ـ 4 ـ
تنبهت على صرير الباب الخارجى . ترامى وقع الأقدام على الأرض الرملية المتداخلة بالحصوات الصغيرة ..
بدا فى حوالى الخامسة والعشرين . له قبول احتوانى منذ اللحظة الأولى . قامة طويلة أميل إلى النحافة ، وبشرة سمراء أقرب إلى السواد ، ووجه طويل ، نحيل ، وحاجبان كثيفان ، وعينان واسعتان ، بريئتان ، كعينى طفل ، وأنف مستقيم ، وشفتان تنفرجان عن أسنان لامعة ، وشارب رفيع تهدّل طرفاه على جانبى فمه ، وذقن حليقة ، وإن أهمل فى نهايتها خصلة شعر صغيرة . يرتدى جاكت من التويد الرمادى فوق دشداشة رائقة البياض ، وفى يده عصا قصيرة ، سوداء ، ربط نهايتها بمعصمه بحزام جلدى ..
ـ خميس المناعى .. ضابط من شرطة عمان السلطانية ..
اللهجة ودود طيبة . لكثرة ما استمعت عن الرقابة والمراقبة والتنصت والملاحقة والاعتقال بالشبهات ، تحددت صورة رجال الشرطة فى إطار لا تجاوزه . أجسامهم الضئيلة ، وأصواتهم الهامسة ، وتأدبهم المتكلف ، ترجح عليها لغة الإشارات والملاحظات والتحذيرات ، وحكايات سجن الرسيل التى تفوق ما كانت عليه الحياة فى سجن الجلالى . قال لى مستشار السفارة المصرية بهجت حسان : أنت ترى السجن من بعيد فتحسبه قصراً فخماً ، لكنه ـ فى الداخل ـ ينتمى إلى أبشع سجون العصور الوسطى .. أقل أنواع التعذيب أن السجين لا يفتح فمه منذ يدخله حتى يتركه !..
لم أرحب بالزائر ، وإن حرصت أن تعكس ملامحى ترحيباً لا أبطنه ..
دفع لى بورقة مكتوب عليها بالآلة الكاتبة :
ـ خبر نريد نشره ..
تأملت الورقة :
ـ هذا إعلان وليس خبراً ..
ـ ما الفرق ؟..
ـ الإعلان مدفوع الأجر ..
هز رأسه دلالة الرفض :
ـ لا سلطة لى بذلك ..
ـ إذن سأنشره كخبر .. وإن كنت سأبدّل صياغته قليلاً ..
ـ المهم ألاّ يتبدل المعنى ..
وتوتر صوته بانفعال صادق :
ـ العمال المتسللون بلا أوراق .. مشكلة .. نخشى أن تستفحل ..
أشار السائق الهندى وهو يميل بالسيارة إلى طريق السلطان قابوس . ألفت استطالته ، وتفرعه إلى أحياء وشوارع جانبية ، وامتداده إلى المطار ، أو ـ من الناحية المقابلة ـ إلى مسقط القديمة ..
ـ أنظر !..
كانت سيارة الشرطة قد اتجهت بمؤخرتها ناحية باب الخروج فى سينما عمان بلازا . شكّل جنود الشرطة حاجزاً فى المسافة بين السيارة والباب ، وراحوا يدفعون الخارجين إلى داخل السيارة ..
***
كنت أراها وأنا أمضى إلى البيت عبر الحارة الترابية القصيرة ، الضيقة ..
ـ كيف حالك ؟..
ـ الحمد لله ..
ـ ما أحوال العمل ؟
ـ الحمد لله ..
تفتح الباب ، أو تستدعيها نداءات من داخل البيت . أدخل من الباب الجانبى ، إلى داخل البيت الذى يضم السكن والجريدة . وكنت أجاوز باب البيت إلى المكتب . يترامى صوت ضربات الأم بالمهباش ، وهى تطحن البن فى هون النحاس . تعددت رؤيتى للأم فى مسيرها داخل فناء البيت . ترتدى ملابس لا تكاد تبدلها . ما يشبه القميص ينسدل إلى ما فوق الركبتين ، ومن تحته سروال عريض ، ينتهى عند كاحلى القدمين ، وتلف رأسها بعصابة سوداء ، وتدس قدميها فى شبشب من البلاستيك . ربما ألمح زوينة تطعم العجوز وهو جالس على كرسى فى الساحة الترابية داخل البيت . تدس لقيمات الخبز فيما لا أتبينه من طبق ، فيلتقطه بفمه . ابتسم لوقفة الولد الصغير وراء الباب ، يمد عنقه ونظراته فى دخولى البيت وخروجى منه . أخمن من نظرته المتسائلة ، الباسمة ، أنه يستمع إلى كلام عنى من زوينة لأبويها ..
لاحظت أن أنفها هو منطقة التشابه بينها وبين أبيها ، أنف دقيق ، منمنم ، وربما أخذت لون بشرته القمحى . شغلنى أن أتعرف إلى أسرتها . أزورها ، أرى البيت من الداخل ، وأجلس إلى والديها وأخيها الصغير ..
