8

6 0 00

8

رجل الهامش

وأعجب العجب لهذا الخاطر الذي تراه يتنقل في كهوف اللصوص وراء أبو جلدة

والعرميط، ويقتص الأثر بخبرة كلب الصيد الذي ربما جاوز خبرة كلاب اسكتلنديارد

التي فشلت في مطاردة هذين اللصين الخطيرين.

والذي يدخل بك بعد ذلك في أخص حياة المغنية توحيدة بلبل ألف ليلة من سنين

مضت.

ويروعك هذا الفكر العجيب عندما يطالعك بدقائق حياة اللورد جراي الخصوصية،

ويبسط أمامك كيف أن هذا الرجل السياسيالعظيم كان مولعًا بالطير والحيوان وإن قد

شُغْف بهما أيما شغف.

ولم يلبث فكر هذا الصحافي العجوز الذي يشبه رياح الموسم في مارس وأبريل أن

يتنقل بك إلى التاريخ اليوناني في حياة ديوجنس وقنديله.

وعند تصفحك هذا الكتاب العجيب الذي يجمع النقيضين ويضم بين الحار والبارد،

والماء والنار، والفسيخ والشربات، على حد تعبير هذا العجوز؛ تعجب وهو يدخل بك في

ظُلَّة للمرحوم عزت صقر، وقد جلس للمنادمة مع عصبة الزجالين والأدباء وأهل النكتة

من ظرفاء الأدباء؛ كيف أن هذا الرجل كان دقيق الوصف حلو السياق!

ولم تقعد السن بمؤلفنا عن زيارة حلوان، وقد جلس إلى مائدة الأستاذ محمد خليل

راشد، ولم يُثْنِه العيش والملح عن التشنيع بالرجل والهُزْء بخلوته العلمية الهادئة.

وما أظرف النكتة التي غلبت صحافينا العجوز، وهو يعرض سيرة المرحوم حسن

حسين الموظف السابق بقلم المطبوعات، والذي أصبح اليوم في غير هذه الدنيا، كيف يدس

السم في الدسم! فبينما هو يعلو بالرجل في عصاميته إلى الذروة العليا إذا به ينحدر بخبث

الظريف الماكر إلى شحٍّ كان يلازم صاحب الترجمة جاوز أبطال الجاحظ في بخلائه.

وفي الحق أن صاحبنا منصف الإنصاف كله، إذا كتب عن رجل مثل محمود خاطر

بك أو المرحوم شيرين بك، فقد وفىَّ هذين الرجلين الكريمين حقهما من الثناء والتنويه.

وأنا جد عاجز لو جلوت كلَّ طُرف هذا الكتاب النادر، واستعجلت القارئ على أن

يستوعب محتوياته في هذه التقدمة المتواضعة.

وللكتاب، كما لكل ما يسوقه صحافينا العجوز من قصص وأخبار، أسلوب فريد

وحده لا أظن أنه ينسج فيه على منوال متقدم أو معاصر.

فإذا تصفحت بعض ما يكتب هذا الرجل في أي صحيفة سيارة وكان المقال غُفْلًا

من الإمضاء، لمَا عدوتَه بالظن ولو كانت الصحيفة أم القرى.