(3)
رفعت عشتار قلمها قليلا, و تزاحمت الأفكار و الصور و الألوان و الروائح داخلها عندما تذكّرت بيتهم " بالحارثيّة ", و جاءت صورة والدها نصب عينيْها, فنزعت نظّاراتها الطبيّة, ثمّ وضعتها بتشنّج قرب كأس القهوة فوق طاولة أمامها , و كفكفت دمعا سقط من عينيها يبلّل اللّحظة الجافّة, ثمّ تنفّست بعمق, و همّت بمواصلة الكتابة:
... في تلك الفترة كان أفراد العائلة ينعمون بالقرب بعضهم من بعض, تجمعهم المسرّاتُ و الأحزانُ, و كان عليّ بن الشيخ أحمد بعد أن تخرّج في جامعة " بغداد " في اختصاص العلوم السياسيّة ربّانَ السفينة بالنسبة للعائلة, فهو الذي يُسيّر أمور الشركـاتِ التي يملكها هو و والده كمعامل الغاز و شركـة للأوراق الماليّة, و بشخصيّته المميزة كان مهابا بين أفراد أسرته, فلا تحلو مسارّاتُهم إلا بوجوده, فهو حريص على سلامة إخوته, و لم يتأخّر يوما عن قضاء حاجاتهم, و له علاقة مميّزة بأخته عشتار.
كان عليّ يحسّ بمشـــاعر الأبوّة تجـاه تلك الفتاة ذات الوجه الطفوليّ و البشرة القمحية التي تزيدها جمالا, و يحبّ روحها الغنيّة مثل بيدر من السّنابل يستقرّ فيه الطير مطمئنا يغنّي للحياة.
فعشتار كــانت تزاول التدريس في مدرسة " الطّـالبات المميّزات بالمنصور", و بكثير من تواضع أهل العشائر و بالتّفاني في العمل أصبحت مبجّلة بين إطارات المدرسة, و قد رشّحها زملاؤها كقدوة لا لعلاقتها العائليّة بصدّام فهي لم تكن بعثيّة رغم أنّ كلّ الإطار العامل في المدرسة ينتمون إلى " البعث ", فهي بدأت في الثمانينات مؤيّدة للحزب و صارت نصيرة له في مرحلة دراستها بالجامعة ثم بعد حرب الخليج الأولى تركت " البعث " نهائيّا, و حافظت على استقلاليتها, و قد كانت تقول دوما لخالها أنّها مستقلّة سياسيّا, فكان يجيبها مبتسما :" إنّ كلّ مواطن صالح بعثيّ حتى و إن لم يكن له انتماء للبعث ", و كان أيضا عليّ ينصحها بعدم السقوط في مستنقع السّياسة.
و رئيستها في العمل سميرة الشيخلي, هي امرأة طاعنة في السنّ قويّة الشخصيّة متفانيّة في العمل, تقدّر عشتار حقّ قدرها, لذلك منحتها أدوارَ تدريس مادّة العلوم للصفّ الأوّل المتوسّط و مادّة الصحّة للصفّ الخامس إعداديّ, و منحتها الإشراف على المكتبة كأمينة لها و منحتها أيضا عضويّةَ اللّجنة الماليّة و رئاسةَ الأنشطة الثقافيّة و الترفيهيّة, و قد كانت عشتار تحترم الجميع و تعطي لكلّ ذي قدر قدره, و تحبّ المدرسة كهيكل مبنيّ على رصيف الرّوح, تُجلّلُ جدرانَها و أبوابَها و نوافذَها و كلَّ كوّة فيها بمشاعرَ الحبّ, فهي تنظّف المكتبة, و تحظّر ديكورات الاحتفالات بنفسها, و تشرف على باصات الرحلات.