الناس فى الناحية المقابلة ـ أعلى الجبل ـ منغلقون على أنفسهم ، لا يميلون إلى التواصل . يكتفون بالتطلع إلى حياتى داخل البيت ذى السور ، نظرات صامتة ، خالية من التعبير . إذا هبطوا من الجبل إلى الحمرية ساروا مطرقين ، لا يتلفتون إلى ما حولهم ، ولا يجتذبهم صوت . لا يعنون بالنظر داخل الباب المفتوح ، ولا بإلقاء السلام ، إن كنت واقفاً بالقرب من الباب . حتى السحن بدت لى ـ فى الأيام الأولى ـ متشابهة . ربما للذقن المرسلة ، المخضبة ، والدشداشة ، والمسرّة التى تلف الرأس وأعلى الجبهة ..
كان الصمت ـ من حولى ـ يثير شعورى بالوحدة . تداخلنى وحشة . أميل إلى الانفراد ، لكننى لا أطيق العزلة . كل ما حولى كان يفرض العزلة . يضايقنى حصار الجدران الأربعة . لا أحد أكلمه ، ويكلمنى . آخذ منه وأعطى له . لا أحد يفهمنى . أتوق لأن أحادث إنساناً . لكن : متى ؟ وأين ؟ وكيف ؟.. صخور الجبال تعيد ـ فى الليل ـ ما اختزنته من الشمس طيلة النهار . ولا أحد فى الخلاء المحيط بى ..
هذه الصخور المدببة ، القاسية ، الملتهبة ، تناصبنى العداء . بدت لى وجوه بشر ، أرسم ملامحهم من التكوينات الصخرية ، وأبادلهم نظرات العداء ..
واتتنى رغبة ، فنفذتها . صحت باسمى . جاءنى صدى الصوت بعد اصطدامه بالجبال الصخرية والهدوء ..
أحسست أن الدنيا تضيق بى ، تحاصرنى ، وأنى وحيد ..
***
يضئ المستطيل الصغير فى المواجهة : اربطوا أحزمة المقاعد .. أطفئوا السجاير . أحيط الحزام حول جسدى ، وأطمئن إلى إغلاق القفل المعدنى . أتهيأ لتلقى الارتجافة العنيفة ، الأخيرة ، قبل أن تلامس عجلات الطائرة أرض المطار . يصفق الركاب ـ لوصولهم إلى الوطن ، أو فرحا بالحياة ؟! ـ ثم تتوقف الطائرة تماماً ، وتظل الأبواب مغلقة . أنصت إلى حركة اقتراب السلم من الباب . أحرص أن أكون فى مقدمة النازلين بمجرد فتح الباب المستطيل . أطل من النافذة المطلة على ميدان المساحة ، كأنى أتوقع تغيّراً فى صورة الحياة التى كنت أحياها . ليس إلى الأفضل ، أو إلى الأسوأ ، لكنه مجرد تغيّر . مشاهد اختفت . حلت ـ بدلاً منها ـ مشاهد أخرى . توجه أمى أسئلة ، لأنها تتكرر فى كل عودة لى إلى القاهرة ، فقد اعتدتها : كيف تقضى يومك ؟ من يطبخ طعامك ؟ هل تتغطى جيداً ؟ هل تطول إقامتك فى مسقط . أجيب بعبارات مقتضبة ، أو مدغمة ، أو أومئ بما يطمئنها . أتأمل ملامح أبى ونحن نتكلم . يجيب عن أسئلتى ، ولا يسأل . يلوذ بالصمت . لاحظت ـ مرة ـ أن مساحة الصلع زادت فى مقدمة رأسه . انفراجة شفتيه تبين عن فقد السنتين الأماميتين .
فاجأتنى ملاحظة أبى :
ـ أنت تأتى بحقائب ، وتسافر بدونها ..
ثم وهو ينحى وجهه عن اتجاه نظراتى :
ـ لماذا لا تأخذ الحقائب نفسها وتعود بها ، ولو فارغة ؟
لم أعد أذكر عدد الحقائب التى اشتريتها من أسواق مطرح وروى والسيب . أخلو إليها ليلة السفر ، أرتب ما اقتنيته بعينى أمى وأبى وأخوتى ، ما أتصور أنهم يريدونه ، ولا يجدونه فى القاهرة ..
ومها ، مها : هل تذكرنى ؟ ..
قلت :
ـ أخشى أن يسىء رجال الجمارك فى مطار السيب معنى الحقائب الفارغة ..
اغتصب ضحكة :
ـ أثق أنه لا يغيب عنهم مرض الشراء الذى يعانيه المصريون ..
أفضّل العودة إلى القاهرة فى غير إجازة الصيف . تضايقنى المساحة فى المطار التى تخصص للمصريين . يضاعفون أوزان الأمتعة ، يفاصلون ، يساومون ، يوافق موظف شركة الطيران ـ فى النهاية ـ على زيادة لا يطلبها المغادرون من جنسيات أخرى ..
