0

6 0 00

0

"البعض يقول إن الدُّنيا بسيطة، والحياة تمضي بحكاياتها المعروفة، سواء كانت حكايات مُدهشة، أو عاديَّة، النَّاس يسمعونها، أو يشاهدونها، أو يقرأونها، وفي جميع الأحوال هم أبطالها، في النِّهاية ... الدُّنيا بسيطة، والحياة شغَّالة، يقولون ذلك بأريحيَّة، على أن الأمر في حقيقته ليس هكذا، ليس بهذه البساطة، فإذا كان أحدهم غير مستعد لتحريك سيَّارته من جراجها إلاَّ لأمر هام، فما الذي يدعو مالك الشَّمس لأن يُطلعها كل يوم من المشارق، وفي نفس التَّوقيت، طوال ملايين السِّنين الفائتة، ولملايين السِّنين القادمة، إن لم يكن ثمَّة أمر، غاية في الخطورة، يربض في الآفاق السَّحيقة؟".

توقَّف عن المشي بين سيَّارات "الميكروباص"، الأجرة، في موقف "أحمد حلمي"، وفي الحين الذي كانت تعلو فيه أصوات المُنادين وهم يُعلنون عن الجهات التي ستنطلق إليها هذه السيَّارات، إلاَّ أن فِكرة السَّارح بعيداً أغلق أذنيه، ورفع وجهه الطَّويل، المهيب،

إلى شمس السَّاعة التَّاسعة من صباح هذا النَّهار الشِّتوي الرَّائق في العالم 1980 الميلادي، ونظر إليها طويلاً.

"لا تُشرق الشَّمس كل يوم، وبهذا الانتظام الدَّقيق، لمجرَّد أن تمنح الآدميين نهاراً للعمل، أو لتهبهم الدِّفء في صقيع الشِّتاء، أو لتعطي حقولهم ضوءاً، يبني خلايا زروعها، فتثمر أكلاً يأكلونه، أو ليُعبِّئوا كهربتها في محطَّاتهم الشَّمسية، وإنَّما لأمر أخطر من هذه الأمور بمراحل".

أخيراً عادت أصوات المُنادين إلى وعيه، أحدها يزعق:

"أسيوط" ... "أسيوط" ...

ورغم طوله الفارع، ولحيته المتدلية حتَّى أعلى سرَّته، وعمامته الخضراء الضَّخمة، الملفوفة هرميَّاً بغير عناية، وقد تدلَّت ذؤابتها بين كتفيه العريضتين، وجلبابه الأبيض الذي، بالكاد، يصل منتهاه إلى منتصف ساقيه، ونعليه العتيقين المشدودين إلى كاحليه بسير رفيع، مع كل هذه المواصفات الغريبة، إلاَّ أن أحداً في الموقف لم ينتبه إليه، ولا إلى وقفته العجيبة، رافعاً وجهه، عيناه في الشَّمس السَّاطعة ولا تطرفان بمقدار رعشة جناح ذبابة.

وبالتَّالي، لم ينتبه أحد إليه وهو يدلف إلى داخل السيَّارة "الميكروباص"، التي تحمل اللوحة المرورية رقم "345678 أجرة أسيوط"، والتي كانت فارغة من أي ركَّاب.

جلس في أوسط الأريكة الأولى خلف كابينة القيادة، ولم تمضِ سوى دقائق قليلة حتّى بدأ صوت "أبو أميرة" الجهوري، المشروخ، ينادي بنشاط:

-ياللا واحد "أسيوط" ... واحد "أسيوط".

"أبو أميرة"، سائق هذه السيّارة، يعلن عن احتياجه إلى راكب أخير بصوت فرحان، وبقلب مندهش من تساهيل الله لمَّا تعمل لصالحه.

كان قد توالى ركوب المسافرين لسيَّارته بسرعة غير معتادة، يتقدَّمون إليها ويدخلونها برشاقة، يأخذون أماكنهم بسلاسة، كأنَّهم قد سبق لهم اختيارها وحجزها، ولأوَّل مرَّة طوال مدَّة عمله الطَّويلة في هذه المهنة تمتلئ سيارته بثلاثة عشر راكباً خلال أقل من خمس دقائق فقط، كما أن الرَّاكب الأخير ها هو يقترب.

