطفال وضجيج يصم الآذان : نواح النسوة وصياح الأطفال وغضب الرجال ! أقترب مني مَنْ يشبهني في سحنته وأخرجني من سجن اللغة ، وأخبرني أننا في الطريق إلى الحدود حيث سيُدفع بنا للصحراء !انزويت فى ركن قصي في الشاحنة كانت الرحلة شاقة، وكنت أشعر بألم دفين يعتصرني ، ذ إنّي سأعاد إلى حيث بدأت ! عندما أوشك الفجر على الانبلاج قذفت السيارات المهاجرين من جوفها وتقيأت الأطفال الذين كانوا يبكون ويصرخون من الجوع، مع أمهات صغيرات تعرضن للاغتصاب مرارا على أيدي بني جلدتهن أو أيدي مواطني البلدة الذين قضوا أوطارهم و غادروهن باذرين في الأرحام أجنة تشهد على مسار المحنة الطويل !

هبطنا لا ندري إلى أين نذهب ! اقتربت من شرطي بدا لي طيبا وأنا في قرارة نفسي أعلم أنه ليس بطيب ! وأخبرته أن نقودي هناك حيث تم القبض علي وجردت من كل ما أملك وحبست،و.. قاطعني ضجرا مشيرا إلى الصحراء :

ـ من هنا الطريق إلى وطنك.. أرحل !

قضينا يومنا في مخيم مهترئ، و أفراد المنظمات يروحون ويجيئون يساعدون المهاجرين في العودة إلى ديارهم . وتحت جناح الليل جاء أحدهم وبيده الطولى أخرجني من حيرتي ، ونصحني ألاّ أبقى في المدينة، ثم دلني على مخيم المهاجرين الذين يتسللون منه للفرار والهروب بالقوارب..

لقد وصلت ليلة أمس.. لم أتوقع أن أراك مرة أخرى ..لقد آلم نفسي وفاة رفاق درب المطايا الطاهر وآدم .. يا لهم من تعساء،ماتوا بالطريقة التي كانوا يخشونها ! " .

طلبنا من النادل أن يأتي لنا بطعام رخيص من مرق أرجل الدجاج لنسكت عواء بطوننا الجائعة !

ثرثرنا حول ما آلت إليه أحوالنا و نحن نلتفت يمينا ويسارا، إذْ إنّ وجودنا سويا خطرٌ علينا، وإذا ما قبض علينا فإنّه لن تمر الأمور بخير ولبثنا في انتظار السمسار الذي يأتي إلى هنا من وقت لآخر، باحثا عن زبائن لتنسيق الهروب..