(4)

3 0 00

(4)

تأخر نصب سرادق عم الضوي أسبوعا كاملاً، تحقيقات نيابة، وتشريح، وبهدلة لجثة عم الضوي الذي لم أتخيل قط أن تكون تلك نهايته..

نتيجة التحقيقات جعلت سرادق عم الضوي شبه خالٍ من البشر تقريبًا، وكأنه أصبح لعنة بعد موته.. غريب ما حدث.. القاتل شاب مجند حديثا من بلد أرياف قريبة منا.. فاته القطار، فقرر أن يمضي الليل متسكعًا، وفي مروره كان عم الضوي يشعل "الجوزة" ويرص حجر معسل.. الشاب جذبه الدخان فقرر أن يرمي التحية على العجوز، الذي رد التحية ودعاه لشد الأنفاس مرحبًا.. ولساعة أو أكثر طال الحوار بالشاب وعم الضوي، حتى هجم برد الليل وصقيعه، فنقل القعدة إلى داخل البيت.. ولكن ما قاله الشاب في التحقيق جنن الشارع بأكمله.. لقد قال إن الرجل أراد أن يمارس معه الفاحشة..وأنه لم يشعر بنفسه عندما خلع الرجل ملابسه كلها.. إلا وهو يقتله، وعندما أفاق لنفسه حاول الهرب، ولكن العجوز كان قد أغلق باب البيت بالمفتاح، فلم يجد سوى السطح ليهرب منه.. وبعدها قُبض عليه..

عم الضوي.. مستحيل!

المقرئ يختم السرادق ويدعو للميت، أقوم من مكاني أسلم على بعض الأشخاص القليلين الذين لم يصدقوا هذا الادعاء الغامض الغريب..

ألمح ستنا جالسة بجوار أخت عم الضوي وراء السرادق.. أقترب منها وأحاول أن أبدو أمامها متماسكًا فالحزن كان يمزقني.. أراها تربت على يد الحاجة زينب.. التي ما إن رأتني حتى صرخت في وجهي:

" أوعى تصدق إن عمك الضوي كان كدا.. أنت بتكتب في الجرانين وعارف.. قول لهم عم الضوي طول عمره شايلهم في عنيه، عمر ما حد قصده في خدمة وخلي بيه.. قول لهم اللي قتله ابن ستين كلب كداب.. عايز يطلع نفسه منها.. عمك الضوي اتشرح.. اتشرح في المشرحة.. واتشرح على لسان الناس وقلوبهم.. حرام.. والله حرام"..

أتمتم البقاء لله.. ألمح نظرة غريبة في عين ستنا. أخرج لها سيجارة سوبر وأشعلها لها..تكاد أن تبتسم في وجهي، ولكن الحزن يمنعها، أبلع ريقي وأغادر المكان ودموع الحاجة زينب تشق صدري لنصفين.. وكلمة هامسة من ستنا لي وأنا أمشي.. "عرفت ليه بقى؟"

كدت أن أسألها عرفت؟ ولكنني تراجعت تحسبًا لأي ظنون قد تدور في عقلي البليد، عقل الطفل نكسة..

على بعد أمتار من السرادق لمحت عربته المرسيدس قادمة وصوت نفيرها، إنه المعلم فاروق، وقفت، تأملته وهو يهبط من عربته ويأخذ طريقه إلى داخل السرادق، نظرت في اتجاه المقرئ الذي التفت إلى المعلم فاروق وابتسم، ولم تمر ثوان حتى رأيته يقرب الميكرفون منه ويبدأ في تلاوة القرآن من جديد.. دقائق قليلة ووجدت بيوت وعمارات شارع عزيز تقذف بأولاده ورجاله ونسائه إلى الشارع متجهين إلى السرادق.. وقفت متأملا ما يجري في هذه اللحظة، وأنا ألمح السرادق الذي امتلأ عن آخره بالبشر.. ووجدت ابتسامة غريبة على شفتي، وصوت عم الضوي يتردد في أذني "متنساش فرح صاحبك".

ورحت أغمغم لنفسي هنيئا لك يا عم الضوي.. فقد تحول عزاؤك لفرح وتحيات وأقيم من جديد بعد موته، ولا أعرف لماذا تذكرت مطلع قصيدة:

" يوم ما كلب الحلو مات الكل راح جامل وعز..

ولما يا عيني الحلو مات مفيش ولا كلب عزى"..

أهذا أنت يا شارع عزيز؟!!

أهذه هي أخلاقك، وأخلاق أبنائك؟!

ولم أجد سوى طريقًا واحدًا أسير فيه، طريق وحدتي في شارع عزيز، تاريخ بداية ونهاية كل أحداث حياتي الغريبة، تاريخ دماء لا يحكيها شارع عزيز بل يطردها.. وصوت داخلي.. يقول "بايني يا ستنا عرفت.. بس بعد ما فات الأوان.."

***