الزمن يتضاعف حين وصولى إلى مسقط . خمس ساعات هى المسافة بين القاهرة ومسقط ، لكن الزمن يباعد بينى وبين القاهرة . تبدو بعيدة فى الزمان بعدها فى المكان . أضواء مسقط تبدو تحت جناح الطائرة الضخم . نقاط مجتمعة أو متفرقة ، متناثرة وسط ظلام حالك . أعرف أنه موضع الجبال التى تتخللها الطرق والأبنية . صوت فى ميكروفون الطائرة يكرر التنبيه إلى ربط الأحزمة وإطفاء السجاير . تسرى موسيقا راقصة ، هادئة . لم تعد مفردات المطار تستلفت نظرى ، ولم أعد أتأملها : الساحة الواسعة ، المختنقة ـ فى أغلب الأيام ـ بالحرارة اللاهبة ، والرطوبة . نوافذ برج المراقبة . صالة الوصول . الحجر الصحى . الجوازات . رجال الشرطة بزيهم الأزرق وأجسادهم الضئيلة ..
أفتح الباب . أشم رائحة الهواء الراكد ، والغبار المتراكم على الأثاث القليل ، وعلى الأرض . أطيل النظر إلى ما بداخل الحجرة ، كأنى أراها للمرة الأولى ، أو أنى أعيد اكتشافها . تتسلل إلى أنفى رائحتها ، رائحة اعتدتها وميّزتها . تبدو القاهرة بعيدة بعيدة ، وأعانى شعوراً مؤلماً بالغربة . تختلط لحظات ما قبل السفر بالحياة ـ لساعات ـ فى الطائرة ، بالنزول إلى مطار السيب . تختلط حتى ملامح الوجوه واللغات واللهجات والأماكن . أجذب ـ بعفوية ـ ورقة شركة الطيران الصغيرة ، عليها كلمة Muscat . أمزقها إلى قطع صغيرة ، وأقذف بها فى السلة المجاورة للمكتب الصغير . أدير مسمار الساعة إلى الوراء دورتين ، فرق الوقت بين القاهرة ومسقط ..
نقف بسياراتنا أمام مبنى المطار قبل وصول الطائرة بساعتين . نستقبل ، أو نودع ، أو نمارس الفعلين . نتناثر ـ مجموعات ـ وقوفاً ، أو نجلس على الرصيف المقابل . الطائرات تأتى بوافدين جدد ، بصداقات جديدة ، وتطير بأصدقاء إلى مدنهم وقراهم ، حيث لا يعودون . يعدون باستمرار الصداقة والرسائل والمكالمات التليفونية . يتبادلون العناوين . العائدون من القاهرة يحملون رسائل وأخباراً وصحفاً جديدة . أحرص فأنا أول من يقرأ الصحف . إذا انتظرت حتى يقرأها أصدقائى قبلى ، قرأتها ممزقة . أحن ـ وأنا أقلب الصفحات ـ إلى زملائى فى الجريدة . حتى هؤلاء الذين اقتصرت علاقتى بهم على إيماءة الرأس بالتحية ، أو الكلمات العابرة . ربما تتأخر الطائرة ، فتطول وقفتنا . نزجى الملل فى أحاديث بلا آفاق ، وتأكيد المعرفة ، والتذكر ، وإطلاق النكات ، ومناقشة أسعار الريال والدولار ، وأحوال الجو . يحل علينا التعب ، فنجلس على حافة الرصيف المقابل . لا نستطيع التصرف نفسه فى مصر . نهمل أوضاعنا الوظيفية والاجتماعية . الغربة تسوى بيننا . يضيف إليها انتظار الصديق المشترك . لا تكلّف ولا ألقاب ، وعفوية الكلمات لا يحدّها قيد . يعلو صوت الميكروفون : أرجو الانتباه . يتقاطر القادمون من الباب الذى يفتح ويغلق . تحاول نظراتنا أن تتطلع إلى ما وراء انفراجة الباب التى ما تلبث أن تغلق . تتوالى الأسئلة . ربما ضاق بها البعض أو دهشوا لسذاجتها . أريد أن أعرف كل شئ ، حتى أحوال الجو ونتائج مباريات الكرة وبرامج التليفزيون وما تنشره الصحف ..
تباعدت رسائلى إلى القاهرة . لا جديد أراه أو أسمعه ، فأتحدث عنه ..
الملل !..
ملل بليد . تحدثت عن الوحدة والغربة والشمس والجبال والحشرات وانشغالى القاتل فى جريدة أحررها بمفردى ، ثم لم أعد أجد ما أكتبه . اكتفيت بالرد على الرسائل التى تصلنى من القاهرة ..
ـ هل تريد شيئاً ؟..
التفت ناحية الصوت . سلمت على خميس المناعى ..
قلت لمجرد أن أتكلم :
ـ ألاحظ وجود كلاب بوليسية فى المطار ..
قال :
ـ إنها للطائرات القادمة من الهند أو باكستان .. تأتى العمالة من هناك بالمخدرات
صرنا صديقين . هو الوحيد من زائرى الجريدة الذى يدفع الباب ، وأتبين خطواته التى أخمن وقعها ..
تعرفت مما يرويه إلى ما لم أكن أعرفه عن الحياة فى مسقط ومدن الداخل : التاريخ والمعتقدات والعادات والتقاليد . حتى طقوس الزواج والموت تعرفت إليها مما كان يرويه ..
أعاد السؤال :
ـ تودع أم تستقبل ؟
ـ أنتظر صديقا ..
