1

6 0 00

1

ما إن غادرت الحافلة مركز الانطلاق من دمشق، حتى انفرجت أسارير الوجوه المشدودة والجباه المقطّبة. زالت علامات الضيق والضجر، وسـاد جو من الهدوء والسكينة، تخللته همهمات وهمسات وكلمات ود ومجاملة .

عبد الله الذي كان صامتاً حتى هذه اللحظة، ينقل بصره بين ساعة يده وساعة الحافلة الرقمية التي تجاوزت العاشرة صباحاً بأربع عشرة دقيقة خرج عن صمته وقال بمرارة واستهجان :

ـ لو أنهم يتقيدون بالموعد المحدد !

التفت إليه شاب يصغره بأعوام قليلة وعقّب ساخراً، كأنه يرد على صديق تربطه به معرفة قديمة :

ـ يا أخي .. ( مو ) معقول .. كأنك لست من (هنا ) !. هل تريد أن نغيّر طبيعتنا و نتخلى عن هويتنا ! ما قيمة ربع الساعة أو الساعة ؟ ما قيمة اليوم والشـهر.. ؟ ما قيمة العمر كله ؟

ثم التفت يميناً ويساراً ومال بجسمه نحو عبد الله كما لو أنه يهمس بسر خطير يخشى أن يسمعه أحد، وقال بصوت خافت :

ـ يا أخي .. لا أحد يكترث بالوقت أو يتقيد بالمواعيد .. إنهم يرون في التأخيــر وجاهة وعلو قدر ومنزلة. كأن الله رفعهم فـوق غيرهم درجات. ينهون عن خلق ويأتون بمثله، يأمرون الناس بتطبيق النظام وهم لا يلتزمون به.

قرّب رأسه حتى كاد أن يلامس وجه عبد الله، وأضاف هامساً:

ـ والمشكلة هي أنهم أصحاب الـ .....

نظر حوله بحذر ثم قال : أعتقد إنك فهمت قصدي.

شعر عبد الله بالضيق والإحراج، إذ أدرك أنه وبدون قصد، قد فتح باباً للحوار يصعب إغلاقه، وولج دوامة الدوران في حلقة مفرغة، تثير مسائل وقضايا ملّت النفس من عرضها وتكرارها، وتمنى لو أنه آثر الصمت منذ البداية، ولم ينطـق بكلمة، فحاول أن يضع حداً للحديث والعودة به إلى مساره الأول، والوقوف عند نقطة البداية، تجنباً لمضايقات هو بغنى عنها، فقال :

ـ على أية حال ( ما من ) مشكلة. أربع عشرة دقيقة أو ربع ساعة لن تقدّم ولن تؤخـر .. المهم أن نصل بالسلامة وفي الوقت المحدد .. هذا إذا ضاعف السائق من سرعته قليلاً .. وأعتقد أنه سيفعل ذلك.

لم يخطر له أن وقع هذه الكلمات سيفتح عليه أبواباً أخرى يصعب إغلاقها. فقد أثارت حفيظة المسافر الذي يجاوره في المقعد .. انتفض الرجل المسن ذو الكوفيـة والعقال والنظارة الطبية، وقال باستنكار :

ـ ولماذا السرعة! أما سمعت بالحكمة التي تقول في التأني السلامة وفي العجلة الندامة ؟ ثم .. أين كنا في الماضي وأين أصبحنا اليوم ! .. كان على المسافر من دير الزور إلى دمشق أو بالعكس أن ينطلق أولا ً إلى حلب، ثم يتابع الرحلـة .. المسافة مضاعفة. والزمن يزيد عن نصف يوم وليس خمس ساعات .. بلا تدفئة أو تكييف، وبدون ضيافة وتلفزيون. ناهيك عن محطات الوقوف الكثيرة على طول الطريق .. هذا نازل وذاك صاعد .. هذا يحمل أكياسـا ً أو صناديق، والآخر معه مواشي يزجّها في الممر بين البشر .. تثقب الآذان بثغائها، وتلوث الثياب والأقدام بروثها، وتزكم الأنوف برائحتها. فكأننا في حظيرة بهائم. نحن الآن بألف خير إذا ما قارنا بين الماضي والحاضر .. نعم، بألف خير بعد أن صار السفر متعة وراحة وتسلية. أليس كذلك أم أنا غلطان ؟

التفت إليه عبد الله وقد قرر أن لا ينطق بكلمة أخرى، خشية أن تقـوده إلى حوار آخـر مع الرجل المسن الذي يبدو متعطشاً للكلام، فاكتفى بهز رأسه.