هتف "أبو أميرة" بصوت راقص:

-واحد "أسيوط" بالصَّلاة على النَّبي... واحد "أسيوط".

اقترب "زياد" وقد تعلَّقت بكتفه حقيبة صغيرة:

"أسيوط؟"

كان وجه "زياد" ملفتاً جدّاً، بشرته فائقة البياض، عيناه ضيِّقتان للغاية، أنفه مفلطح، شفتاه مسطَّحتان، وعندما هز "أبو أميرة" رأسه

بما يعني أن السيَّارة متَّجهة إلى "أسيوط"، دلف إلى منتصف الأريكة الأخيرة.

قد امتلأت تماماً، ودفع "أبو أميرة" الباب ليغلقه فلم ينغلق، دفعه مرَّة أخرى، لم ينغلق أيضاً، دفع بقوَّة أكبر، لا شيء، فدفعه بكل عزمه، حتَّى أن عمامته كادت تسقط من على رأسه، لكن الباب ظل مسمَّراً.

زعق "أبو أميرة" بلهجته الصَّعيديِّة، وهو ينظر إلى الباب وقد أمسك بمقبضه وأخذ يهزّه هزّاً شديداً:

-مالك... الله يخرب بيت اللي خلَّفوك!؟ هِيَّا يعني لو استهلت منِ هْنِه لازم تتعقَّد منِ هْنِه؟! ما تمشيش حلو لآخرها أبداً؟!

انطلقتْ من داخل السيَّارة ضحكة أنثويَّة شابَّة، انطلقت منفلتة، لتفاجئ "أبو أميرة" وهو لم يزل متشبثاً بمقبض الباب، دار برأسه ينظر إلى مصدرها، فرأى بقايا الضَّحكة تنسال من بين شفتي بنت شابَّة، غاية في الجمال، ذراعاها عريانان، وأعلى ثدييها، وترقِّص قطعة من العلكة بأضراسها اللؤلؤ، تلوكها كالغوازي.

انبهر بجمالها، وفي نفس لحظة الانبهار داهمه شعور بأنَّه قد رأى هذه البنت من قبل، واندهش من كونها تُعرِّي كل هذه المساحة من لحمها في برد "طوبة"، ورغم ذلك بقي لحماً أبيض حيّاً، لا أثر فيه

لزرقة الكسل الشِّتوي، كأنَّما تجري فيه دماء صيف حار، نشط.

لم يفلح هذا الجمال الصَّارخ في أن يهدِّئ من غضب "أبو أميرة"، الواقف عاجزاً أمام بابٍ عاصٍ، بل العكس بالضَّبط ما جرى، لقد زاد غضبه.

زعق، وهو يحرق الفتاة بعينيه الملتهبتين:

لِيه حق الباب ما يقفلشي... ذنوب الخلق تهد الجِّبال وتنشِّف البحور...

ضغط على أسنانه، موجِّها كلامه إلى الباب المتشبِّث بالعناد، وقد ارتكز عليه بكل ثقل جسده النَّحيف:

كِفياك دلع ف يومك الأكحل دَهَه واقفل... يخرب بيت أبوك وامَّك.

انطلقت الضَّحكة هذه المرَّة غرقانة في الدَّهشة، وغرقانة في الدَّلال أيضاً، فترك "أبو أميرة" الباب ووقف ينظر إليها بعينين حارقتين للغاية.

عيناها غجريتان، تشبهان تماماً عيني "سوسن"، كما أن ضحكتها فيها من ضحكة "سوسن"، لكن التي أمامه تبدو الآن، تبدو سيِّدة صغيرة من صنف النَّاس الذَّوات، مربربة، تلبس الغالي الجريء، وتطلي وجهها بالمكياجات، على العكس تماماً من "سوسن".

في هذا الظَّرف الصَّعب، الذي يعاني منه "أبو أميرة"، لم تكن هناك أيَّة فرصة لذكرياته مع "سوسن" كي تنبش جيِّدا في وجدانه، الباب يعاند، وامرأة تضحك من معاناته، وبدا أنَّه سوف يقفز إلى داخل السيَّارة ليجذبها من شعرها، ويلقي بها إلى الخارج، ما دفع المجنَّد "ياسر مبروك" الذي يرتدي بذلة الجيش "الزَّيتي"، ويجلس في آخر كرسي بجوار النَّافذة اليمنى، أن يقول لـ "أبو أميرة":

ما تاخُدشِ ف بالك يا باشمهندس واستهدا بالله.