وسألت فى لهجة مشاركة :
ـ وأنت ؟..
ـ أودّع هؤلاء الملاعين ..
وأشار إلى ثلاثة رجال وثلاث سيدات . كانوا يجلسون فى الزاوية اليمنى بصالة الانتظار . يرفعون أعينا قلقة ، تابع ـ دون تنبه ـ حركة المطار ..
وأطفأ السيجارة فى طفاية مجاورة بضغطة من طرف إصبعه :
ـ تسفير الأجانب مهمتى الأولى هذه الأيام ..
قلت :
ـ زملاؤك فى الشرطة ..
ـ كل موظفى الشرطة عمانيون ..
وتحسس طرف شاربه ، وغمز بعينه :
ـ ضُبط الأزواج يتبادلون الزوجات ، فتقرر تسفيرهم ..
السحن تشى بأوروبية الجنسية . شطر الرجال شعر رءوسهم إلى نصفين مثل عرف الديك ، وزججوا الحواجب ، وكحلوا الأعين ، وتناثر فى السواعد وشم أخضر بصلبان وأسماك وقلوب . وترتدى امرأتان فستانين متباينى التصميم واللون ، وإن كشفا عن أعلى الصدر والظهر ، وانتهيا إلى ما فوق الركبتين ، بينما ارتدت الثالثة بلوزة حمراء ، التصقت بصدرها ، وبنطلون جينز ، التصق بفخذيها وساقيها . وثمة أقراط تتدلى من آذان الجميع وأنوفهم ، واصطبغت شعورهم باللون الأخضر ..
حدست التوتر ينطق فى عيونهم ، وهم يترقبون النداء : أرجو الانتباه !..
قال خميس المناعى :
ـ مجتمعنا يتغير .. المقارنة صعبة بينه وبين أيام سعيد بن تيمور ..
وفى لهجة مهونة :
ـ فى أيام التحولات تنشأ هذه الظواهر الغريبة ..
ـ
مسقط لا تعرف السهر ..
أجرى بعد الغروب ما يفوتنى من لقاءات فى الصباح . أقف أمام البيت قبل الثامنة . تصطف السيارات بحذاء الرصيف . تقل الحركة بعد صلاة المغرب ، ثم تموت ـ أو تكاد ـ بعد صلاة العشاء . أمضى ناحية المطار القديم . أبطئ السير . اتجه إلى سينما عمان بلازا ، فالطريق الرئيسى إلى كورنيش مطرح . أقف أمام الرصيف الحجرى . أتطلع إلى امتداد الأفق . أتابع ـ بلا اهتمام ـ البواخر الراسية فى ميناء قابوس والبلانسات والفلايك والحاويات والصيادين والطيور المحومة فوق المياه والأسماك المتقافزة . أعود إلى الحمرية بعد الثامنة بدقائق . يبدو المكان أمام الرصيف خالياً من السيارات تماماً . أغلقت الدكاكين والمكاتب أبوابها ، وهدأت حركة السير ، وتوالى انطفاء الأنوار فى النوافذ المغلقة . يعمق الصمت هدير المكيفات ، وصفارات البواخر فى خليج عمان . يبدو لى المكان غريباً ، موحشاً ، لا أعرف فيه أحداً ..
حتى المغرب ، تبدو الشوارع خالية من المارة . فيما عدا السيارات المغلقة ، المكيفة الهواء ، لا أثر للحياة . يعلو الإيقاع بالتدريج . تبلغ الحياة ذروتها إلى ما بعد العشاء . ثم تخلو الشوارع إلاّ من الوافدين . يحرص العمانيون أن يغلقوا أبواب البيوت أول الليل . نوبة قلعة الميرانى كانت تخلى الشوارع من البشر تماماً . لا يسير إلاّ من يحمل الفانوس ، ولا يسير إنسان بعد أن ينتصف الليل ..
بدأت فى الأيام التالية لموافقتى على السفر . فى تصور المكان الذى ربما أقيم فيه . بدا لى شقة علوية تطل على المدى . الصحراء باتساعها وغموضها المثير . الناس قليلون ، يرتدون الدشداشة والعقال كما أرى أهل الخليج فى الصور ..
انشغل شوقى كمال بتدليك موضع لدغة فى عنقه :
ـ أنت إذا أردت أن تحتفظ بالطعام وضعته فى الثلاجة ، فإذا طالته الشمس ـ لفترة طويلة ـ لم يعد صالحاً ..
ـ أرى أنك لا تريد أن تفارق الشمس ..
قال فى استسلام :
ـ حياتى هنا مثل الساقية .. لا نهاية لدورانها ..
قلت :
ـ لأنك تصرف كل فلوسك ..
كنت أزوره فى الشقة التى يعمل ويقيم فيها . حارة خلفية بالوالجة . على المكتب الخشبى المستطيل أمامه كتب وصحف وأوراق وأقلام وطفاية سجاير وسخان كهربائى وكولمان وزجاجة خمر ، وأسراب الحشرات تتزايد أعلى الحجرة ، تشكّل ما يشبه الغمامات الصغيرة . وثمة صوت مولد كهربائى يترامى من مكان قريب ..
