(1)

8 0 00

(1)

التماس الكلام فعل فاضح بالنسبة لها، لم تعتد أن تلتمس الكلام لدى الآخرين دوما تميل للصمت، ويخرج ما في قلبها دائما بعبارة واحدة تتكرر بألف صورة وبألف معنى، ولكنها دوما نفس العبارة التي كتبتها على جدران صالة البيت القديم، حيث كانت تعيش في بداية حياتها..

كتبت العبارة التي دوما كنا نرددها أمامها عندما نمر ونحن أطفال صغار.

لا، من الصعب أن أتذكر كل نطق للعبارة؛ لأنها دوما تختلف من زاوية رؤية لأخرى.

بعضنا يرى أنها نوع من التقديس الخاص للحياة، وآخرون منا يرون أنها مجرد هذيان من سيدة تخطت السبعين بسنوات.

وكان يجب عليها أن تلحق قطار الرحيل الذي مر دونها، فجلست لسنوات أخرى أمام بيتها منتظرة أن يمر القطار مرة أخرى، ولكن بطريق الصواب والخطأ في تفكيرنا لم يمر قطار الرحيل عليها لسنوات طويلة.

ظللنا ندرسها، وندرس عبارتها الشهيرة المرسومة أحيانا في الفضاء أمامنا، وكأنها نقش ثابت للحياة، لم تمر بنا السنوات كما مرت عليها هي بالطبع، اسمها لم يكن يعنيني بقدر أهمية قصتها لنا نحن أبناء شارع عزيز..

ذلك الشارع الذي أخذ مكسبه الحقيقي بالاسم فقط، ولكن وسط دوره وعماراته وشققه يقع أفظع ما يدل أننا شارع ذليل، ولكن الحي أخطأ في تسمية الشارع كما أخطأ أهلونا أحيانا في اختيار أسماء جادة ومناسبة لنا نحن أبناء شارع عزيز، أقسم لك أننا نختلف جوهريا ونفسيا عن أي شيء في هذا الوطن المحبوس بين أنفاسه البشر، احتمال بسيط أن تغادر ستنا -كما نطلق عليها دوما - شارع عزيز.. ربما كانت مغادرتها الشارع إحدى العلامات المستحيل.ة

إننا نستحق بجدارة اسم شارعنا الذي عشنا سنوات طويلة ننتمي إليه وينتمي إلينا، ولكن الحقيقة أن ستنا لم يكن يشغلها سوى تلك العبارة العجائبية التي كانت دائمة النطق لها بدرجة تثير أعصابنا أحيانا .

عندما ارتميت في حضن ستنا وأنا في الرابعة من العمر خائفا مرتعشًا من أن يضربني أولاد بيومي.. ملست على رأسي، وهي تقول عبارتها التي لم أفهمها وقتها، وربما لم أفهمها للآن.. ولكنني أحسست بدفء الحضن، وبدرجة تماسك عضلات صدرها في وقتها، شعرت بأنفاسها تعطر وجهي، وهي تضع قبلة على جبيني، ربما ما زلت أستمتع بملمسها للآن.

نحن أبناء شارع عزيز نختلف كليّا كما قلت لك، وربما أورثتنا المنطقة رفضها للأحوال بصورة أو بأخرى..

لا أعلم إن كان يصح أن أحكي عن ستنا الآن وهي في هذا السن!

وهل كانت ستقبل أن يقوم مجنون مثلي بالحكي عنها في لوثة كتابة محمومة؟!

ولكن ستنا كانت تختلف.. هذا ما أعلمه وما يعلمه حسن الشايب، وبيرم التونسي الذي أسماه والده تيمنا بشاعر لم أكن أعرفه وقتها، ولكنهم كانوا يقولون إنه بيرم..

بيرم التونسي الذي ولد في شارع عزيز اختلف جوهريًا عن الشاعر، فقد ولد بلطجيا.. قبضاي.. بيرم الذي اصطلحنا بعد مدة على تغيير اسمه إلى بارم، حتى نهرب من كلفة الاهتمام بالشعر والشعراء، والذي انتهى وقته في الشارع بعد أن رشق سكينة في قلب شاب في خناقة فارغة، لم أر الخناقة وقتها، ولم أتصور أن هناك شخصًا يقتل آخر في خناقة من أجل لا شيء.. عقلي الصغير لم يستوعب وقتها معنى القتل، وظنه حكاية من حكايات الأساطير التي كانت تحكيها لي ستنا كثيرا..تلك الحكايات التي غرمت بها لسنوات؛ أبو زيد الهلالي والجازية وعنترة.. علي الزيبق.. لا أعرف كيف كانت ستنا تحفظ كل هذه الحكايات وتعرف شخصياتها لدرجة مذهلة، لا تخطئ في أن تضع شخصية مكان أخرى أبدا.. دائما البطل يفوز، فهل كان ذلك الفتوة بطلا أم قاتلا؟