نظر إليه الرجل متفحصاً .. اتسعت حدقتاه وارتسمت على وجهه المتغضّن ابتسامة ود ومحبة. فغر فمه ورفع يده .. مدّ إصبعه حتى كاد أن يغرسه بين عينيه قائلاً بشوق ولهفة :

ـ من .. ؟ عبد الله .. ؟ عبد الله الصالح ؟ أم أنا غلطان ؟

أحس عبد الله وكأن صفعة صعقته. وأيقظت ذكريات قديمـة تجّذرت في أعماقه طالما حاول أن يهرب منها ويتجنبها، فيطويها الزمان وتغيب في عالم النسيان. لكنها ظلت كالنار تحت الرماد، ما إن تهدأ حدتها حتى تعصف بها ريح تؤجج شرارتها، فيشعر بالإهانة، وتستيقظ أحزانه التي لازمته منذ الطفولة.

كرر الرجل سؤاله :

ـ عبد الله الصالح .. أنت عبد الله الصالح، أليس كذلك ؟ أم أنا غلطان ؟

قطّب عبد الله جبينه .. شعر بالضيق والأسف لأن الناس مازالوا ينسبونه إلى أهل أمّـه ولا ينسبونه إلى أهل أبيه .. تردد فيما يقول، ثم ردّ بصوت كالفحيح :

ـ تقصد عبد الله الراشد.

اعتدل الرجل المسن في جلسته، وبدت على وجهه علامات الأسف لأنه أساء إلى الشاب دون قصد، فاستدرك قائلاً :

ـ أهلاً عبد .. اعذرني .. تعرف أننا اعتدنا أن نناديك بعبد الله الصالح منذ أن كنت صغيراً، نشأت و كبرت في بيت خالك رجب الصالح، وقد غلبت كنية أهل أمك على كنية أهل أبيك الغريب عن قريتنا، والذي لم نعرفه عن قرب ولم نره إلا نادراً .. قبل أن يغادر البلاد إثر المشكلة التي تأزّمت بينه وبين خالك رجب الصالح أصلحه الله .

رد عبد الله باقتضاب :

ـ لا بأس .. لا بأس.

نظر إليه الرجل .. عيناه تفصحان عن رغبة في الكلام وطرد الملل الناجم عن الصمت، وتسلية تعوّضه عن عدم مشاهدة الفيلم الأجنبي المترجم ومشاهده العنيفة التي شدّت اهتمام الشباب، فقال :

ـ لم نرك منذ مدة طويلة .. منذ أن التحقت بخدمة العلم .. هل أنت في إجازة ؟

أجاب عبد الله : لا.

ـ ما زلت في الجيش ؟

ـ لا .. بالأمس انتهت خدمتي الإلزامية.

انعطفت الحافلة نحو اليمين، وتابعت سيرها على طريق إسفلتي ضيّق متعرج نسبياً، نصبت في أوله لوحة معدنية مكتوب عليها ( تدمر ـ

دير الزور ).

علّق الرجل المسن وهو يتابع بعينيه الطريق الانسيابي العريض نحو حمص وحلب :

ـ لماذا لا يكون لنا طريق سهل كهذا ؟

كرّر السؤال، علّه يجد صدى لدى عبد الله فيشاركه الحديث. ولما لم يسمع جواباً قال :

ـ إيـه يا عبد الله .. زمان والله زمان. بالأمس كنت صغيراً في بيت خالك في الناصرية، بعد أن غادر والدك البلد إلى جهة مجهولة، وانقطعت أخباره. كنت تلميذاً في المدرسة الابتدائية. هل تتذكرها ؟ المدرسة التي بنوها أيام الوحدة بين سـورية ومصر على ضفة النهر وبين أشجار الغَرَب. إيـه زمان قلنا لهم عندما وضعوا حجر الأساس هذا المكان غير مناسب. . الأرض رملية هشّة، والنهر يجاورها وليس له أمان. فاستخفوا بنا، وأداروا لنا ظهورهم وقالوا : أنتم جهلة لا تفهمون.

تلك الصورة مازالت مطبوعة في ذاكرة عبد الله الراشد رغم تعاقب السنين، والسيطرة على جموح النهر بعد إقامة سد الفرات .. صورة أثارت الفزع والرعب في القلوب حين بدأ موسم الفيضان في شهر نيسان من ذلك العام.