لم تكن المجلة تشغل شوقى كمال . مجرد قص ولصق . لكنه ـ فى زياراتى المتباعدة ـ كان يطلب أن أتشاغل بقراءة كتاب من مكتبته ـ رف عليه مجموعة من الكتب ـ لينهى كتابة رسائل إلى القاهرة . يكتب على أوراق نوتة صغيرة . يعيد قراءة الرسالة . ربما حذف كلمة ، أو أضاف عبارة ، ثم يدسّها فى المظروف . على مكتبه دائماً رزمة من المظاريف ..
ـ ما أخبارك ؟
أشعر ـ حين يتجه بالسؤال ـ أنه قد أنهى كتابة رسائله ..
يرتشف كمية من الزجاجة ، ويعيدها إلى مكانها . فى حوالى الخامسة والثلاثين . يبدو وجهه النحيل ، الأبنوسى البشرة ، ساكن الملامح ، وإن شاب بياض عينيه صفرة واضحة . يضغط على الحروف الأخيرة فى كلماته ليؤكد المعنى ، أو لعيب فى النطق ..
أزعجنى التعبير حين قاله الطبيب فى مستشفى النهضة : التصاق فى البطن . كان شوقى يواصل الكلام واحتساء الخمر . تتباطأ نبرة صوته ، ويغلب عليها التعثر . أدرك أنه يدخل النفق المفضى إلى هناك ، وأنه ـ شيئاً فشيئاً ـ ليس هنا . أسكت ، وأتظاهر بالإنصات إلى ما لا أفهمه ، أو أمضى . انتترت للصرخة المفاجئة . أحاط بطنه بساعديه ، وعلت صرخاته كالعواء . غلبنى الإشفاق ، وربما الخوف . تصورت أنه يموت . حملته فى تاكسى إلى مستشفى النهضة . شخّص الطبيب الحالة من رائحة الخمر وساعديه المطوقين لبطنه وصرخاته ..
التصاق فى البطن ؟!.. ألن يأكل ـ بعد ذلك ـ أو يشرب ؟ هل أصيبت البطن بالشلل أو ما أشبه ؟ هل يموت ؟..
داخلنى اطمئنان بطلب الطبيب أن أخلى الحجرة ، ليعالجه . لو أنه يعانى ما اتجه ذهنى إليه ، لأدخله حجرة العمليات ..
كتبت لأبى بما حدث ..
قال أبى فى رسالة محذرة : لا تدعه ينقل إليك اكتئابه !
قللت ـ فيما بعد ـ من زياراتى المتباعدة لشوقى كمال ..
ـ يحزننى أن الأيام التى أقتل فيها نفسى لن يبقى منها ما يساوى ..
غالبت التردد :
ـ لماذا لا تعود إلى القاهرة ؟
ـ أحتاج إلى الريالات العمانية ..
أطلقت لجام جرأتى :
ـ أنت تنفقها على الخمر ..
ـ يتبقى ما أستطيع أن أحوله إلى القاهرة ..
ثم وهو ينفث دخان السيجارة فى عصبية واضحة :
ـ هل لابد ـ لكى أحيا فى ظروف مادية جيدة ـ أن أترك مصر ؟..
فوّت الملاحظة :
ـ وصحتك ؟
ـ بمب !
ـ ومستقبلك ؟
ـ أنا صحفى فى القاهرة أو فى مسقط ..
ضربت ما لم أتبينه بكفى :
ـ تبسيط للمشكلة أثق أنك لا تقتنع به ..
استطردت فى صوت منفعل :
ـ هل تساوى صحف القاهرة بما نفعله هنا ؟..
ثم هزمنى التأثر :
ـ عشت فى الخليج ثمانية أشهر .. أصارحك بأن شعورى بالغربة لم يتغير !..
حاولت أن أخلق لنفسى عالماً خاصاً من القراءات ، وسماع الراديو ، والانغماس فى العمل ، واستدعاء ما خلفته فى القاهرة ..
ـ
كان أول انطباع لى ـ حين رأيتها ـ أنى سألتقى بها ثانية ، وستكون لى بها صلة ، وإن لم أفكر كيف يتاح لى اللقاء . لم أعد أنتظر تحيتها ، فأرد عليها بإيماءة ، أو بكلمات مقتضبة ..
فاجأتنى النقرات الخافتة ، المتلاحقة ، على الباب الخارجى :
ـ هل عندك وعاء كبير ؟
أطلت النظر إليها ، أتأكد من فهمى لما طلبت :
ـ لماذا ؟..
ـ نذر لشفاء أبى ..
واتسعت ابتسامتها :
ـ نحن زنجباريون .. هذه عادتنا ..
ـ هذه عادة معظم المسلمين ..
وضع القدر الهائل على كومات الحطب ، وقف وراءه هندى عارى الصدر ، ويغطّى أسفل جسمه بوزار . تعلو المغرفة ـ هائلة أيضاً ـ فى يده بقطع اللحم الغارقة فى الشوربة . يضعها فى الحلل المتلاصقة بتجاور الأيدى الممدودة ..