الوحيدة التي رأت الواقعة وحكت لي بالتفصيل فيما بعد هي ستنا.. كوب من الشاي، وسيجارة، وقمر نصف مكتمل، كل هذا يغري ستنا بالحكي..وكيل النيابة لم يطلبها للقسم، جاء إليها وأخذ أقوالها احتراما لها ولسنها..

ستنا.. هذه السيدة التي لم نكن نعرف إلا أنها ستنا فقط.. برغم أنها لم يكن لها إلاّ وليد واحد كما عرفت بعدها، قيل إنه مات في النكسة، ووسط لهيب صحراء كرهت أولادها في ذلك التاريخ..

لم تكن معرفتي بالنكسة نفسها ذات أهمية خاصة، فكل ما أعرفه أنها نكسة.

كانت أمي تقول دوما "جيت بعد النكسة بيوم" كأنني كنت المسؤول الأول عن هذه النكسة..

ربما وأنا في الرابعة أو الخامسة لم أكن اهتم بتلك التسمية الغريبة، التي غيرت اسمي من ميلاد.. إلى ابن النكسة، وكأنني ولدت لتلحق تلك النكسة باسمي مدى الحياة..

ربما لهذا كرهت عبد الناصر..لن أخجل أن أقولها إنني كنت أكره هذا الرجل بكل ما في قلبي من شر آنذاك؛ لأن اسمي أصبح مرتبطًا به دون ذنب أو جريرة سوى أنني ولدت بعد ليلة ضحى هو فيها بشعب كامل من أجل غرور مزيف، هكذا تصورت حينها..

قرأت عنه كثيرًا لدرجة أدهشتني شخصيًا عندما كبرت.. أحببته.. قلت لنفسي وقتها: عبد الناصر كان زعيمًا سياسيًا، كان قلب الوطن، كان يريد للناس أن تعيش وللشعب أن يأكل، عبد الناصر جاء بأخلاق جديدة وأنه غير السادات، ولكنني دوما أعود لأرى النكسة، فلا أغفر له أبدا!

وأقول لنفسي: من المستحيل أن أسامح في دم، وما كان بيني وبين ناصر من كره كان ميراث دم..

شارع عزيز يختلف كما قلت لك، فلا داعي لأكرر الكلمة عدة مرات، ولكن ستنا دوما كانت تحب ناصر..

يوما سألتها وأنا أخطو من الابتدائي للإعدادي.. "العيال بيقولوا وينادوا علي يا نكسة"..

ضحكت وقالت: "متكنش زيهم مش فاهم.. أنا هنا في شارع عزيز لأن ناصر هو اللي جبني هنا.. ناصر اللي حاول يعمل من الفلاحين عمال.. ناصر.. بس أنت مش هتفهم حاجة أنت صحيح نكسة.. بس برضه أنت مش السبب.. روح لأمك.."

وقتها لم يكن يهمني كلام ستنا في شيء، ولم يكن يهمني ناصر في شيء.. ناصر يا حرية.. ناصر يا وطنية.. شعب تعود أن يذل نفسه وينافق.. شعب تعود الزلل من الصعب أن تقوم به.. كان يهمني من ناصر أنه أكسبني اسما لا أحبه..

كمال.. كمال هو الوحيد الذي كنت أأتمنه على أسراري.. كنت أخاف أن أقول إنني أكره ناصر.. ولكنني كنت أقولها لكمال.. كان يضحك وقتها.."لا تتخذ من ناصر عدوا لك.. ستنغص حياتك طوال عمرك دون سبب..حاول أن تتخيل شارع عزيز دون أبنائه، هل تستطيع.. دع ناصر فلقد مات واستراح.. وأنت أيضا ستموت إذا أصررت أن تأخذه عدوا.."

الشيء الوحيد الذي لم أفهمه لوقتنا هذا، منْ يصدق منْ في شارع عزيز؟!

شارع عزيز شارع واسع مرصوف.. على جانبيه دور وعمارات..

