(3)

5 0 00

(3)

من الصعب أن أتخيل شارع عزيز دون ستنا، ومن المستحيل أن أتخيل الشارع الآن دون فاروق، وكأن الزمن أراد أن يعلمني درسًا لن أتعلمه قط..

كنت صغيرًا يا ستنا يوم مات منصور وأنت تعلمين، ولم أكن أستطيع أن أكون مثله أو أقف مدافعًا عنه أمام أخيه.. هل كنت مثلك يا ستنا أهوى الفرجة من بعيد لبعيد.. للآن أتساءل لماذا؟ لماذا فاروق بالذات؟!!

قبضت أول مرتب لي منذ شهور من الحاجة صحبة المحل الذي أعمل فيه ليلا، بينما كنت أعمل بالقطعة في صحيفة متواضعة، ملت في طريق عودتي على عم "ذكري" البقال.. طلبت علبتين من السجائر السوبر التي أعرف أنك تحبين تدخينها يا ستنا.. أقبلت عليكِ وأنتِ في جلستك التي لم يغيرها الزمن، ملت على يدك قبلتها.. وضعت العلبتين في حجرك.. ابتسمتِ ليّ.. قلتُ في بساطة: أول مرتب..

ضحكتُ وأنتِ تقولين جملتك الشهيرة.. ابتسمتُ لك.. ملتِ على رأسي وداعبتها بيدك في حنان.. قلتُ: لم يعد في رأسي قمل يا ستنا ماذا تفعلين؟

كلمتيني بلغتي التي أصر أن تكون فصحى: "ومن قال إن القمل هرب من رأسك.. القمل دخل للداخل.. هو في عقلك الآن..داخل جمجمتك يسكن وليس في شعرك.."

أكره الفصحى لأنها لم تصرخ في وجهك وقتها: "عيب يا ستنا "..

حاولت أن أنصرف من أمامك آنذاك..سمعت صوتك عاليا "بيقولوا أنك بتكتب حكاوي في الجرانين.. أوعى تكون بتجيب سيرتي يا نكسة "..

أهزّ رأسي أن لا.. وتهزّ هي رأسها قبل أن تخرج سيجارة وتشعلها..

أقابل كمال على أول الشارع يحمل تحت إبطه جريدة.. يضحك في وجهي وهو يقول: "يا أديب قصتك حلوة الأسبوع ده.."

أسلم عليه وأنا أقول:

" أنا مش أديب يا عم كمال.. "

يضحك وهو يقول:

" أديب غصب عن الطخين.. أخبارك إيه "

- الحمد لله يا عم كمال ماشية..

أتركه ليمضي في طريقه، ثم يلتفت برأسه للخلف فجأة وهو يناديني "أنت كنت عند ستنا "؟

أهز رأسي وأواصل المشي..

ألمح الدور الثاني في عمارة فاروق، وألمحها واقفة تنظر لي تلك النظرة التي لم تتغير منذ سنوات.. إنها إيمان.. البنت الثالثة لفاروق.. تصغرني بخمس سنوات أو أكثر.. ملامحها تختلف كليّا عن أخواتها.. منذ سبع سنوات تقريبا وأنا في بداية مرحلة الجامعة رأيت تلك النظرة لأول مرة.. نظرة تفيض وتزيد.. نظرة تأخذك إلى عالم سحري إذ استسلمت لها، ولكنني لم أكن أرغب قط في الاستسلام.. بيت فاروق وما به خارج عن حدود تفكيري وعقلي.. برغم أنه يحتل تفكيري وعقلي.. لا أجد تفسيرًا لهذا صدقوني!!

حاولت منذ أن رأيت موت منصور أمام بيت فاروق أن أرفض البيت.. أراه من بعيد كشبح يجثم على أول الشارع، أتجنبه، وأتجنب أن تأخذني قدمي إلى رصيفه.. أبلع ابتسامة تريد أن تنفر على وجهي.. كنفر الحمار..

تهبط عيناي للأرض وكأنهما تبحثان عن ضالة أخرى لهما بعيدا عن بيت فاروق..

ألمحه جالسا، كما هو منذ سنوات بعيدة أيضا.. عم الضوي.. لم أره شابًا قط.. طوال حياتي وأنا ألمح عم الضوي - في مكانه هذا - عجوزا أصلع الرأس، يركن بجواره مقشة من الخوص.. يقوم صباحًا قبل أي شخص في الشارع.. يأخذ الشارع من أوله لآخره كنيسًا، وكأنه حكم عسكري عليه، ثم يرش الماء أمام بيته وأمام بعض البيوت التي يرى في أصحابها الخير وهو يقول جملته الشهيرة: العفرة دي عمرها ما هتخلص.. الضوي بجسده النحيل ونشاطه غير الطبيعي، أرمي عليه السلام وأنا أمشي..

أسمعه يقول لي:

- صحبك هيتجوز كمان أسبوعين..

أرد عليه وأنا أسير:

- عقبى لك يا عم الضوي..

يضحك ضحكة غريبة..وهو يقوم ليقف في وجهي:

" معملنهاش وإحنا شباب صغير نعملها وإحنا قربنا نجيب السبعين.."