ألفت نقرات إصبعها على الباب الخشبى . نقرات ضعيفة متوالية ، وإن تناهت إلى حجرتى الداخلية خلل السكون المحيط . نتناقش ، ونتفق ، ونختلف ، وإن ظلت وقفتنا أمام باب الجريدة الخارجى ..
كنت مدفوعاً إليها بالوحدة التى أعانيها . بدا لى ـ أحياناً ـ أنها تبحث عن المغامرة ، علاقة فرضتها الجيرة ، وإن ظل ما يشدنى إليها صبيانية جميلة فى كلماتها وتصرفاتها ، فى ومضة الشقاوة فى عينيها اللوزتين ، الواسعتين ، وفى تهدل الشعر على الجبهة ، وتطايره إذا هبت نسمة هواء . العفوية تنطقها . لا تتعمد اختيار كلماتها ، ولا تلحظ إن أحدثت الكلمات ما تريده من المعنى أو التأثير . ذلك ما يهبه السياق ، تواصل الكلمات . حتى حقيبة يدها ، كانت تفتحها بطفولة واضحة ..
أعرف أن المجتمع يصعب عليه أن يأذن لشاب وفتاة بإقامة علاقة على مرأى منه . النساء وراء الجدران المصمتة ، والرجال فى الشوارع والدكاكين والشركات والسيارات . الاستثناء يؤكد الظاهرة . هى تزورنى لأنى غريب . قد يروى المواطن ما يحدث دون أن يتدبر النتائج . أما الغريب فإنه يواجه ما لا يخطر على البال ..
أزمعت أن تحيا العلاقة فى السر ..
قلت :
ـ لو لم نلتق ربما عدت إلى القاهرة ، أو اعتبرت نفسى ميتاً فى مسقط !
دخلت بيتى للمرة الأولى ..
لاحظت أنها تتعامل مع الجميع ـ فى ساحة المطار ـ بثقة ، وبلا حرج . أى نوع من الفتيات هى ؟..
تصورت ـ فى لحظة كالومضة ـ أنها متحررة من سطوة أهلها . لا سلطة لأحد عليها ، فهى المسئولة عن نفسها . اجتذبتنى بساطتها منذ التقينا للمرة الأولى ، منذ رأيتها فى صالة مطار السيب ، مفاجأتها لى بالكلام ، دعوتها لأرافقها إلى وسط المدينة ، زياراتها المتكررة ..
لم ألتق بها فى الزى العمانى : اللحاف ذو الألوان الصارخة ، فهى ترتدى يونيفورم مضيفات طيران الخليج ، تاييراً بنياً وبلوزة بيضاء . أو تبدّل الجونلات والبلوزات . وتحيط رأسها بإيشارب بنى من الحرير ، أو تعرّيه . أعرف ما ترتديه بتبدل الألوان . وكانت تكتفى تحت الإيشارب بعقص شعرها فى هيئة الكعكة وراء رأسها ..
قلت :
ـ لم أكن أعرف شيئاً ـ قبل أن ألتقى بك ـ عن المضيفات الأرضيات ..
قالت :
ـ معظم المضيفات يعملن على الأرض ..
لاحظت اختلاف الزى واللهجة والتصرفات فى العمانيين القادمين من زنجبار . الميل إلى التحرر وعدم الكلفة . لم تحدثنى عن طبيعة الحياة فى زنجبار ، وإن خمنت أنها كانت تختلف عن الحياة فى مسقط . كانت ملامح الحياة العمانية تغيب تماماً حين تضمنا حجرة المكتب المفتوحة على الساحة الترابية الساكنة . تطعم تعبيراتها بكلمات إنجليزية ، خمّنت أنها تعوّض بها صعوبة النطق بالعربية . اللهجة ليست عمانية تماماً . تداخلها لكنة لم أفلح فى تحديدها . تصورت تأثرها بالحياة فى زنجبار ، ثم تبينت فى كلماتها مفردات تطالبنى بمساعدتها على استكمال سياق الكلمات ..
ارتبكت لرؤيتها وهى تنظر إلى الجورب الممزق ، ثم وهى تجلس على الكرسى المقابل ، وتمد ساقها ، وتنزع الجورب ، وتجلس حافية ..
أزمعت أن أغازلها بجرأة ..
الباب موارب ، لماذا لا أفتحه ؟.. أجاوز لحظة التردد والخوف ؟..
وهبتنى من التلميحات والإيماءات ما يشجعنى على ملامسة قطر الندى ..
ملت عليها ، أحتضنها ، وأحاول أن أقبلها . لم أقرر ذلك ، ولا تدبّرت نتائجه . بدا الأمر عفوياً ، كأنه وليد ذاته ، وليد اللحظة ، غير موصول بما سبق ، ولا بما بعد ..
دفعتنى فى صدرى بآخر ما عندها . أربكنى تغيرها : الوجه الطفولى الجميل حَوّره الغضب . تبدلت الملامح ، واحمر الأنف والأذنان ، وتسارعت الأنفاس ، والتمعت العينان بالدمع ..
عدت إلى ما كنت كتبته فى روايتى التى لم أتمها ..
لاحظت أن البطل شغلته اللحظة ، فأهمل توقعات المستقبل . أزمعت أن أضيف إلى الشخصية بما يبين عن باعث الأزمة والتصرفات ..