كما أن الرَّجل الذي يجلس خلف كرسي السَّائق، بجوار النَّافذة اليسرى، قال بصوت يرن بنبرة مرح مصطنعة، موجِّها كلامه لـ "أبو أميرة":

يا راجل... هُوَّ اليومين دولا في حد بيضحك بوسع صدره كِدا!؟

واستدرك:

خلِّيها تضحك.

واستدار، ونظر إلى "سوسن"، التي كانت تجلس في الأريكة السَّابقة لآخر أريكة، وقال:

اضحكي يا ستِّتي اضحكي... اضحكي ولا يهمِّك.

ولم تضحك، لكن عيناها صرختا في وجه الرَّجل:

وانت مال أهلك؟!

بدأ عرق "أبو أميرة"، رغم برودة شمس "يناير"، يتساقط من أرنبة أنفه، ومن أسافل أذنيه، وفقد كل أمل في أن ينغلق الباب دون أن تُجرى له عملية إصلاح عند أحد سمكريَّية السيَّارات، ما يترتَّب عليه تأجيل رحلة السَّفر، وتَرْك الركَّاب للسيَّارة، وتأخير دوره في المغادرة من الموقف، وهذه خسارة بالغة بالنِّسبة لسائق سيَّارة "ميكروباص" أجرة.

نفد كل صبره، فأخذ يجذب الباب ويدفعه بقوَّة، ليست قوَّة مَنْ يريد حل المشكلة، وإنَّما قوَّة مَنْ يريد أن يفش قهره، فارتجَّت السيَّارة ارتجاجاً عنيفاً كان كافياً كي يثير المرح على وجه هذا الطِّفل، الذي بالكاد يتعدَّى عمره العامين، ويقف في حجر امرأة جلست وظهرها في مواجهة "سوسن"، كانت المرأة تحضنه بحنان أم رءوم، بينما يواصل التَّصفيق بيديه، وإطلاق الصَّيحات التي لم تنقطع منذ دخل السيَّارة.

لكن القسِّيس، الذي يجلس في الكرسي الملاصق لكرسي السَّائق، انزعج من هذه الارتجاجات، التي شعر بها مهينة للإنسانيَّته، فضلاً عن قداسته، فأدار وجهه إلى مكان المشكلة، وقال لـ "أبو أميرة" الهائج:

بمحبَّة يا أخي... بمحبَّة ... أقفل الباب بمحبَّة.

نظر "أبو أميرة" إلى القسِّيس بنفس العينين الملتهبتين اللتين كان ينظر بهما إلى "سوسن" منذ قليل، وقال من بين أسنانه:

بتقول إليه يا بونا؟!

رفع القسِّيس صوته، ممزوجاً بنبرة خوف هادئة من غضب "أبو أميرة"، وقال:

بقول اقفل الباب بمحبَّة.

قال "أبو أميرة"، بنبرة ساخرة:

كِيف يا بونا اقفل الباب بمحبَّة؟ أبوسه يعني؟!

وإذا بالضَّحكة الغجريَّة تنطلق، تجلجل، لقد ضحكت "سوسن" ضحكة، وكانت ضحكة، ضحكة تحيي الميِّت، ثم تسطله، ثم تميته مرَّة أخرى، ضحكة جعلت الشَّمس تسخن، والهواء يتنسَّم الدفء، وجعلت الشَّيخ الأزهري الجالس ما بين النَّافذة اليمنى والقسِّيس، يلوي رأسه لينظر بانزعاج ناحية البنت، ويزعق:

أعوذ بالله ... أعوذ بالله.

ثم ينظر بزهق إلى "أبو أميرة"، الذي وقف هذه المرَّة يطلق من عينيه انبهاراً صريحاً بالبنت وضحكتها، ويهتف:

سَمِّ الله ياخينا... واقفل الباب ... وفُضِّنا مِ الحِكِّيوَه ديْ.

جر "أبو أميرة" نفسه من انبهاره، وزعق:

يعني هِيَّا دي اللي هاتحل المشكلة يا مولانا؟! طيب ... بسم الله.

ودفع الباب دفعة غُلب فانغلق.

انزلق منساباً في مجراه كأسْيَل ما يكون الانسياب، منفلتاً بسرعة البرق إلى مغلقه.

