6
رجل الهامش
أنت إذا دلفت إلى دار الكتب المصرية، أو إلى دور الآثار العامة، أو قصدت بيوت الوراقين
المنبثة في نواحي القاهرة؛ لرأيت رجلًا يمشيمزورٍّا متأرجحًا كأنما تدهمه ريح قوية تلفه
لفٍّا.
أو لو طالعت وجه هذا المتردد لرأيته خليطًا بين صفرة فاقعة ودُهْمَة قاتمة.
فلو بُعث رمسيس الثاني المندرج في تابوته الزجاجي الذي كان يُشاهد من أعوام
قليلة في دار الآثار المصرية، لما كان غير صحافينا العجوز.
وإنك لفي حيرة من أمر هذا العجوز المتصابي، إذا جلست في مجالس الخاصة وقد
طرقها بصيحة مكتومة تسمعها قبل أن تراه، وكان حديث القوم في التاريخ وعبره وقد
استغلقت على المتناظرين شعبة من شعبه حتى نفضوا أيديهم، وعلتهم السكتة التي
تصيب المُناظر عقب إعيائه.
فهناك يتدفق رجل الهامش، ويفتح المستغلق، ويُربي على ما تريده الجماعة.
وإذا كنت من أصحاب السماع والمشغوفين به، وقد ملك عليك حواسك صوت منيرة
المهدية أو أم كلثوم أو المرحومة توحيدة أو بمبة كشر أو الحاجة السوسية أو ألمظ أو
غيرهن من أهل الفن حديثًا وقديمًا، وأردت أن تتقصىسيرهن ومنشأهن، ومن هن ولمن
ينتسبن؛ لم تجد من يشفي لك هذه الغُلَّة الحادثة إلا هذا القديم العجوز كأنه كان قابلة
لكل منهن.
وإن أنت أيضًا ساقتك الحاجة إلى حارة السقايين، أو درب الميضة، أو الهياتم، أو ما
شئت من الأحياء القديمة المندثرة، ثم لمحت هناك طللًا قائمًا ينبئ عن عزٍّ قديم، أو مجدٍ
فارط مندثر، وأردت أن تستفسره؛ لأجابك بلسان هذا الرجل الذي يعدد لك ساكنيه الذين
حلُّوه، وكيف كان طعامهم، وشرابهم، ومراكبهم، ونزههم، ومجالس لهوهم.
أبو جلدة وآخرون
وإذا راعتك حادثة المنشاوي باشا، وكيف سُجن هذا العين من أعيان القطر، لحدثك
عنها كأنه أحد المجلودين بسوطه.
وإن أردت أن تستطلع طَلْع مأساة دنشواي لسرد لك من دقائقها وخفاياها ما
يبهرك، حتى تخاله أنه كان من حَمَلة آلات الصيد الذين رافقوا الضباط في هذه الواقعة،
أو أحد هؤلاء البؤساء الذين دافعوا عن قوت يومهم فكان نصيبهم الشنق!
فهو في كل مكان، وفي كلشيء، ومع كل حادثة، كأنه رسول القدر أو بريد الزمن.
رافق المكاري في حادثة المالطي يوم حريق الإسكندرية.
وصاحب عرابي يوم سكنه قصرالنيل.
وزامل المفتش في نكبته.
وتغدَّى مع المماليك في القلعة.
وحمل المشاعل في أفراح الأنجال.
وحضرمقتل عباس الأول في بنها.
عاشرالأباظية في الزقازيق، وخالط عائلة حمودة في برما، ونزل على بيت أبي حسين
في المنوفية.
ورحل إلى محفوظ في الحواتكة.
وتوثق من ولد سليمان في ساحل سليم.
وحمل عدَّة الختان للمطاهر.
وعرف ما يعرفه باعة اللب أين يسهر عبده وعثمان.
واعتلى خشبة المسرح مع القرداحي.
وحمل عصا الفَتْوَنة لمحمود الحكيم.
وطيب لألمظ.
وضرب النقرزان مع أهل الصُّهْبة.
ورافق المجاذيب في الدوسة.
يعرف بوظة الشجرة ومنشأها، وحانة العنبة ومنبتها، وبار السلسلة وزبائنه.
فهو رجل غريب حقٍّا وضع أنفه في كلشيء، ومشىمع كل حادثة، مرة في السعادية
بإسطنبول، وأخرى في كامب يوغسلافيا، وثانية في حلقة للذكر، وثالثة في حفلة جابنيوت.
وها هو الكتاب، الذي نقدمه إلى قراء العربية، لسان يصيح بما سطرناه آنفًا، جال فيه
صحافينا العجوز بين مواضع كثيرة وراد مجالس لم تخطر لأديب أو لمؤرخ على بال.