***
لم تعد تسلم ، ولا أسلم ...
العلاقة التى لم تبدأ ، انتهت . بدا لى أن شخصاً آخر هو الذى أقدم على ما فعلت ، هو الذى حاصرها فى حجرة المكتب ، واحتضنها ، وحاول تقبيلها ..
أحسست أن نفسى قد تبعثرت ، وأن كل ما حولى يحاصرنى ، ويخنقنى : الشمس ، الجبال ، الصمت السادر ، الوجوه المتطلعة ، الساكنة . عاودنى الإحساس بالفراغ الموحش . عدت إلى عزلتى الموحشة . السكون الخامد فى بيت الجريدة ، والجبال ، والوجه المقابل المقلق ، وجولاتى السريعة ـ برفقة السائق الهندى ـ للبحث عن مواد الجريدة ، وزيارات الشيخ النبهانى وأصدقائى ، المتباعدة . انغمست فى العمل والوحدة . يبدو الناس ـ من حولى ـ أشباحاً ، والأصوات أصداء غير واضحة ..
كنت أغمض عينىّ ، تستعيدان الملامح الطفولية ، والعينين الواسعتين ، والشعر المهوش حول الوجه . أعاود النظر من مكانى فى المكتب ـ عبر الباب الذى فتحته عن آخره ـ أتوقع دخولها البيت ، أو خروجها منه . هل تلتفت ناحية الباب المفتوح ؟ هل ينعكس اهتمامها فى تصرفات موحية ؟. أطيل الوقوف فى الحجرة . أحاول تذكر ما قد أكون نسيته ..
مرة وحيدة التقت عيناى بعينيها . كنت أعالج المفتاح لما فتحت باب بيتها وتهيأت للخروج . كانت ترتدى فستاناً من الأورجاندا الزئبقية ، بكمين طويلين ، وشته الدانتيلا فى المعصمين وفتحة الصدر ..
حولت عينى ـ فى اللحظة التالية ـ إلى الناحية المقابلة ، ربما لأنها أقدمت على التصرف نفسه ..
لم أتصور أن تلك كانت نهاية العلاقة . هى غيمة شابت صفو السماء ، ومضت . أثق أنها ستكلمنى ، وسأكلمها . البيت أمام البيت ، والمصادفة تفرض اللقاء .. صباح الخير .. صباح الخير . لم ألح ، فقد اعترفت بخطئى ، ولعلها تستعيد ما حدث ، فتعذر ..
***
طالعنى فى الباب المفتوح شابان يرتديان " يونيفورم " شركة الطيران . دللتهما على البيت . خرجت للقائهما وأنا واقف على الباب أنتظر انصرافهما ..
قالت :
ـ أشكرك ..
سلّمت على بعد ذلك . وتحدثنا ..
لم يبد فى وقفتها ارتباك ، ولا ما يشى بأنها امتنعت عن لقائى ومبادلتى الكلام ، وإن لاحظت أنها تبذل جهداً كى تظل العفوية فى وقفتها وملامحها وكلماتها وعينيها الواسعتين . لم تشر إلى ما حدث ، ولا عاد فى سلوكها معى أثر للغضب ولا للضيق ، لكن الحائط غير المرئى فصل بينى وبينها ، لا أفكر ـ ولا أستطيع ـ فى أن أخترقه . تصرف مجهول النتيجة ، وربما تخرج من حياتى ثانية فلا تعود ..
***
عادت الطرقات الخافتة ..
ضايقنى ـ فى الأيام الأولى ـ غياب ما اعتدته من عفوية فى الكلام والتصرفات . ثمة مسافة نشأت بينها وبينى . ضاقت ـ بتوالى زياراتها ـ حتى تلاشت ، وإن ظل الفاصل غير المرئى قائماً ..
بدت هادئة وودودة ، كما لو أن كل شئ مثلما كان عليه فى الأيام السابقة ..
كلما اقتربت منها ، تبدّت لى جوانب البراءة فيها . لم تغادر سجيتها : تروى ما تتذكره من أحداث يومها ، ما رأته ، واستمعت إليه ، وقرأته ، تتأمل فى ملامحى وقع أسئلتها المفاجئة . ربما تستدعى نكتة أو حكاية قديمة . تعكس الجدران أصداء ضحكتها المكتومة . إذا ضحكت تألقت عيناها بالمرح ، مرح طفولى صاخب ، تتداخل فيه الألوان والأصوات . يتسلل داخلى شعور بالاطمئنان والسلام ..
كانت تفعل كل شئ : تستعيد النظام الغائب فى الأوراق والكتب . ربما أمسكت بمنفضة من خيوط بلاستيكية ، وأزالت ما علق على المكتب والكراسى من أتربة ، تبثها ـ مع الصهد ـ الجبال المحيطة بنا . تلم الملابس المتسخة من فوق الشماعة والمكتب ، ومن الأرض ، تطويها ، وتنصحنى بإرسالها إلى المغسلة فى روى . ترتب القمصان والبدل الثلاث فى الدولاب . تغسل الأطباق والأكواب والفناجين . تجففها . تصفها فى مواضعها على الأرفف . تأخذ كرسيا من المكتب إلى المطبخ . تصعد عليه . تشب على أطراف أصابعها . تأخذ الحلة من فوق الرف العلوى . أبتعد إلى الساحة الترابية حتى لا أتأمل وقفتها ، وحتى لا تلحظ نظراتى ، فتذهب ـ مثلما ذهبت من قبل ـ ولا تعود . لم تكن تترك لى فرصة مجاوزة الحدود التى وضعتها . هى التى حددت إطار علاقتنا ، وهى التى تملك مجاوزته . لم أعد أتطلع إلاّ لمجرد أن ألتقى بها . أخشى لو أنى أقدمت على ما لا تتوقعه أن أفقدها ثانية ، ونهائياً ..