المياه تعلو من يوم إلى آخر و بين ساعة وساعة .. تهدر جارفة ما تصادفه في طريقها. العيون تنظر بخوف وهلع، والقلوب واجفة حذرة، والأعصاب مشدودة ،

والأخبار التي تتناقلها الألسن تثير الفزع بين الناس .. كارثة حلّت بالمنطقة، والنهر الذي كان مصدراً للخير والحياة بات غولاً ينشر الخراب والموت.

كل عام يفيض النهر، إلا أن فيضانه ذلك العام تجاوز الحد ولم يتوقف. كارثة مخيفة صعقت أبناء الجيل، أما العجائز وكبار السن فلم تفاجئهم هذه الظاهرة التي قد تكون صورة ثانية عن سابقة لها قبل عشرات السنين .. يوم فاض النهر وارتفع منسوبه أمتاراً، وفرّ أهالي القرى بعيداً عن بيوتهم وأكواخهم .. حملوا معهم القليل وتركوا الكثير. أما من حاصرتهم المياه وقطعت عليهم طريق النجاة فقد تسلّقوا الأشجار وسطوح المنازل، واستغاثوا طالبين العون والمساعدة.

حويقة الدير بين فرعي النهر داهمتها المياه فأخليت من سكانها .. تشرّدوا أو التجأوا عند الأقارب والأصدقاء وعيونهم معلّقة نحو بيوتهم وبساتينهم .. مازالوا يتذكرون ذلك الحدث الرهيب وتلك الفاجعة التي صارت تاريخاً مطبوعاً في الذاكرة .. ( فيضة أبو عبار ) نسبة إلى أبي عبار الرجل القوي الذي أراد أن يسحب شجرة كبيرة من النهر، لكنه عجـز عن مقاومة التيار فغرق في الماء. سموها باسمه ورتّبوا ذكرياتهم حولها. . فهذا تزوّج قبلها بعام وذاك ولد بعدها بعام أو عامين.

هل تتكرر هذه الظاهرة مرة أخرى ؟ وإلى أين الفرار ؟

انهارت السدود الترابية في بعض القرى، وغمرت المياه الحقول والبساتين وجرفت الزرع والشجر.

صراخ نساء واستغاثة رجال في الجزر الصغيرة المحاصرة. وفي الليل يتفاقم الخطر ويشتد الذعر.

رابط الرجال والشـباب على السدود الترابية، وحمل رجـال الدرك والشرطة المستنفرون البنادق. داهموا البيوت واقتادوا من تخلّف من أبناء القرية من شيوخ وشبان صغار وعجزة ومرضى إلى العمل، و وزعوا عليهم نوبات المراقبة والحراسة ليلا ً ونهاراً .. جبهة حرب، والنهر الذي بات عدواً يستمر في الهدم والتنكيل.

أمل وحيد يرجونه وإن لم يروا له بارقة أو إشارة .. أن يتراجع النهر وينخفض مستوى الماء، أو يتوقف عن الارتفاع بعد أن أضناهم التعب واستنفد السهر والبرد والجوع طاقتهم.

مساحات واسعة من الأراضي غمرتها المياه .. تباعدت المسافة بين الضفتين .. نهر هذا أم بحر ! أمواج صاخبة وهدير ماء يقتلع أشجار الغرب والطرفاء، ويجرف الحطب وأعمدة البيوت والخيام، والحيوانات النافقة.

انهار الجرف وتقلّصت المسافة بين النهر والمدرسة، ولولا فطنة ذوي العقل والخبرة الذين أسهموا بإنقاذ ما استطاعوا من أثاث ومقاعد، وحرص المدير على سلامة التلاميذ والمعلمين إذ قام بإخلائها بمبادرة شخصية ودون موافقة خطية من مديرية التربية، لوقعت كارثة كبرى .. فقد تصدّعت وتشققت جدرانها، وفي اليوم الثاني انهارت وتحولت إلى أنقاض غمرتها المياه.

في ذلك العام كان عبد الله تلميذاً في المدرسة الابتدائية، التحق بها وهو ابن سبع سنوات، وقد سبقه إليها أخوه جاسم الذي يكبره بعامين .. ذلك اليوم كان نقطة تحول كبرى في حياته، فقد ارتدى ثيابه الجديدة الفضفاضة، وحمل حقيبة ودفترا ً وقلماً، وانطلق برفقة شقيقه وصبية آخرين من أبناء الجيران .. يغمره شعور بالفرح والرهبة والإقدام والتردد، فهاهو يقتحم عالماً لا يعرفه من قبل .. لم يألف أجواءه، ويجهل نظمه وقوانينه.

