ـ 7 ـ

8 0 00

ـ 7 ـ

الظهر ..

كان ظل الصخور قد تلاشى . واختفت الظلال فى الساحة الواسعة ، الخالية من الأشجار والجدران . لم يعد إلاّ أشعة الشمس العفية ، الحارة ، القاسية . المروحة المتدلية من السقف ، عاجزة عن تحريك الهواء ، أو أنها تحرك هواء ساخناً . استعدت قول زوينة : أبى يتقى الحر بالنوم فوق السطح على مرتبة يغمرها بالماء ..

كنت منهمكاً فى مراجعة مسودات الجريدة ، وإن قيدت الحرارة اللاهبة ، الحرية التى أريد أن أتصرف بها . أحس بالاختناق ، وبالتوتر والبلادة . لم يعد فى داخلى إلا الشعور بالوحدة ..

قلت لنظرة الأستاذ عبد العال المشفقة ، فى وقفته على باب الجريدة :

ـ هذا الجو يدفعنى إلى الاعتراف بجريمة قتل لم أرتكبها !..

كان عبد العال يعانى عرجاً خفيفاً . لاحظت أن له قدماً متورمة . لم أسأله عن طبيعة مرضه . مع أنه كان يكبرنى بسنوات ، فإنه فاجأنى ـ ذات مساء ـ بالقول : أنا أستريح للفضفضة معك .. أعتبرك مثل أبى ..

ضايقنى التعبير . لم أكن أشعر بالارتياح معه ، ولا مع أى إنسان ..

جلس لصق باب الحجرة ، مستروحاً ـ ربما ـ نسمة هواء ..

فاجأنى بالقول :

ـ ما رأيك فى الموت ؟

ترددت فى الإجابة ، ثم أعدت القول :

ـ الموت ؟!..

ورمقته بنظرة فاترة :

ـ لم أفكر فى هذا الموضوع ..

أبدى دهشته :

ـ لماذا ؟.. حتى نوح صاحب المئات من الأعوام لم يخلد ..

ثم وهو يوسط الفراغ بيده :

ـ لا أحد يخلد ..

قلت :

ـ أعرف أنى سأموت .. لكننى أترك هذا الموضوع لوقته ..

قال :

ـ ألا تلحظ أن الموت قد يكون الحل لمشكلات كثيرة ..

ـ لم أصادف حتى الآن مشكلة من هذا النوع ..

أردفت فى نبرة مهونة :

ـ أنا أفكر فى الموت من قبيل العبرة .. لكننى أرفض أن يسيطر على حياتى ..

ـ أعرف أصدقاء تمنوا الموت فراراً من ظروف قاسية !

وتهدج صوته بالانفعال :

ـ عموماً .. أنا أعتبر الحياة مجرد محطة ..

وأردف فى انفعاله :

ـ لو أن الإنسان أدرك النهاية ربما لا يفعل الخطأ !..

ومال بأعلى كتفه ناحيتى :

ـ أنت لا تهتم بالموت لأنك شاب .. أليس كذلك ؟..

ـ بالعكس .. أنا أعرف أن الموت لا يفرق بين شاب وشيخ ..

ـ هذا صحيح .. لكنك تظهر الضيق إذا تكلمت عن الموت ..

ـ ليس إلى درجة الضيق .. لكننا يجب أن نعيش أيضاً ..

ـ نحن نحيا ، ثم نموت ..

وأغمض عينيه ، وتنهد بعمق كمن يستعيد تنفسه :

ـ مادامت الرحلة بدأت دون إرادتنا ، فمن الأوفق اختصارها ..

حدست أن الرجل يلامس ـ بزيارتى ـ تعزيز إحساسه بالحياة ، وتناسى فكرة الموت ، لكنه لا يتحدث إلا عن الموت . كأنه قد مات ، ويحيا ليتحدث عن الموت ..

ـ تنصح بالانتحار ؟!..

ـ لا أنصح بشىء .. أنا عجوز يخرّف ..

واجهته بالقول :

ـ يا أستاذ عبد العال .. ماذا يضايقك ؟..

وهو يتهيأ للقيام :

ـ هل يحتاج الكلام فى الموت إلى سبب ؟!..

