-4-
جلست الآنسة إميلي برنت في عربة غير المدخّنين في جلستها المنتصبة المعتادة، كانت عانساً في الخامسة والستين ولم تكّن تقبل بالاسترخاء أو الميوعة، فقد كان والدها ( وهو كولونيل من الجيل القديم ) يهتمّ بشكل خاصّ بالسلوك واللباقة، أمّا أبناء الجيل الحالي فلا يبالون بسلوكهم أو بأيّ شيء آخر.
وهكذا جلسَت الآنسة برنت في عربة مكتظة في الدرجة الثالثة غير مبالية بقلّة الراحة أو بالحرارة ، تحيط بها هالة من الاستقامة والالتزام المطلَق بالمبادئ. كل الناس يتذمّرون من كل شيء في هذه الأيام ، يريدون مخدّراً قبل خلع أضراسهم، ويأخذون حبوباً منوّمة إذا لم يستطيعوا النوم، ويريدون مقاعد وثيرة ووسائد، أما البنات فيمشين سافرات خليعات كيفما اتفق ويستلقين في الصيف على الشواطئ بلا خجل.
زمّت الآنسة برنت شفتيها. كان بودّها أن تجعل بعضهم عبرة للآخرين. وتذكّرَت عطلة صيف العام الماضي، لكن هذه السنة ستكون مختلفة تماماً، ستكون في " جزيرة الجنود " . واستعادت بذهنها قراءة الرسالة التي قرأتها عدّة مرات من قبل:
عزيزتي الآنسة برنت،
آمل أن تتذكريني. لقد كنّا معاً في نُزُل بيلهافن في شهر آب ( أغسطس) قبل بضع سنوات، وكان يبدو أن لدينا الكثير من الاهتمامات المشتركة.
لقد افتتحتُ نُزُلاً اشتريتُه على جزيرة قبالة ساحل ديفون، وأعتقد أن مكاناً تتوفر فيه وجبات تقليدية جيّدة وشخص طيّب من الطراز القديم سيكون مكاناً مرغوباً، ولن تزعجناً الموسيقى الصاخبة التي تنطلق في جوف الليل، سأكون في غاية السعادة لو جئتِ لقضاء إجازة الصيف في " جزيرة الجنود " ، مجاناً وفي ضيافتي. هل يناسبك أوائل آب (أغسطس)؟ فليكن الثامن منه.
المخلصة: أ.ن.أ.
وتساءلت إميلي برنت بصبر نافد بينها وبين نفسها: ما هذا الاسم؟ كان من الصعب معرفته من خلال الأحرف التي وُقّع بها، كم من الناس مَن يوقعون أسماءهم بطريقة غير مفهومة أبداً!
وسمحت لخيالها بالعودة إلى الوراء لاستعراض الأشخاص الذين التقت بهم في بيلهافن، كانت هناك خلال صيفين متتاليَين، وكانت هناك تلك العانس الطيبة متوسطة العمر، الآنسة ...... الآنسة..... ماذا كان اسمها؟ والدها كان كاهناً. وكانت هناك سيدة اسمها أولتن.. أولمن، لا ، بالتأكيد أوليفر. أجل ، أوليفر.
جزيرة الجنود؟ كان في الصحيفة شيء حول جزيرة الجنود،
شيء عن نجمة سينمائية أو ربما كان عن مليونير أمريكي... طبعاً، أماكن كهذه تُباع رخيصة غالباً. إن الجزر لا تناسب كلّ الناس، فهم يعتقدون أنها رومَنسية ولكن إذا جاؤوا للعيش فيها فإنهم يكتشفون مساوئها ولا تكاد تسعهم السعادة عند بيعها.
قالت إميلي برنت لنفسها: ولكني سأقضي إجازة مجّانية على أيّة حال.
كان ذلك شيئاً لا بدّ من آخذه في الاعتبار في ضوء الانخفاض الكبير في دخلها والكثير من العوائد التي لم تُدفَع. فقط تمنت لو أنها تستطيع أن تتذكر المزيد عن السيدة أو الآنسة أوليفر.