أقف وأربت على كتفه وأنا أقول:

" حد قالك تحب ستنا؟ "

يضحك أكثر وأكثر وهو يقول:

" شايفك جاي من عندها.. هاه كنت عايز منها إيه؟ "

- ولا حاجة يا عم الضوي.. كنت جايب لها هدية..

- أوعى تكون يا واد بتفكر تجوز ستنا!

ترتفع ضحكاتنا سويا، قبل أن يقول:

" خير اللهم اجعله خير.. متنساش فرح صحبك.. خد امسك من إيدي.. ملبس زي زمان ولا كبرت علينا مد إيدك.. أيوة كدة متكسفش.. متنساش بقى فرح صاحبك".

- مش هنسى يا عم الضوي.. سلام..

لا أعرف كيف انتهى الأمر بتلك الصورة، صعدت إلى شقتي.. منذ أربع سنوات تقريبًا وأنا أعيش وحيدًا بعدما أصر أبي أن يغادر الدنيا بعقله.. وأن يذهب إلى دنيا المجاذيب. برغم أنني سمعت أنه من الذين عشقوا ستنا، ولكنني كنت أرفض أن أضع أمي في مكان ستنا أو في مقابلة بينهما، أمي التي كانت بالنسبة لي كالماء والهواء، والتي ذهبت هي الأخرى هناك حيث لا عودة.. أبي ذهب بعقله لعالم آخر.. وأمي ذهبت بالموت.. الطفولة هي الشيء الوحيد الذي بقى لي الآن..أحاول أن أحافظ عليه قدر استطاعتي.. أحاول أن أظل طفلا أرى الحياة بنفس العين.. عين طفل.. شارع عزيز.. لا أعرف متى رميت نفسي على السرير وغطست في النوم..

الصراخ الذي تعالى في الشارع، والذي جذبني من على سريري جذبا لأرمي بجسدي في الشرفة وعيني على الشارع والصراخ المتزايد الرهيب.. أريد أن أسأل ماذا حدث، ولكن الكلمات تقف في حلقي، أرى عم مرقس يقطع الشارع في اتجاه بيت عم الضوي، في ملابس النوم وهو يجر شبشبه في قدمه، أريد أن أقف فوق رؤوس الجميع متسائلا ما الذي يجري، ولكن الصراخ والخبطات العشوائية على باب عم الضوي، كانت ترد الكلمات في صدري.. بعدها بلحظات لمحته، جابر صبي المقهى، ولمحني هو أيضًا، فقال وهو يشير لبيت فاروق، قائلا:

"عمك الضوي اتقتل يا فنان.. "

أصرخ فيه من فوق:

"بتقول إيه؟!"

يعيد كلامه بصوته العالي:

" عمك الضوي اتقتل والقاتل نط على سطح بيت فاروق.. "

كدت أن أتهاوى في مكاني، من الذي يقتل عم الضوي ولماذا؟!، لماذا اليوم بالذات؟!

كان آخر شخص تكلمت معه اليوم قبل أن أصعد لشقتي، هل؟! لا أستطيع أن أسأل نفسي هذا السؤال..

وقفت في مكاني ويدي تقبض على سور الشرفة، وعيناي تتطلعان إلى بيت فاروق، أرى إيمان تقف في نافذة غرفتها تلمحني وألمحها، نظراتها ترتجف، ونظراتي تخونني، لماذا اختار القاتل سطح بيتكم يا إيمان. لماذا؟!

أسمع صوت "سرينة البوليس".. وصوت عالٍ يتردد "البوليس جه..البوليس جه"..

وأصوات تتردد بصوت عالٍ:

- متخافوش مهربش..

- حد يلحق عم الضوي يمكن فيه نفس يا خلق!

- يا عم عمك الضوي شبع موت..

- الواد ادهاله في مقتل..

- الواد مقلع عمك الضوي هدومه كلها..

- هو قتله ليه..

- محدش يتحرك أحنا هنجيبه..

- أهوه ابن الكلب أهوه مسكوه..

- يا ابن الكلب..

- حرام ده شكله شاب كويس والله..

- عملت ليه كده يا ابني الله يخرب بيتك..

- حد بس يروح يبلغ أخت عم الضوي اللي حصل..

- يا عم ده تروح فيها..

- وبعدين هي بتمشي أصلا ده رجليها مقطوعة..

- هتعمل ايه الست الغلبانة دي؟

- بس الواد قتله ليه؟

- حد عارف حاجة..

- ياللا يا اخونا كل واحد يخش بيته مش عايز تجمهر..

.. صوت ضابط شاب زاعق جعل الجميع يتراجع ليتابع من بعيد..

تبدأ الأصوات تخفت وتختفي، ولا يبقى سوى حفيف هواء ساخن يهز أوراق شجرة مائلة في حديقة بيت فاروق.. ألمح إيمان ما تزال تقف في نافذة غرفتها.. أعود للداخل وأغلق الشيش..لثاني مرة تغرق الدماء شارع عزيز..أتهالك في مكاني..

وصوت الضوي في إذني يتردد مدويا: "متنساش فرح صحبك "..

***