بدا أنه يريد الفضفضة ، ينفس عن حصار يعانيه . يحدثنى عن الموت ، يتوقعه ، وإن تمنى أن يفاجئه . لا يدرى بمجيئه . ينام ، فلا يصحو . يأخذ شهيقاً ، فلا يلحقه بالزفير . جئنا إلى الحياة بإرادة الله ، ونخرج منها بإرادته . المهم ألاّ يواجه ما حفظه ـ لكثرة ترديده ـ من سكرات الموت . وكان يرفض ـ تنفيذاً لأوامر الطبيب ـ تناول أى طعام أو شراب بين الوجبات . بدا حذره الشديد من أخطار السمنة مناقضاً لتفكيره الدائم فى الموت ..

لاحظت تلفته فيما حوله ..

قلت :

ـ لم أنته من قراءة الصحف ..

كنت أقبل على صحف القاهرة ، أفيد من موادها لجريدتى . ألتهمها ، فلا أترك حرفاً . حتى صفحة الوفيات التى لم يكن يشغلنى ـ وأنا فى مصر ـ مجرد التطلع إليها ، كنت أتعرف إلى القرابات والنسب والعبارات التى يناجى بها الأحياء موتاهم ..

قلت بالتذكر :

ـ كنت أحلم بجريدة تستكتب أسماء مهمة .. وتباع فى كل المدن العربية ..

قال :

ـ هذا ما سيحدث بإذن الله ..

قلت :

ـ أنا أبدأ من الصفر ..

ونقرت بإصبعى على طرف المكتب :

ـ بالإضافة إلى مسئوليتى فى التخلص من السمعة السيئة للصحافة المحلية ..

وهززت رأسى :

ـ معظم الصحف تصدر فى أوقات متباعدة .. وتعتمد جميعها على القص واللصق ..

وتلون صوتى بحزن :

ـ كنت أفضل لو بدأت فى ظروف مختلفة .. لكن هذا ما حدث ..

وضغطت على الكلمات :

ـ قدمت للعمل فى جريدة تصدر عن مؤسسة مقاولات ..

وأشرت إلى ما حولى :

ـ هذه هى ..

قلت للشيخ النبهانى :

ـ ألاحظ أنك تعرف الكويت جيداً ..

قال الشيخ :

ـ عملت أعواماً فى بلدية الكويت ..

ووشى صوته بتأثره :

ـ الحنين إلى مسقط أكلنى ، فقررت العودة ..

روى لى عن عودة الآلاف من العمانيين . سافروا إلى مدن الخليج ومدن شرق إفريقيا . عادوا لمجرد إنهاء أعوام الغربة . ليس فى أذهانهم مهن ولا وظائف محددة . شغلتهم العودة فى ذاتها . مجرد أن يعودوا إلى حيث ولدوا وأمضوا أعواماً من حياتهم . حين سافروا بعيداً عن مسقط كانوا يدركون أن السفر بلا عودة . يستطيع المرء أن يسافر ، لكن عليه أن يبقى حيث رحل . من يريد الحياة فى السلطنة لا يتركها ، ولو للدراسة أو العلاج ..

قال عبد العال :

ـ لابد أن تتدرب هنا على ألفة كل شئ ..

ثم وهو ينتزع ضحكة :

ـ ربما توجد لافتة شركة مقاولات على دكان يبيع البقالة والأحذية وما لا يخطر على البال !..

وعض شفته السفلى ، وأفلتها :

ـ هذه مجرد تسميات !..

لاحظ الدشداشة المعلقة على مسمار فى الحائط . اشتريتها من سوق الظلام بمطرح . تعلمت من الشيخ النبهانى كيف أفك أزرارها ، وكيف أعطّر الشرشابة . تصورت أنى أنزل بها إلى الطريق . لكننى اعتبرتها منامة ، فلم ألبسها خارج حجرة النوم . توقعى للطرقات الخافتة ، كان يدفعنى إلى نزعها ، وارتداء البنطلون والقميص ..

قال :

ـ إن ارتداء هذا الشىء ينعكس على تفكير الإنسان ..

ـ هناك من يرتدون الزى الأوروبى وأفكارهم متخلفة ..

ـ ربما .. لكن المستحيل أن تظل ترتدى الدشداشة ، وتأمل فى أن تجاوز تفكير البيئة !

قلت :

ـ ألاحظ أن المجتمع العمانى كأنه يقتصر على الذكور ..

رفت على شفتيه ابتسامة غامضة :

ـ المرأة غير موجودة فى هذه المجتمعات ، أو أنها داخل البيوت !..

والتمعت عيناه بوميض التذكر :

ـ الشرطة أخذت زميلاً لنا من على باب عمان بلازا .. امتنعنا عن إلقاء الدروس حتى أفرجوا عنه ..

