1

5 0 00

1

ما أجملها، هذه السيَّارة "الميكروباص" الأجرة، إنَّها بيضاء، يحيط أوسطها إطار فضِّي ضيِّق، ويدور حول أسفلها إطار برتقالي ناصع عريض، بينما أُضيف إلى جُنوط عجلاتها ومرآتيها الجانبيَّتان صفائح "الاستانليس" البرَّاقة، وكُتب على واجهتها أسفل الزُّجاج "وزيَّنَّاها للنَّاظرين"، وعلى خلفيتها "حلوة صلاة النَّبي".

ورُغم أنَّها مثقلة بأغراض المسافرين، الموضوعة على سطحها، والمثبَّتة في شبكتها جيِّداً بالحبال، إلاَّ أنَّها تنطلق على الطريق الزراعي السَّريع انطلاقة الفهد، والأرض تفر مذعورة إلى الوراء، والجبال البعيدة، في الجهة الغربيَّة، تُحوِّم ببطء مثل ضباع متربِّصة.

وكما في موقف "أحمد حلمي" بالضَّبط، لم ينتبه أحد من الركَّاب إلى هذا الجالس بين رَجُلين في الأريكة المتقدِّمة، رُغم الغرابة المفرطة لهيئته، ورُغم...

حتَّى إن أحدهم لم ينتبه لاستغراقه في نوم عميق، وبطريقة عجيبة.

كان فارداً ذراعيه إلى الأمام، وقد قبض بيديه على حافَّة مسند أريكة القيادة، راكزاً ذقنه، بلحيته الكثيفة، في الشَّق الضَّيق بين العضدين، منكفئاً بوجهه على رسغيه المتينين.

ثم كيف لرجل، يستغرق كل هذا الاستغراق في النَّوم، أن تبقى يداه قادرتين على القبض بحافَّة المسند أمامه قبضاً محكماً، حتَّى إنَّه، ورغم مرور السيَّارة منطلقة بكل سرعتها على بعض المطبَّات المفاجئة التي تتسبَّب في ارتجاجها بعنف، لم تُفلت يداه حافَّة هذا المسند أبداً، كما إنَّه لم يرفع رأسه ولو لمرَّة واحدة.

كان الطِّفل لا يتوقَّف عن تصنيع الصَّخب، يتنطَّط على فخذي المرأة التي تحضنه، يصفِّق مرَّة ويصيح مرَّات، وكلَّما حاولت المرأة كفَّه عن هذه الضَّوضاء يهجم برأسه ويديه على وجهها، ويمسك طرحتها ويشدَّها بعنف، فتنزلق عن شعر مهوَّش قصير، صفعه البياض، فتسارع بإعادة الطَّرحة إلى شعرها وهي تنهره برفق، ثم تضمُّه إلى صدرها بقوَّة لتسيطر عليه، ورغم ضآلة حجمه إلاَّ أنَّه كان عنيفاً، ببساطة ينخلع من صدرها ليعاود شططه الطُّفولي.

ولم يبد أن أحداً قد تضايق من الضَّوضاء التي كان يسبِّبها هذا الطِّفل، وربما يكون الوحيد الذي فعل، هو هذا الرَّجل الجالس على الأريكة الأخيرة، في أقصى يسار السيَّارة بجوار النَّافذة، منهمكاً في النَّظر إلى صورة بنت صغيرة في جريدة اصفرَّ ورقُها من فرط قدمها،

فقد كان من حين لآخر، عندما يزداد شطط هذا الطِّفل، يرفع عينيه من الجريدة لينظر ناحيته بوجهٍ خالٍ من أي تعبير.

"سوسن" ترى وجه الطِّفل بوضوح؛ لأنَّها تجلس في الأريكة خلف تلك التي تجلس عليها المرأة، في ظهرها تماماً، وهكذا كانت قريبة جدّاً منه، فلاحظت أن تقاطيع وجهه الصَّغير ترمي على ملامح وجه "أبو أميرة" السوَّاق، فارتبكت لهذه الملحوظة، التي دفعت عقلها في اتِّجاه خاطر يُداني المستحيل نفسه، وشعرت بحنان جارف يفيض من قلبها نحو هذا الطِّفل المشاغب، فمدَّت يدها وقرصت خدَّه، وبحلقت في عينيه بمرح، وهزَّت راسها كالأراجوزات، وقالت:

إنت ولد عفريت.

وأرسلت له قبلات في الهواء:

يا مُجرم أوي.

ومالت إلى الأمام بجذعها الرَّشيق، وأحاطت بكفَّيها صدغيه، وقبَّلت جبينه، وقالت:

أنا عايزة اتجوِّزك ... إيه رأيك... تتجوِّزني؟!

وعندما ابتسم الطِّفل لها، ورأت ضحكته المشرقة، شعرت بأن قلبها يتزعزع، وأن عليها تهدئته في أقرب فرصة.

وخطفت نظرة إلى المرآة الأماميَّة، كي تنظر إلى وجه "أبو أميرة"، فوجدت عينيه ملتصقتين هناك، منهمكتين في مصِّ صورتها، وضخِّها إلى صدره.

"يا ترى ممكن يفتكرني؟"

كان "أبو أميرة" يشم رائحة علاقة مؤكَّدة بين هذه السيِّدة الجميلة بنت الذَّوات، و"سوسن" التي عرفها، في لقاء حميمي وحيد، منذ ما يزيد على سنتين تقريباً، ولقد شغله الأمر جدّاً، حتَّى إنَّه من فرط مشغوليَّته بها لم يلحظ أن السيَّارة قد بدأت تنحرف ببطء إلى وسط الطَّريق، متَّجهة بهدوء إلى الاتجاه المعاكس.