٣

8 0 00

٣

مر على ذلك أربعة أيام انقطع الحاكم بعدها عن زيارة روكامبول لقنوطه من الجاسوس؛ لأنه كان في كل مدة يحضر يشير إلى الجاسوس مستفهمًا فيغمزه بعينه مشيرًا إلى أنه لم يستطع أن يعلم شيئًا بعد فانقطع عن زيارته، وجعل يرسل الجرائد الفرنسية مع أحد الحراس.

وكان هذا الحارس الذي يرسله عالمًا بأمر الجاسوس فكان كلما أتى يسأله بالنظر فيجيبه بالإشارة أنه لم يعلم شيئًا إلى أن جاءه يومًا فغمزه بعينه مشيرًا أن لديه أخبار خطيرة فسُر الحارس وانطلق إلى مولاه.

وكان الجاسوس قد استسلم كل الاستسلام إلى روكامبول كما قدمناه، وقد كان لديه حقيقة أخبار هامة يريد أن يُبلغها إلى الحاكم.

أما روكامبول، أو الرجل العبوس، فقد كان قرأ في الليلة، هذه المقالة الآتية، في إحدى الجرائد الفرنسية التي يرسلها إليه الحاكم، وهذه هي:

لا يكتفي هؤلاء الإنكليز بما يبدونه من الشذوذ في بلادهم، بل إنهم يقدمون عليها في بلادنا، وهذا خبر ننشره بملء التحفظ، على وثوقنا من صحة ما نرويه.

إن فتاة حسناء من أهل النبل قدمت إلى باريس فاستلفتت الأنظار بحوادثها وهي تُدعى مس ألن ابنة اللورد ب …

وكان قد حضر معها خادمان حين قدومها إلى باريس ولم يعلم أحد سر حضورها إلى العاصمة فأقامت في منزل جميل في أفضل الشوارع، وكان الناس يرونها كل مساء تخرج متنزهة في الغابات.

ولكن يظهر أن هذه الرحلة لم ترق لعائلة الفتاة.

إنه إذا اتفق مثل هذا الحادث في فرنسا، يذهب والد الفتاة الهاربة باحثًا عنها ويعود بها، أما في إنكلترا فإن مثل تلك الأمور تجري على عكس ما هي عندنا.

وذلك أن والد الفتاة وهو أحد أعضاء البرلمان الإنكليزي، لم ير من العدل أن يترك جلسات المجلس فلم يحضر للبحث عن فتاته، بل أرسل لها رجلين من كبار الشرطة ولديهما أوامر صريحة صدقت عليها من السفارة الإنكليزية فعثرا بالفتاة وقبضا عليها.

غير أنهما لم يرجعاها إلى إنكلترا كما يتبادر إلى الأذهان؛ لأن والدها اللورد ارتأى إبقاءها في باريس إلى أن تنتهي جلسات البرلمان راجيًا أن يمحو تعاقب الأيام تلك الفضيحة.

ولذلك عهد إلى البوليسين بمراقبة ابنته، وأن يذهبا بها إلى المسارح والمتنزهات وإلى حيث تشاء، مشترطًا أن لا يأذنا لها بالاجتماع مع أحد.

والذي نراه أن الحادث حادث غرام لم يرق، دون شك، في عيني والدها اللورد.

فلما قرأ روكامبول تلك المقالة لم يبق لديه شك أن مس ألن في باريس، وأنها لم يتيسر لها الالتقاء بميلون.

وعلى ذلك فإن ميلون لم يعلم شيئًا من أمره ولا بد من إرسال الأمر إلى العصابة بالحضور إلى لندرا، وهنا جعل يفكر بطريقة تمكنه من إبلاغ العصابة ما يُريد ولا شك أنه ظفر بها بدليل أنه انقطع فجأة عن التفكير إلى محادثة برنيت الجاسوس فقال له: اصغ إليَّ يا برنيت إنهم وضعوك في غرفتي لمراقبتي والوقوف على أسراري.

فاضطرب برنيت وقال: أيها الرئيس ألم أتب توبة صادقة؟ فما بالك توبخني هذا التوبيخ؟

– إني لا أريد تأنيبك، واصغ إلى تتمة حديثي. إن الحاكم يزورني كل يوم، وينظر إليك مستفهمًا، وهو يرجو أن تكون قد ظفرت ببعض أسراري.

– وأنا أعبث به وأخونه كما ترى.

– هو ذاك ولكني أريد أن تخونني اليوم.

فدهش برنيت وقال: أنا أخونك يا سيدي؟!

– سوف ترى كيف أريد أن تخونني، إني أريد بذلك أنك تخدمني.

– إني مستعد للموت في سبيل إرضائك.

– إذن، اعلم أنه لا بد أن يأتي الحاكم غدًا، أو يرسل أحد حراسه وإذا جاء بنفسه أو إذا جاء الحارس، فاغمز إشارة على أنك عثرت على خبر خطير.

– ولكني إذا أشرت تلك الإشارة يدعوني الحاكم إليه.

– وهذا الذي أبغيه.

– إذن ما أقول له؟

– سأخبرك غدًا بما يجب أن تقول؟

وانقطع روكامبول عن الحديث فصرف ليلته بالتمعن والتفكير.

وفي اليوم التالي لم يحضر الحاكم بل أرسل الحارس، وأشار إليه برنيت تلك الإشارة السرية كما قدمناه.

فلما ذهب الحارس قال روكامبول لبرنيت: إن الحاكم سيدعوك إليه فيما أراه.

– دون شك.

– إذن اسمع ما يجب أن تقوله له … قل: إن الرجل العبوس قد ائتمنني على سر من أسرار الإرلنديين، وهو أن لهذه الطائفة مركزًا عامًّا في باريس وزعيمًا يدعى روكامبول.

فقال برنيت: ما هذا الاسم الثقيل؟

فابتسم روكامبول وقال: ثم تقول إنه يوجد وسيلة سهلة للقبض على هذا الزعيم الذي يدعونه روكامبول، وهو أشد زعماء الإرلنديين خطرًا، أما هذه الطريقة فهو أن يُعلن في الجرائد السيارة أن روكامبول قد وقع في قبضة البوليس الإنكليزي وزج في سجن نوايت.

فاعترضه برنيت قائلًا: ولكن روكامبول في فرنسا كما تقول، فإذا قرأ ذاك الإعلان بقي فيها.

– ولكنك تظهر للحاكم غير ما تظن.

– كيف ذلك؟

– ذلك أن روكامبول هرب من إنكلترا، لخوفه من مطاردة البوليس، وإذا قرأ هذا الإعلان في الجرائد، أيقن أن البوليس لا يطارده بعد ذلك، لاعتقاده أنه سجين فيعود روكامبول إلى لندرا مطمئن البال.

– لقد فهمت.

ولم يتمكن الرجل العبوس من متابعة الحديث؛ لأن باب الغرفة فُتح عند ذلك، ودخل منه الحارس، وقال لبرنيت: إنك قد قدمت عريضة إلى الملكة التمست بها تعديل الحكم عليك، وقد قبلت جلالتها العريضة فاتبعني.

فتظاهر برنيت بالسرور العظيم وقال: إلى أين؟

– إلى الحاكم؛ لأنه يريد أن يتلو عليك الأمر بتعديل الحكم، ونجاتك من الإعدام.

فخرج برنيت يتبع الحارس وبقي الرجل العبوس وحده وهو يقول في نفسه: إن النجاح مضمون إلا إذا عرفوا أني أنا هو روكامبول.