تكررت رؤيتى لسيارة الشرطة تضع مؤخرتها أمام باب السينما ، تلقف كل المغادرين لسينما عمان بلازا . جميعهم من الوافدين ، هنود وباكستانيون ولبنانيون وبنغاليون ومصريون وفلبينيون وجنسيات أخرى . يخضعون للتصنيف فى مركز الشرطة بالوطية . يظل فى مسقط من دخل عن طريق المطار ، ويعود إلى بلاده من قدم من مراكز الحدود . يثق فى قدرته على معرفة البلد الذى ينتسب إليه وافد يراه للمرة الأولى ، ولا يتبادل معه حديثاً من أى نوع . لا يحدد بواعث التخمين . هى روح ، أو صورة كلية ، بلا تفصيلات محددة ..

قلت :

ـ إنهم يعتبرون الإضرابات خطيئة مثل الكفر ..

ـ هل كنا نترك زميلنا فى الحبس ؟..

وأنا أدير كوب الشاى فى راحتى :

الحمد لله أن الأمر انتهى على خير ..

8 ـ

سرت فى شارع روى إلى نهايته . ملت إلى ناحيته المقابلة بالقرب من جامع السلطان قابوس . المبنى من طابقين . صعدت السلمات العشر إلى بوابته الخشبية . فتح لى الحارس العمانى . طالعتنى ردهة واسعة ، تحيط بها حجرات مفتوحة ، ومغلقة . وثمة سلم إلى اليسار ، يصعد إلى الطابق الثانى ، وطرقة مستطيلة ، على جانبيها حجرات ، وفى نهايتها نوافذ زجاجية عالية ، تطل على الشارع الجانبى ..

قال لى خميس المناعى :

ـ إذا لجأت إلى مركز الشئون الاجتماعية ، فستجد الكثير من الموضوعات لجريدتك ..

بدا لى ما قرأته كأنه دنيا السحر . دراسات أعدها باحثون من مصر والعراق والسلطنة . الموروث الذى لم يبدل ثباته توالى الأعوام : المعتقدات والعادات والتقاليد والحكايات التى يصعب تصديقها . أذهلتنى حكاية الزوجات تطول بأزواجهن أعوام الغربة فى بلاد الخليج . يأتى الطيف فى هدأة الليل ، يضاجع المرأة ، فتلد بعد تسعة أشهر . يتكرر الحمل والولادة ، ويبعث لها الزوج ـ فى كل مرة ـ اسم المولود ونفقته السنوية . نقل جامع ببهلا إلى نزوى ، عقاباً من الملائكة على ممارسة محرمة داخل الجامع . أعمال السحر التى تسخط الإنسان ، وتحيله حجراً أو صخرة أو شكلاً شائهاً ، أو تمسخه إلى سمك . وثيقة عقد الزواج بين ذكرين . حجرة الغلام المتفردة ، المطلة على الشارع ، فى البيوت القديمة ..

قلت لخميس المناعى :

ـ ألاحظ أن المرأة العمانية ترقص أمام الرجال .. ظاهرة خليجية نادرة ..

قال :

ـ بالعكس .. هذا ما يحدث فى الإمارات والبحرين والكويت ..

ثم تساءل كالمتذكر :

ـ هل شاهدت عرساً عمانياً ؟

ـ شاهدت التليفزيون !

***

ما كدت أدخل حجرة المكتب ، حتى تناهى صوت طرقات خفيفة على الباب الخارجى ..

أصخت السمع ، فعادت الطرقات واضحة ..

كنت قد اعتدت سماع نقرات أصابعها على الباب الخارجى . تعلو بها إن لم أفطن إليها فى مرات تالية . إذا دخلت حجرة المكتب طوحت حذاءها فوق الموكيت الأزرق . أستعد لزيارتها بتعمد الفوضى فى حجرة المكتب . أتوقع أنها ستعيد ترتيب الكتب والأوراق والأقلام . حتى الملابس التى تعمدت إلقاءها فى غير موضع ، وأترك الأشياء مهملة . أدرك أنها ستضعها فى أماكنها على الشماعة ، أو داخل الدولاب ، تجرى فيها بالترتيب أو النظافة . تملأنى النشوة لمجرد أنها تلامس أشيائى : ثيابى ، كتبى ، أوراقى ، كوب الشاى . أتأمل أصابعها وهى تلامس ما يخصنى . أتمنى ـ بينى وبين نفسى ـ لو أنها أذنت لى بتقبيل الأصابع المخروطة ، الجميلة . أرجو ابتسامتها المشفقة لتأثيرات الوحدة التى أعانيها ، وإن كنت أحرص على كى البنطلون والقميص ، ونظافة الحذاء . حتى النظارة الطبية أجرى عليها بقطعة قماش صغيرة ..