أول عمارة تراها هي عمارة فاروق.. تلك التي كانت قبل سنوات عديدة خرابة يسكنها الكلاب.. والخفافيش.. والبوم..

لكن منذ سنوات بعيدة.. أتذكر منظر ستنا وهي تجلس على أول الشارع، وأمامها "ببور جاز " تعطي له نفسًا؛ فيزفر أنفاسه ذات الرائحة المميزة، وقتها كنت ألعب كرة شراب، وحدي أخبط الكرة في الحائط فترتد، تنظر لي ستنا تلك النظرة المتوعدة، بمعنى "أنت منمتش ليه لدلوقتي".

ولكنني أضحك في وجهها، فتبتسم، وقتها رأيت فاروق لأول مرة.. رجل في الثلاثين أو ما فوقها بقليل، يدخل الشارع وهو يحمل على كتفه "غلق وشكارة وقدوم ومنخل سلك"، أتذكر منظره وكأنه اليوم.. رأته ستنا فنظرت إليه بتعجب..

لم يكن شارع عزيز من الشوارع التي تستجدي البشر..لا ليس هذا المعنى الذي أقصده، لم يكن شارع عزيز من الشوارع التي تجذب البشر، وليس هذا المعنى أيضا.. ليكن!

ولكنني وقتها رأيت نظرة ستنا له، وهو يركن ما يحمله على ظهره، ويركن ظهره نفسه إلى حائط "الخرابة".. التي أصبحت الآن عمارة تسعة أدوار.. وأصبح اسمها عمارة فاروق.. كيف حدث هذا؟!

سنوات طويلة ظللت أردد لنفسي أنا ابن النكسة، طفلاً استقبلت هذا الرجل فاروق بجلباب وخيش يحمله على ظهره، والآن استقبله أحيانًا هو يركب المرسيدس، وما شابهها..

لا أعرف كيف وافقت ستنا أن تناوله كوبًا من الشاي وقتها، وهو يعزم عليها بسيجارة لف.. ولكنها ابتسمت في وجهه وقتها، وأشعلت سيجارتها وهي تقول جملتها الشهيرة التي أصبحت أكره تذكرها الآن..

رحالة.. على باب الكريم.. هكذا كان فاروق.. كان فوعليا..

أتذكر أنني حينئذ رحت أتطلع له بقامته الطويلة ورأسه الضخم وبدا لي وكأنه عفريت قرر أن يسكن شارعنا.. وأظن أنني لأيام كنت أتجنبه بعدما تواجد في الشارع.. نظرات عينيه كانت تفزعني وتجعلني أهرب من أمامه..ومن تلك الخرابة التي اعتاد هو الجلوس فيها وقتها..

الخرابة كانت ملك لسيدة عجوز أرملة، ولم تكن للأرض في شارع فاروق وقتها ثمن، لذا عندما توسطت ستنا عندها لفاروق أن يبني خصًا في الخرابة، وأنه بهذا ستهرب العفاريت التي تسكنها.. وافقت العجوز، لأن كلمات ستنا كانت بالنسبة لنا أوامر.. من الصعب أن نرفض طلبا لستنا صغارا وكبارا..

قابلني كمال منذ أيام، قال لي إنه يرغب أن يخطب نهال بنت المعلم فاروق..

تعجبت من دوران الزمن وتقلباته.. لم أكن العين الوحيدة التي ترى في شارع عزيز، ولكنني أيضًا لم أكن أحمق لأصدق أن كمال يحب نهال.. فنهال لم تكن الفتاة التي تطمح أن تتزوج كمال، فقامتها كان بها تقوس بعض الشيء، وتشعر وأنت تراها أنها تكاد تنكفئ على الأرض وهي تمشي، ولكن كمال برر ذلك بأنه خفر العذراء..

لم أهضم موقف كمال لوقت قريب.. ولكنني التمست له العذر..فكل شخص الآن يبحث عن مصلحته الشخصية في المقام الأول..وما حدث في حياة المعلم فاروق جعل الأمر ممكنا..

فالمعلم فاروق أصبح الآن شخصية يجب أن يكسب ودها الجميع.. أكبر مقاول، وعضو في مجلس الشعب.. وصاحب عمارات عديدة بطول البلد وعرضها، ولكنه يرفض أن يغادر شارع عزيز؛ لأنه يعتبره وش السعد عليه..

ستنا هل كنت تعلمين أن هذا ما سوف يصير؟!