تربعت ـ حافية القدمين ـ على " الفوتيه " الجلدى المواجه للمكتب . لاحظت اعتزامى ترك ما بيدى من قصاصات ألصقها على أوراق الماكيت ..
ـ لا تترك مكانك .. سأكلمك هكذا ..
لم تحاول ، ولا حاولت أنا ، التلميح ، أن تنتقل من حجرة المكتب إلى الحجرة الثانية . لا أترك حجرة المكتب . إذا لم يكن تناولى وجبات الطعام فى مطعم بروى ، أكتفى بمعلبات من السوبر ماركت فى " الولجة " ..
واصلت لصق القصاصات ، وإن اتجهت نظرتى إليها ..
ـ هل عندكم ضيوف ؟
ـ لا ..
ـ رأيت سيدة تغطى جسدها كله ..
ضحكت :
ـ إنها أمى .. كانت ترتدى البوى بوى ..
أعدت القول :
ـ البوى بوى ؟!
ـ منديل أسود خيط بملاءة سوداء تغطى الجسد كله .. ترتديه الزنجباريات ..
وعلا صوتها بالتذكر :
ـ أنت مسافر إلى الكويت غداً ..
استدرت . واجهتها :
ـ صحيح .. كيف عرفت ؟..
ـ نسيت أنى مضيفة أرضية ؟..
ـ صحيح .. يومان أطبع فيهما الجريدة وأعود ..
تألقت الدهشة الطفولية فى عينيها :
ـ تطبعون جريدتكم فى الكويت ؟..
ـ لا يوجد فى مسقط حتى الآن إلاّ المطبعة الحكومية ..
استطردت فى ابتسامة مشجعة :
ـ هل تريدين شيئاً من هناك ؟..
ـ إذا استطعت ..
ثم وهى تهز إصبعها :
ـ سأدفع لك ..
ومسدت رأسها بعفوية :
ـ حذاء من الجلد الإيطالى .. مفتوح ..
شوحت بيدى فى تهوين :
ـ بسيطة ..
ونظرت ـ بتلقائية ـ نحو قدميها . كانت ترتدى حذاء بنياً متقاطع السيور ، له كعب قصير ، تطل منه أصابع صغيرة مطلية بالمانيكير ..
ـ المقاس ؟..
ـ ثمانية وثلاثون ..
ـ سيكون أول ما أبحث عنه ..
ثم وأنا أستحثها بهزة من رأسى :
ـ هل تريدين شيئاً آخر ؟..
مطت بوزها دلالة النفى ..
لاحظت أنى ضربت حشرة بأوراق مطوية فى يدى . قالت :
ـ هذه أرواح موتانا تتقمص الفراشات !..
تأملتها : وجه خال من الأصباغ والألوان ، وشعرها الأسود القصير المهوش حول وجهها . لم تكن تستخدم أدوات التجميل ولا مزيلات الشعر . فلا كريمات ، ولا إزالة لشعر وجهها أو ذراعيها أو ساقيها . حتى الزغب الأصفر فوق فمها ، تهمله ..
ناوشنى السؤال لحظات : هل تصدر تصرفاتها عن ثقة فى النفس ، أو أن توقع تصرفاتى لم يعد يقلقها ؟..
لحظات ، ثم أهملت السؤال ، ونسيته ..
ما أعرفه عنها قليل ، لكن حضورها السخى كان قد ملأ حياتى . أشرقت بوجودها داخل نفسى ، أودعتها ذاكرتى . أغمض عينى عليها حين أنام ، وأفتح عينى على استعادة ملامحها فى الصباح . يظل فى داخلى الإحساس بأنها معى ، تقف ، وتجلس ، وتتحرك ، وتتكلم ، وتعيد ترتيب الأشياء . أحيا ملامحها الطفولية وابتسامتها ، والضحكة المميزة . حتى طريقة ارتشافها الشاى من الكوب ، أستعيدها . لا أتصور أنى أستطيع أن أبتعد عنها ، أو أنساها . إذا تخلفت ـ أكثر من يومين ـ عن زيارتى ، يداخلنى شعور بالانقباض والوحشة . ثمة شىء ينقصنى . يغيب عن حياتى . وفى اللحظة التى يتناهى صرير الباب ، وهى تتجه إلى بيتها ، يعرونى شعور بأنى أصبحت أقل ارتياحاً مما كنت عليه ، وأنى أعود إلى وحدة صامتة ، قاسية ..
انفتحت أمامى أبواب عالم جديد ، يتألق بالرؤى والظلال والأنغام العلوية ..