أثق أنها ستأتى . تصل إلى بيتها . تظل إلى المساء ، ثم تأتى . كنت أنشغل بانتقاء الكلمات التى سأقولها ، وترتيبها . تختلط الكلمات ـ عند مجيئها ـ وتتشابك ، أو أنسى ما أعددته تماماً . أغمغم بكلمات لا أتدبرها جيداً ، وإن حاولت التعبير عن الترحيب . ثم حرصت ألا أعد الكلمات التى سأقولها . أترك للكلمات عفويتها ، لا أتعمد اختيارها . أسأل وتجيب . تسأل وأجيب . نتناقش فيما يفرض نفسه ، أقرب إلى الدردشة أو الثرثرة . نمضى إلى طرق لا نختارها ..

شحبت صورة مها ، ذوت ، تلاشت . لم يعد إلا صورة زوينة تلازمنى . الملامح الطفولية تفرض نفسها ، الإيماءات والتصرفات والبسمة التى كأنما ألصقتها على شفتيها . أتصور كلاماً بينى وبينها ، أسئلة وأجوبة ، وأخذ ورد ، ورواية ما صادفه كل منا فى يومه ..

سألت بعفوية :

ـ لماذا صحبتنى من المطار ؟

قالت بسرعة كأنها تتوقع السؤال :

ـ بدوت مسكيناً وبلا حيلة ..

قفزت إلى ذهنى ـ لا أدرى لماذا ـ صورة بطل روايتى التى لم أتمها . بدا وحيداً ، ومحاصراً . أزمعت أن أوفر وقتاً ـ وسط انشغالى ـ أستكمل فيه روايتى الناقصة ..

لم أعد أقوم من مكانى وراء المكتب ، عندما تدفع ضلفة الباب الخارجى ، وأتبين وقع قدميها فوق الساحة الترابية . تقول : سلام ـ من باب الحجرة ـ وهى تتبين ـ بنظرة متأملة ـ ما أفعله . تميل إلى المطبخ ، فتأخذ بعض ما تحتاجه من الأرفف . أدرك أنها تمضى إلى الناحية المقابلة من تناهى صوتها : سلام ، وصرير مواربتها لضلفة الباب ..

كنت أعزّى نفسى ـ أمام شوقى كمال ـ بأنه رفيق غربة ، رفيق سفر . تصل علاقتنا إلى نهايتها عندما تهبط الطائرة فى المطار ..

قالت :

ـ لاحظت أن الباب ظل مغلقاً إلى ما بعد المغرب ..

وأنا أتظاهر بترتيب الأوراق فوق المكتب :

ـ أمضيت اليوم كله فى مركز الشئون الاجتماعية ..

وتنبهت لذبابة على أنفى . ذببتها بيدى ، وأردفت :

ـ كنز من المعلومات سأختار منه ما ترضى عنه الرقابة ..

وداخلنى إحساس بالمحاصرة :

ـ أخفقت ـ حتى الآن ـ فى كتابة تحقيق صحفى ..

ومططت شفتى فى ضيق :

ـ أصطدم بالفشل دائماً ..

ـ لماذا ؟

تحدثت عن جائزة التفوق التى صدر بها مرسوم سلطانى . يحصل عليها من يحقق تفوقاً فى مجالات الدراسة والبطولات الرياضية .. أزمعت أن يكون المرسوم السلطانى محوراً لأول تحقيق تقدمه الجريدة . صحبنى خميس المناعى إلى النادى الأهلى خارج مسقط القديمة . ساعدنى المناعى فى محاولة إقناعهم بأن يتحدثوا عن رأيهم فى المرسوم . لابد أن يكون ـ بالضرورة ـ رأياً إيجابياً . لكننى اصطدمت بحائط الاعتذار : هذه سياسة ، ولا شأن لنا بها !

قال خميس المناعى :

ـ لم ينس العمانيون نوبة الميرانى ، وأوامر السلطان سعيد التى حرمتهم حتى من ارتداء الأحذية ..

قلت :

ـ وكيف أصنع صحافة ؟

ـ اتبع سياسة الخطوة خطوة ..

ـ أخشى أن أظل محلك سر !

قالت زوينة :

ـ أنت رأيت أزقة مسقط القديمة ؟..