هل انكشف لك الحجاب وقتها وأنتِ تدخنين أول سيجارة مع المعلم فاروق؟!!

أول سيجارة له معك، وليس آخرها، فقد اعتدت أن أرى المعلم فاروق لسنوات يجلس بجانبك على الحصيرة في أول الشارع، ويكبس "بابور الجاز" بنفسه – ذلك البابور الذين ترفضين تغييره - وهو يناولك سيجارته اللف، لم يغير المعلم فاروق من طباعه الغريبة، أو أنه أمامك مثلنا جميعا، طفل، لا يستطيع بالطبع أن ينسى أنك أول من وفر له مكانًا يأوي إليه ويعرف أهمية ذلك في حياته، لا أعتقد يا ستنا أن هناك من في شارع عزيز لا يعلم قدرك، وأهميتك لنا.. ربما..

كيف تطور الأمر بفاروق من خص في خرابة إلى نائب في مجلس الشعب؟!!

الأمر تطور بسرعة رهيبة، سنوات دراستي لم تمهلني كثيرًا لأعرف، وكنت أنا الآخر مشغولا في أشياء كثيرة كادت تصيبني بالجنون، ولكنني حقّا كنت أدرك أن ثمة أشياء غريبة تحدث، خصوصًا بعد تلك المرحلة العجيبة..مرحلة الانفتاح.. لم أكره شيئا في حياتي قدر تلك المرحلة.. انفتاح لم يكن انفتاحًا يا سادات.. لم يكن سوى هوس..جنون ضرب مصر في مقتل.. أخلاق القرية الغبية التي كنت تريد أن تزرعها في الناس ماتت.. الكبير لم يعد كبيرًا كما كنت تظن، فجأة انقلبت الدنيا، وكأن هناك من يضرب نارًا في الهواء..

كنت أنت يا سادات من أطلق النار في الهواء؛ ليبدأ السباق! ولكن خيولك كانت مجنونة، كانت خيولاً مخصية.. أصابها الخبل فراحت تصطدم بكل الحواجز دون تروٍ..

سنوات ليصبح فاروق مقاولا كبيرًا، ومن الباطن، وسنوات أقل وتوافق العجوز أن تبيع له الخرابة، وأيام قليلة وأراه يجلب أبناءه من بلدته بعد أن ارتفعت عمارته، لتحتل أول شارع عزيز الذي اقترح أحد أفراده أن يُسمى شارع فاروق بعد ذاك..

الجمعية الاستهلاكية.. طوابير، وطوابير، الأفراخ البرازيلي.. الزحام.. السمك الكسكمري.. اللحمة المستوردة.. الضرب.. الضرب.. الصابون والسكر والزيت، خناقات النسوة مع بعض.. التسعيرة والسوق السوداء.. ورقة اللحمة الحمراء الثقيلة الوزن.. كمال الذي تطوع لينظم الصفوف، ورجل الجمعية الذي يحمل عصا طويلة بيده يجبره الزحام أحيانا أن ينزل بها على جسد امرأة تزاحم الآخرين، فنسمع الصريخ ثم الخناقة، ثم العودة للالتزام بالطابور الذي لا ينتهي إلا بنهاية البضاعة من الجمعية وكأن مصر كلها تحولت إلى طابور من الأشخاص، ينتظرون أن تعطف عليهم السلطة بشيء من حقوقهم، التي لا وجود لها في حياتهم من الأساس.. كل هذا.. وشارع عزيز يتحرك بنفس سرعة الأيام وتداولها..قديم يذهب وجديد يأتي..

ستنا ما الذي يحدث؟!

تتمتم بعبارتها التي لم تعد تناسب مسامعنا، وكأنها تقول هذا زمن فاروق..

كمال قال لي إن فرحه على نهال بعد أسبوعين، وأنني يجب أن أكف عن معاندة نفسي، ومعادة الحاج فاروق دون سبب، لماذا أكرهه؟ هل لأن اسمه قريب للملك فاروق؟ هل تكره كل من حكم مصر!

فاروق، وعبد الناصر، والسادات ومبارك ..

إذن من أحب؟!

لم أجد الإجابة بعد يا ستنا.. كان يجب أن أعرف أن سنوات عمري تجري، وأن شارع عزيز تتغير هيئته يومًا عن يوم، وأن ما أرغبه وأحبه اليوم قد أكرهه غدًا، لم تكن الألفة لتقنعني أن الحياة تدور..

لأن الحياة تدور فعلا!