عشتار في وجه القذيفة
طارق البوغديري و سندس الشاوي
عشتار في وجه القذيفة
رواية
تقديم: الأستاذ زهير العلوي
مقدّمة
عندما تحاور الرّؤية الشعريّة بخلفيّة الفنّ التشكيليّ ذاكرةَ امرأة تنزف حنينا و وجعا لا شكّ أنّ المولود سيكون له قيمة فنيّة محترمة, و حينما يعجز مجهر التّاريخ عن التقاط تفاصيلَ زفرات الذّوات الإنسانيّة المنسيّة تصبح الكتابة الروائيّة مسرحا لتأصيل الذّات و للاحتفاء بالحميميّ المهمّش, هكذا تبدو رواية " عشتار في وجه القذيفة " حفرا أركولوجيّا في الذّاكرة النّازفة, حيث تُشغّل عشتار شريط الذّكريات في جوّ جنائزيّ يلفّه الحدادُ لتنقل لنا سيرة جماعيّة لعائلة الشّيخ أحمد عبد الغنيّ الشاوي, تلك العائلة الّتي أضحت تشبه غجر التّاريخ بعدما كانت تنعم بطمأنينة الاستقرار في العراق, و لا ذنب لها سوى أنّها تربطها صلة قرابة بصدّام حسين.
ثمّ و نحن نحاول تقصّي البنية الفنيّة للرّواية تشدّ انتباهنا عناوين الفصول " جمرة الموت داخل الموت " و " جمرة الاغتراب " و " جمرة الحياة بعد جرعة الموت ", و هي جمرات حارقة في نفسيّة البطلة, و هي أيضا جمرات ثلاثة بيد الكاتب لرجم شيطان الذّاكرة الموسوس بوسوسة الألم و اليأس, كما أنّه و نحن نباشر القراءة يهزمنا في كلّ مرّة أفق الانتظار فالأزمنة و التّواريخ لا حصر لها, فيراودنا الشكّ أحيانا أنّنا نتصفّح أرشيفا وطنيّا لا رواية, لكنّ لذّة القراءة تجعلنا نعود لتمثّل الأساليب الفنيّة الروائيّة, فالأمكنة قد لاحت على شكل رسوماتٍ و خرائطَ من فرط دقّة الوصف سواء للأماكن المغلقة أو المفتوحة في العراق و عبر الحدود و في أغلب البلدان العربيّة ممّا يذكرنا بأدب الرّحلة قديما, فعشتار بطلة الرّواية لا تستحضر الأمكنة عبثا لمجرّد تعديدها و انّما لرمزيّة بعدها الحميميّ في حياتها النفسيّة, فتحوّل الأماكن الّتي مرّت بها الى " ألبوم صور تخبّئه في ذاكرتها خوفا عليه من المجهول ".
و ما يشدّ الانتباه أيضا في هذه الرّواية هو الكثافة المفرطة لحضور شخصيّاتٍ من جميع شرائحَ المجتمع العربيّ, و هذه الشّخصيات يقع استدعاءها نظرا لارتباطها ببطلة الرّواية الّتي تنقل لنا سيرتها في علاقتها بالآخر بما تحمله لفظة الآخر من تعدّد و تجدّد لا نهائيّ خاصّة و أنّه باستثناء شخصيّتي بشر الحافي و محمّد الماغوط اللّذين وقع استحضارهما مجازيّا فإنّ بقيّة الشّخصيات واقعيّةٌ حتّى و إن حضر بعضها بأسماء مستعارة, أمّا الأحداث فيستدعيها ذلك التّداعي الحرّ الّذي تستسلم له عشتار لحظة التذكّر إسترجاعا و إستطرادا لانارة دروب الرّواية.
فلتّخفيف من حزنها الآنيّ تتذكّر عشتار الماضي المحفوف بايقاع السّعادة و الألفة و الاستقرار في العراق و تنقل لنا لحظات الغزو الامريكيّ و أثرَها المدمّرَ مادّيا و معنويّا على العراقيين و على عائلتها بشكل خاصّ, لتنقل لنا في الأخير أحداث رحلتها الّتي لم تنته داخل الأقطار العربيّة بما تحمله تلك الرّحلة من عطش أبديّ الى استعادة عبق العراق و لو مجازيّا.
لذلك فلهذه الرّواية أبعاد رمزيّة أهمّها رمزيّة العراق الوطن الممتدّ جغرافيّا في الواقع و ذهنيّا في ذاكرة عشتار, الوطن الّذي تحوّل من جنّة أرضيّة إلى صحراء تنعق فيها غربان البيْن و الرّدى, فنجد عشتار و كأنّها تعاتب كلّ من تواطأ ضدّ العراق, لأنّها لا تصف قبل الغزو إلاّ الأماكن الجميلة, و لا تستدعي إلاّ الشخصياتِ الكادحة و المطمئنّة و الّتي لا جامع بينها غير حبّ الوطن, أمّا بعد الغزو فقد تحوّلت حياة العراقيين إلى كابوس, فلقد أصبح الميّت لا يُكرَم بالدّفن و إنّما تأكله الكلاب في الشّوارع باسم الديمقراطيّة المستوردة.
فما يمكن قوله باختصار هو أنّ هذه الرّواية تتنزّل في جزء كبير منها في أدب المقاومة, المقاومة الّتي لم تعد حكرا على المواطن العراقيّ بل هي المقاومة الفكريّة و الحضاريّة, فكل ذرّة من تراب الوطن و كلّ حجر و شجر انخرط في هذه المقاومة حتّى صار " النّخيل حارسا أبديّا للحدود ", و مات كلب الشّيخ أحمد الشّاوي دفاعا عن صاحبه لحظة اعتقاله.
كما أنّ رحلة عشتار خارج العراق عكست مدى رمزيّة القائد صدّام حسين في الذّاكرة الجماعيّة في العالم العربيّ, فكلّ من يتعرّف عن صلتها به يقدّم لها المساعدة, ممّا عكس لنا صورة القائد البطل لا صورة الدكتاتور كما يصفه البعض.
و رغم رحلة المعاناة و العذاب الّتي مرّت بها عشتار فإنّ إستدعاء شخصيّة بشر الحافي كانت بمثابة ذلك الأمل المنبعث من موكب العدم و المُؤجِّل للهزيمة الحتميّة الّتي كشف عن أسبابها حضور الماغوط كذات شاعرة في نهاية الرّواية, لتنتهي الرّواية كما بدأت بفعل الكتابة, و كأنّها شهادة عن التّاريخ في وجه التّاريخ.
فعموما تتنزّل هذه الرّواية في صلب تجربة الرّواية الفنيّة الّتي تحترم التّجربة الذاتيّة و الحسَّ الفرديّ, و لا تحتفي بالمطلق و المجرّد, و إنّما تؤسّس لكتابة تناصيّة قائمة على التأثير و التأثّر الّذي يتجلّى في انفتاح الرّواية على التاريخيّ و الجغرافيّ و السياسيّ و الاقتصاديّ و الاجتماعيّ و الذاتيّ و النفسيّ و الشعريّ, إنّها نصّ مفتوح بكلّ المقاييس.
زهيّر العلوي
" ميّتٌ من يجتنب الشّغف, ولا يُجازف باليَقِين في سَبِيل اللاّيقين من أجل أن يُطارد احدى أحلامه ".
بابلو نيرودا
الفصل الأوّل
جمرة الموت داخل الموت