3
مع أن الشَّيخ والقسِّيس يجلسان في الأريكة الأماميَّة، بجوار "أبو أميرة"، ويبحلقان في الطَّريق الممتدِّ أمامهما كأفعى ضخمة، إلاَّ أنَّهما لم يلحظا انحراف السيَّارة نحو الاتِّجاه المعاكس، الذي تسدُّه شاحنة ضخمة، لنقل المواد البتروليَّة، قادمة تجلجل بسرعة البرق، كانت التقطيبة التي ارتسمت على جبينيهما تؤكد أنهما سارحين في هموم صعبة، بينما كان "أبو أميرة" محوِّلاً عينيه إلى المرآة، مشغولاً بامتصاص صورة "سوسن" التي انطبعت عليها، ومستغرقاً في ضخِّها إلى قلبه، ربما استطاع التعرُّف على حقيقتها، وهل هي بنت الشَّوارع التي قضى معها أحلى ليلة من ليالي عمره، أم لا.
الكارثة ستقع لا محالة، وفي أقل من دقيقة.
فجأة، سمع "أبو أميرة" صرخة مهيبة، منبعها لا يمكن أن يكون سوى حنجرة رصينة:
انتبه.
صرخة بلسان عربي فصيح، بلكنة بدويَّة، ومدوِّية مثل قرقعة صخور ضخمة، تتهاوى من أعلى قمَّة في جبل شاهق، لتسقط على رأس "أبو أميرة" فتدوشه، ليتصرَّف بعد ذلك البرنامج الفطري داخل كل آدمي، والخاص بإدارة أزمة شتات العقل عند المفاجأة.
فعل "أبو أميرة"، كما يفعل أي سائق يقود سيَّارة ما، على الطَّريق السَّريع، بسرعة تزيد على مائة كيلو متر في السَّاعة، ناظراً في المرآة الأماميَّة، سارحاً بفكره بعيداً عن الطَّريق، ثم يسمع فجأة صرخة: "انتبه".
انتبه تماماً، خاطفاً نظرة من المرآة، وبحلق في الطَّريق، فسقط قلبه، وشَلَّ عقله.
كانت شاحنة المواد البتروليَّة الضَّخمة في مواجهته، قريبة إلى الحد الذي لا يسمح له بالتَّفكير في كيفيَّة الهروب من هذا الموت القادم يجلجل.
شحب وجه الشَّيخ الأزهري، ودفع بظهره إلى الوراء، ملتصقاً غاية الالتصاق بظهر الكرسي الذي يجلس عليه، وفتح فمه، ولم يقل كما يُتوقَّع من شيخ أزهري أن يقول في مثل هذه اللحظة: "أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله". وإنَّما زعق:
حاسب.
والقسِّيس أيضاً، أغمض عينيه بقوَّة، وتقلَّصت تجاعيد وجهه، ونسي هو الآخر أن يسلِّم روحه لـ "يسوع"، وهمس بصوت طحنته ضروسه، التي انطبقت متشنِّجة على بعضها:
حاسب.
ضرب الصَّخب رأس "أبو أميرة"، صخب تفجَّر في داخله، فطارت شظاياه لتمزِّق كلَّ أعضاء جسده، صخب امتزجت فيه أصوات مدافع، مع أصوات طواحين قمح، مع أصوات صراخ نساء، مع صوت نفير هادر لشاحنة تقترب بسرعة البرق، مع صرخة مدوية:
انتبه.
وفي اللحظة قبل الأخيرة، رأى "أبو أميرة" ما لم يَرَ مثله من قبل، ولن يرى مثله من بعد، حتَّى لم يخطر على قلبه أبداً أنَّه سيراه.
رجلاً يرتدي جلباباً أبيض، غريب الهيئة، يضع على رأسه عمامة خضراء ضخمة، عجيبة المنظر، له لحية سوداء مشوبة بشعيرات بيضاء، تتطاير في الهواء، يجلس على المَصَدِّ الأمامي العريض للشَّاحنة القادمة بعنف، يشير بذراعه اليسرى، وقد ثبتت عيناه في عينيه.
كانت هذه الإشارة فارقة في حياة ركَّاب السيَّارة "الميكروباص"، فقد أذعادت، خلال ومضة زمنيَّة بارقة، عقل "أبو أميرة" للعمل، ليدير
عجلة القيادة قليلاً، وبسرعة، ناحية اليمين، فمرقت الشَّاحنة بجوار "الميكروباص" كإعصار، فرجَّتها رجّاً عنيفاً.