ـ طبعاً ..

ـ هذه هى زنجبار .. البيوت القديمة المتلاصقة والشوارع القديمة والدشداشة والكمّة والقلاع .. حتى الأبواب تذكرك بأبواب مسقط ..

مدّت يدها بلفة صغيرة من الورق :

ـ خذ هذه ..

دهمنى ارتباك حين فاجأت نظرتى المتسللة . كنت أتأمل شرودها فيما لا أتبينه ..

ـ ماذا ؟..

ـ عشاء خفيف ..

وأنا أربت صدرى :

ـ تعشيت ..

ـ أخى سيف .. سمع عم حمود صاحب السوبر ماركيت وهو يعتذر بعدم وجود ما طلبته ..

غمرنى إحساس بالنشوة أن أجد من يعنى بأمرى . فطنت أنى ـ ربما للمرة الأولى ـ أرنو إلى منبت النهدين . داهمنى ارتباك ، فأدرت وجهى إلى الناحية المقابلة ..

أضافت كالمتذكرة :

ـ كنت الابنة الوحيدة ثلاثة عشر عاماً .. ثم جاء سيف .. ولدته أمى بعد عامين من قدومنا إلى مسقط ..

واتسعت ابتسامتها :

ـ قال أبى إنها غلطة .. وأعتبرها غلطة جميلة ، فأنا أحبه !..

ثم وهى تغمز بعينها :

ـ لعلهما أرادا تأكيد انتمائهما إلى الوطن الجديد ..

قلت :

ـ بدا السوبر ماركيت ـ هذه الليلة ـ شبه خال ..

وهى تضحك :

ـ رجال الفرق الوطنية نزلوا على المحال .. قالوا : نحن خدم السلطان .. وأخذوا ما وصلت إليه أيديهم ومضوا ..

اعتدت رؤية الفرق الوطنية فى شوارع روى ومطرح . عشرات من الرجال ، عراة الصدور . يرتدون الوزارات المزركشة الألوان من الخصر إلى ما تحت الركبة . يحملون البنادق والسيوف الصغيرة والخناجر والعصى . ينشدون أغنيات ، فسّرت غموض كلماتها بأنها من الشعر النبطى . قال لى الشيخ النبهانى إنهم من الخارجين عن جبهة تحرير ظفار . أعلنوا استسلامهم ، وتحولوا ـ بعفو السلطان وهباته ـ إلى أهم المساندين للحكم فى ظفار ، أو المنطقة الجنوبية ..

كنت أتأمل جرأتها : الطرقات الخافتة ، ودخولها البيت ، ونزع حذائها ، وتنقلها بين حجرة المكتب والمطبخ والحمام . تبدو تصرفاتها غريبة فى مجتمع الرجال الذى تنتمى إليه ، وإن لم يعد فى وسعى أن أتصور عناقها . الحائط غير المرئى الذى تقف خلفه ، يفصل بيننا ، والبساطة التى تتحرك ـ وتتكلم ـ بها ، تلغى ما قد يثور فى داخلى من تصورات . يداخلنى اليأس حين أطيل النظر فى عينيها ، فتأتى الاستجابة كما فى عين السمكة ..

تعثّرت فى وقفتها على السلم ، وهى تجرى بالمنفضة على الكتب . احتضنت ساقيها بتلقائية . مالت على كتفى حتى نزلت إلى الأرض . غالبت الارتباك ، وأنا ألمح الحمرة فى خدّها ، وهى تميل بوجهها إلى الناحية المقابلة ..