عندما اجتاز بوابة المبنى المحاط بسور مرتفع، انتابه شعور بالضيق كما لو أنه دخل السجن أو معسكراً للأسرى. أعداد كبيرة من التلاميذ الصغار والكبار، ومعلم في يده عصا يلوّح بها ويضرب من يتأخر أو لا يقف أثناء الاصطفاف بانتظام.

وقف عبد الله باستعداد عندما دخل المعلم الصف .. تجمّد مثل تمثال من حجر أو كجندي أمام قائده يمتثل للأوامر، ولا ينطق إلا بعبارة واحدة .. حاضر سيدي، أمرك سيدي. ولم يجلس إلا بعد أن أمره المعلم.

تفقّد المعلم تلاميذ الصف .. قرأ أسماءهم .. أجابوا بكلمة نعم أو حاضر. رددوها بأصوات عالية. قرأ المعلم اسمه :

ـ عبد الله الراشد.

كرره مرة ثانية , ثم أضاف قائلاً وهو يضع جانب اسمه إشارة بالقلم الأحمر : غائب.

وعندما انتهى من قراءة الأسماء سألهم :

ـ من منكم ليس له اسم ؟

رفع عبد الله إصبعه وانتصب واقفاً وقال بخجل :

ـ أنا .. أنا يا أستاذ.

ـ ما اسمك ؟

ـ أنا .. أنا عبد الله الصالح.

ـ واسم أبيك ؟

ـ محمد ..

دقق المعلم النظر في لائحة الأسماء، وقال :

ـ ليس عندي سوى تلميذ واحد باسم عبد الله محمد الراشد. أنت هو ؟

تردد قائلاً : أنا عبد الله الصالح.

نبر به المعلم قائلاً : غبي .. أنت غبي. اسمك هو عبد الله الراشد وليس عبد الله الصالح. . هكذا هو مسجل هنا.

قال بعض التلاميذ : آل الصالح هم أخواله يا أستاذ.

زجره المعلم بنظرة تأنيب واحتقار قائلاً :

ـ هكذا إذاً ؟ تنتسب لأمك وأخوالك، ولا تنتسب لأبيك وأعمامك !

ثم أضاف بسخرية وازدراء :

ـ بغل .. أنت بغل، أليس كذلك ؟ سألوا البغل يوما ً من هو أبوك، فأجاب خالي الحصان. وأنت كذلك .. بغل .. والبغل ابن من؟

طرح سؤاله على رفاقه التلاميذ فأجابوا بصوت واحد: البغل ابن الحمار يا أستاذ.

ثم غمزوه بأعينهم وانفجروا ضاحكين.

أحس بالذل والمهانة .. جرحت كرامته كلمات المعلم القاسية، وآلمه أن يلقّب بالبغل و ابن الحمار، وأن يكون موضع سخرية المعلم والتلاميذ وهدفاً لتعليقاتهم اللاذعة. وأكثر ما يخشاه أن يغلب هذا اللقب على اسمه الحقيقي، ويلازمه مدى الحياة .. وفي القرية كثير من الكبار والصغار غابت أسماؤهم الحقيقية، وعرفوا بألقاب وصفات .. فهذا هو الأسود، و ذاك هو الطير، والآخر قنيفذ، والرابع أبو الشط لأنه يلازم شاطئ النهر ولا يفارقه إلا لماماً. وألقاب أخرى كثيرة.

وإذا كانت بعض الألقاب مقبولة لا تقلل من قدر أصحابها، فإن لقبه سيكون عاراً عليه وكارثة كبرى تحقّره وتصغّره في عيون القوم. . البغل .. جاء البغل .. راح البغل .. والبغل ابن من ؟ ابن الحمار.

منذ ذلك اليوم قرر أن لا يسمح لأحد أن يناديه بعبد الله الصالح. لكن أهل القرية .

وقد اعتادوا أن ينسبوه إلى عائلة الصالح لم يأبهوا لقراره، ولم يكترثوا لمشاعره وأحاسيسه. بل وجدوا في رد فعله مادة للسخرية والتسلية .. كانوا يستفزونه أحيانا. وعندما يبلغ ذروة الثورة والغضب يضحكون غير عابئين بحزنه وألمه. وكثيراً ما غضب من رفاقه وتعارك معهم وشتمهم من أجل ذلك. إلا أن هذا اللقب ظل لاصقاً باسمه كالقذى في العين.