شعر الركَّاب بالسيَّيارة تنحرف بشدَّة إلى اليمين، وقد ارتفع جانبها الأيسر، إثر هبوب ريح عاصفة، فجَّرها مرور شاحنة ضخمة في الاتِّجاه المضاد.
الانحراف كان قوياً للدرجة التي جعلت الطِّفل، الواقف على فخذ أمِّه، يميل ليرتطم بزجاج النَّافذة، وأوراق الجريدة المتهرِّئة، في يد "رشيد"، كادت تتمزَّق من عصف الرِّيح التي اخترقت السيَّارة، فأخذ يلملم أوراقها بحنو بالغ، وقد تنطَّطت في عينيه نظرات مستفهمة.
زعق "ياسر مبروك":
إيه في؟!
مط "زياد" رأسه إلى الأمام، ناظراً إلى حيث يجلس السَّائق، ثم همس:
ابن الدايخة السوَّاق باين عليها معمَّرها حشيش ومسطول ع الآخر.
نفخ "أبو أميرة" الهواء الذي انحبس في صدره طوال هذه اللحظات العصيبة وزعق:
يا سااااتر ... كنَّا هانروح ف ستِّين داهية.
فقال الشَّيخ الأزهري، وهو يجفِّف العرق، الذي غسل وجهه، بمنديل قماش كبير:
هُوَّ حصل إيه؟! انت سرحت ولَّلا إيه؟
ضحك "أبو أميرة" ضحكة خاطفة، تشبه صياح ديك مذعور، وقال:
شوفتو الرَّاجل اللي كان قاعد على اكصدام التِّريلِّه؟!
ولم ينتظر إجابة، وإنَّما ضحك ضحكة تشبه صياح إوزَّة، وقال:
والله لولا انُّه شاورلي آخذ يميني كنت لبست فيها... وكان زمانهم "ناكر" ونكير" بيحاسبو فيكم دلوقتي.
قال الشَّيخ من تحت منديله الذي يجفف به شفتيه:
"منكر" مش "ناكر".
اهتز جسد "أبو أميرة" وهو يضحك مصدراً فحيحاً كفحيح ذكر بط يغازل أنثاه، وقال:
والله حاجة ولا فِ الغرايب! كِيف البني آدم دَهَه عارف يقعد على اكصدام التِّريلِّة وهيَّا ماشية بالسرعة دي؟!
ارتسمت علامات الدَّهشة على وجه القسِّيس:
مين قاعد على اكصدام التريللا؟! ما فيش حد يابني كان قاعد على اكصدام التريللا
زعق "أبو أميرة":
لا ... كان في واحد لابس اُبيض ف اُبيض ... وعلى راسه عِمَّة كبيرة خضرا... ودِقنه طويلة طول ابويا وامِّي ... وقاعد على الاكصدام من قدَّام.
بدا فزع مريع على وجه القسِّيس، استمر لثوانٍ، قبل أن يقول بصوت دائخ:
صدَّقني ... ما كانش في حد خالص قاعد على الاكصدام.
ارتبك "أبو أميرة"، لكنَّه زعق:
إيه يا بونا؟! انتا هاتمَخْوِلني ليه؟! عليَّا الطَّلاق بالتَّلاتة كان فيه واحد قاعد على الاكصدام... بس الظَّاهر الخوف خلَّاك ماتشوفوهش.
قال القسِّيس بصوت متضعضع، وهو يعرف أنَّه يقاوح:
طيب ليه ما يكونش الخوف هوَّ اللي خلَّاك تشوف المنظر المستحيل ده؟!
فزعق، "أبو أميرة"، مخاطباً الشَّيخ الأزهري:
إيه يا مولانا؟! ساكت ليه؟ ما تقول حاجة!
كان الشَّيخ قد رفع الطربوشة الحمراء، الملفوف نصفها الأسفل بلفافة بيضاء، بيده اليمنى، وأخذ يمسح العرق الذي أغرق صلعته بيده اليسرى، قال:
أبونا معاه حق ... باين يا ولدي المسائل ضربت معاك لَخْمِه ... ركِّز فِ الطَّريق الله يخلِّيك... خلِّينا نوصلو بالسَّلامة.
كلام الشَّيخ لم يعجب "أبو أميرة"، كما لم يعجبه كلام القسِّيس، فهمس لنفسه غاضباً:
والله العظيم ... مولانا وابونا ... الاتنين ... جاهم عمى فِ عنيهم!