لم يكن بوسعى أن أخمن ماذا تخفى ابتسامتها الطفلة وعيناها الملتمعتان . لا أعرف ماذا يمور فى داخلها . كانت رؤيتى لها تتعدد فى اللحظة الواحدة . تهبنى شعوراً بالسهولة ، فأتصورها ثمرة تلامس أطراف أصابعى . تحدثنى فى ود طيب ، فأبتسم لصور من قعداتى مع أمى وأخوتى ، وتومض عيناها بما يصعب علىّ فهمه أو تفسيره . أدرك أنى أجلس إلى فتاة من مجتمع يمارس حياة غير التى ألفتها . كنت أعود فى اختلاط اللحظات ، وتشابكها ، إلى الحدة التى واجهت بها خطأ فهمى . يهمّنى ألاّ تغيب ثانية ، وربما ذهبت فلا تعود . تعيد ترتيب ما أتعمد إفساده . تفاجئنى بالسؤال عن أشياء تخصّنى ، ولا أتصور أنها لاحظتها : الكلمات الناقصة فى ورقة فوق المكتب ، الكتاب الذى طويت آخر صفحة قرأتها فيه ، إيصال مغسلة الثياب ، تأخر المطبعة فى طباعة الجريدة . تفاجئنى بأسئلة عما أتصوره بلا قيمة وتافهاً . يبدو عليها التأثر وهى تنصت إلى ملاحظاتى . تخلع حذاءها . تتربع على الكنبة قبالة المكتب . تضع ذقنها فى يدها ، أو تداعب بيدها أصابع قدميها ، وتتكلم . تشرق وتغرب . تسأل ، أو تنصت . تقاطع أجوبتى . تعبر بملامح وجهها وحركات يديها . ربما وقفت على رأسى وأنا أكتب ، أو أخطط ، صفحات الجريدة ، أو ألصق الأعمدة والصور . يلامس ذراعها يدى . صارحتنى باستيائها من النظرة المتعالية التى يواجهها بها العمانيون من مواليد الوطن الأم ، كأنها الاستهانة أو الاحتقار . نحن أتينا من زنجبار ، فنحن زنوج ، والزنوج ـ لا أدرى سر هذه النظرة ـ جنس أدنى !

فاجأنى تغيّر سحنتها لما أشرت إلى ظاهرة الخدم الآسيويين :

ـ أنت تلمّح إلى ما يعيب ..

ـ أتكلم عن ظاهرة سلبية ..

ـ الخدم موجودون فى كل الدنيا .. لماذا يتحولون هنا إلى ظاهرة سلبية ؟!..

رحت أتأمل الوجه الملائكى ، والملامح الطفولية ، والعينين الواسعتين ، البريئتين . تمنيت لو أنى احتضنتها ، ودسست رأسها فى صدرى . أهمس ، وأصرخ ، بأنها الواحة التى ظللتنى فى هجير شمس مسقط ..

أزمعت أن يكون ذلك كذلك . لا أقرأ ما بين السطور ، ولا أحاول فتح الحجرة الواحدة والأربعين ، ولا أجهد نفسى فى التطلع إلى ما وراء الأفق ..

توالت الأسئلة : هل أحبها بالفعل ؟ أو أن ما أحسه نحوها مجرد رغبة تريد البوح ؟ هل الشعور بالوحدة هو الذى أملى الإحساس بأنها تحبنى ، وأنى أحبها ؟ هل تشغل فى حياتى موضع مها ؟ وهل تنتهى علاقتى بها بعودة علاقتى بمها إلى ما كانت عليه ؟

لم أصل إلى أجوبة محددة ، وإن أيقنت أن هذه الفتاة السمراء ، الطفلة الملامح والتصرفات ، هى فتاتى التى أحبها . أتأهب للنوم . أغمض عينى على صورتها . تطالعنى فى رؤى متغيرة حتى أصحو . هى أول من أفتح عينى عليه ..

أفكر فى أن أشغل نفسى بأمى وأبى وأخوتى ومها ، وما خلفته من عمل فى القاهرة . ما تلبث الصور التى استدعيتها أن تذوى ، تتلاشى . تحل ـ بدلاً منها ـ صورة زوينة ، تتحرك ، تتكلم ، تضحك ، تسأل ، تملأ مساحة الذهن فلا يملأها سواها ..

كانت المناقشات تستغرقنا ، لا تترك فرصة كى يبوح أحدنا بمشاعره نحو الآخر . ألمح نظرات عينيها . أخمن ما تحملانه ، وكنت أفر بعينى منهما . صرت على ثقة أن الطريق مسدودة . شئ فى ملامحها البريئة يصدنى عن التقدم فى خطوة غير محسوبة . تشوّش إحساسى بالوحدة . لم يعد بمثل القسوة التى آلمتنى كثيراً ، لكننى ظللت وحيداً ..

لحظات الوحدة كثيرة ، ومتواصلة ، لكننى لا أشعر بالعزلة . لا أشعر بالوحدة التى أحياها . ترافقنى صورة زوينة وتعبيراتها وإيماءاتها وتصرفاتها العفوية . ربما أكتشف البسمة تطفر على شفتى بالموقف الذى أستعيده ..

هذه هى واحتى الظليلة . لا صلة لها بما أحياه فى القاهرة أو مسقط . لا صلة لها بشخصيات أعرفها ، أو ألتقى بها ..

أنا لا أتصور الحياة بدونها ..