وعائلة الصالح معروفة في الناصرية، تتمتع بقدر من الهيبة والاحترام، ويحظى عميدها رجب الصالح بمنزلة يحسده عليها رجال القرية. عرض عليه أن يكون مختاراً فرفض، وآثر أن يكون عضواً في مجلس المحافظة .. يحضر الاجتماعات الدورية، ويلتقي بالمسؤولين الكبار وصناع القرار. ويوطد علاقاته مع ذوي الشأن والنفوذ .. تسهيلاً لأموره و دعماً لمركزه الاجتماعي. وقد قرر أن يرشح اسـمه لمجلس الشعب، فهو يعرف من أين تؤكل الكتف وأين هي نقاط الضعف. ويدرك تماما ً أن كل شيء بثمن، وأن بلوغ الهدف يقتضي معرفة الطريق السهل الذي يوصل إليه، وأنه ما من أمر صعب مادام يملك الحيلة والوسيلة .

أما عائلة الراشد فهي معروفة بالسيرة الحسنة والذكر الطيب، تنتمي إلى قرية الرواشدة التي تجاور نهر الفرات، ولا تبعد عن الناصرية سوى عدة كيلومترات .. أسرة بسيطة إذا ما قورنت بعائلة الصالح. وقد ارتبطت الأسرتان بزواج البدائل. تزوّج رجب الصالح من ندوة الراشـد، وتزوج محمد الراشـد من فضة الصالح وأنجبت له ولدهما البكر ( جاسم ) بعد عام، وأنجبت عبد الله بعد عامين .. ثم رزقت الأسرة بطفلة أسموها نعيمة.

نشأ عبد الله مع أسرته في قرية الرواشدة، وتآلف مع رفاقه الصغار. ولما بلغ الخامسة، وفي يوم صيفي قائظ جاء رسول إلى القرية على دراجة نارية. بدا على عجلة من أمره .. انفرد بوالده، تحدّث معه بصوت كالهمس ثم شدّ على يده مواسياً. نقل إليه خبراً محزناً كما يبدو. فقد تجهم وجهه وتغضّنت تقاطيعه. ضرب كفاً بكف وردد مستسلماً لإرادة الله عبارات عن القضاء والقدر، وأمر الله، والحياة والموت والحمد لله على كل شيء.

توافد رجال القرية إلى بيت الراشد وعلى وجوههم علامات الحزن والأسى. ذكروا الله كثيراً، ونطقوا بالحكمة والموعظة. تكلم الخصم مع خصمه ووقف العدو مع عدوه .. جمعتهم المصيبة كما يبدو. قرّبت بينهم و وحدت مشاعرهم.

أمه تلوب في الدار وتردد بهلع : ويلاه .. ويلاه.

أطفأت نار الموقد وجمعت بعض حاجاتها وحاجات صغارها. كانت تهرول من الغرفة إلى فناء الدار، ومن فناء الدار إلى الزريبة، لتعود إلى الغرفة وتنادي على ولديها وتغيّر ثيابهم بأخرى نظيفة.

نساء القرية اجتمعن حولها، وساعدنها في تجهيز الصغار وجمع الحاجات في صرّة من قماش وهن يرددن بين لحظة وأخرى : يا ويلي .. ياويلي. ثم يتبادلن أحاديثهن العادية حول الابن الغائب و الزوج الذي تزوج على زوجته، والبقرة ا لتي ولدت، وأشياء أخرى.

وقف والده عند باب الدار وقد انفض معظم الرجال عنه، بعد أن واسوه وسلّموا عليه. بدا مغتاظاً وهو يصرخ بزوجته :

ـ عجّلي يا امرأة .. ماذا تفعلين ؟ هل أنت ذاهبة إلى عرس ؟

حملت صرة الثياب بيد، والطفلة باليد الأخرى، وتعلّق عبد الله بطرف ثوبها، أما جاسم فقد كان يركض إلى جانبها.

فتحت أبواب البيوت، ووقف الجيران على جانبي الدرب المؤدي إلى الطريق العام. . كلمات النساء ودموع العجائز تعبر عن مدى الحزن والأسى. . تعثرت المرأة وهي تلحق بزوجها، وشعرت بألم في ركبتها. نظر إليها بعين غاضبة .. تحملت الألم ولحقت به .. هرول عبد الله ملتصقاً بها. أما أبوه فقد كان يسير بخطى حثيثة ويسبقهم إلى الطريق العام.