وركله "أبو أميرة" بعد أن انغلق ركلة غِل، وبصق عليه وهو يزعق:

يخرب بيت اللي جابوك.

وانطلقت الضَّحكة الغجريَّة، وانطلق "أبو أميرة" إلى مقدِّمة السيَّارة، وبينما يأخذ مكانه أمام عجلة القيادة، قال بصوت خفيض:

اضحكي اضحكي... العيب مِش عليكي... العيب عَ اللي ربَّاكي.

ضبط جلسته في كرسيِّه، ومسح عرقه البارد بمنديل ورقي، وأخرج مفتاح محرِّك السيَّارة من جيبه، ونظر إلى الشَّيخ الأزهري نظرة تقدير، وقال:

بركاتك يا مولانا ... وحياة سيدك النَّبي تدعيلنا نوصلو بالسَّلامة.

قال الشَّيخ بثقة:

إن شاء الله نوصلو بالسَّلامة.

وبينما يضع "أبو أميرة" المفتاح في مكان التَّشغيل مال الشيَّيخ برأسه ناحية القسِّيس وقال:

أي مشكلة مَهْمَا عَظُمت تتحل إن شاء الله ببسم الله.

فقال القسِّيس، وقد ابتسم ابتسامة هادئة:

صحيح يا مولانا ... مَ أنا قولتله يقفل الباب بمحبَّة ... والله محبَّة.

ثمَّة مشكلة أخرى تظهر على السَّطح، وتواجه "أبو أميرة" بجمود أخطبوط.

لقد أدار المفتاح في اتِّجاه التَّشغيل، لكن المحرِّك لا يعمل.

أدار المفتاح عدَّة مرَّات، والسيَّارة، فقط، تصدر صوتاً يشبه صهيل فرس مريض، أو كلب يحاول النُّباح.

استمر يحرِّك المفتاح، يميناً، شمالاً، وعيناه جمرتان متَّقدتان، صامتاً تماماً، لكن صوت الغيظ يكاد يفلق صدره كأزيز مرجل

عملاق، والسُّكون المترقِّب دب في قلوب كل الركَّاب، وقد بدا لهم بوضوح أن السيَّارة لا تريد أن تتحرَّك.

زعق "أبو أميرة" وهو يضرب عجلة القيادة بيديه:

يوم إيه الاغبر دا بس يا ربِّي!؟ دا حتَّى راكب معانا شيخ وقسِّيس!

لَوَى رقبته، ونظر إلى القسِّيس نظرة لها مغزى، وقال:

تصدِّق يا بونا... أنا لِيَّا تلاتين سنة في الشُّغْلانة الوُصخة ديْ... ما حَصَلِّلي في يوم اللي بيحصَلِّلي النَّهاردِه!

واستدرك:

خلِّي بالك يا بونا ... دي أوَّل مرَّة يركب معاي قَسِّيس.

كان الكلام جارحاً، لكن القسِّيس لم يُبد غير الامتعاض، حتَّى إنَّه قال:

-هدِّي نفسك بس ... ودّوِّر المفتاح بالرَّاحة.

وبينما يدير "أبو أميرة" المفتاح همس القسِّيس:

باسم الصَّليب.

نَبس همساً خافتاً جدّاً، لكنَّه كان مسموعاً لـ "أبو أميرة"، الذي فوجئ بمحرِّك السيَّارة يكح، ويعطس، ثم يدور، ويهدر، فهتف وهو

ينظر للقسِّيس نظرة امتنان:

إيوا كْدَهَه ... بيِّن بركاتك يا بونا ... وحياة العضرا ام النُّور تدعيلنا نوصلوا بالسَّلامة.

الشَّيخ قدح السوَّاق بنظرة من شرر النَّار، وَمَضَت في وجه القسِّيس، فَتململ في قعدته، وقطَّب جبينه، لكن "أبو أميرة" لم يُعر غضب الشَّيخ أدنى اهتمام، وإنَّما ضغط بقدمه على دَوَّاسة البنزين فنعرت السيَّارة، وهتف بحماسة قائد أفلت للتوَّ من هزيمة منكرة:

جاهزين يا عرب؟

توالت أصوات الركَّاب بحماس:

جاهزين.

كُلُّه تمام.

توكَّل على الله.