2
بعد توقف في استراحة المسافرين في تدمر، استغرق ما يزيد عن نصف الساعة، تناول السائق والمرافق خلالها وجبتهما المعتادة، وشربا الشاي والقهوة. صعدا إلى الحافلة .. أخذ السائق مكانه خلف المقود. بعض المسافرين كان نائماً لم يغادر مقعده، والرجل المسن ذو الكوفية والعقال والنظارة الطبية واحد منهم .. و آخرون متلهفون للوصول صعدوا مباشرة دون تأخير .. قلة منهم ظلوا عند بوابة الحافلة يدخنون لفافات التبغ بعجلة ونهم. ضغط السائق على زر المنبّـه يحثهم على الصعود. فألقوا بها وسحقوها بأقدامهم وعادوا إلى مقاعدهم ليتابعوا الرحلة إلى دير الزور.
دارت عجلات الحافلة .. ودار شريط الذكريات في مخيلة عبد الله الراشد .. لماذا عليه أن يعود بذاكرته إلى الماضي دائماً ؟ لقد قال له مدرّس التاريخ يوماً : نأخذ من الماضي العبرة والموعظة، لنبني الحاضر والمستقبل .. فكيف إذا كان الماضي مطبوعاً في ذاكرته كالحفر على الحجر !
توالت صور الماضي قاتمة حزينة ..
العائلة التي وقفت على الطريق العام .. الأب الذي يلوب في المكان، ويدخن لفافة إثر أخرى، ويرصد الطريق بعينين قلقتين بانتظار سيارة تنقلهم إلى قريـة الناصرية. والأم التي تولول بين آن وآخر بصوت خافت حزين، لئلا تتهم بفتور العاطفة والتقصير في أداء الواجب، ثم تنادي على ولديها أن يظلا قريبين منها. والطفلة التي تبكي بحرقة من ألم وجوع.
و كما أحزن الولدين وقع الخبر دون أن يتبينا حقيقته، فقد سرّهما قدوم السيارة العابرة والصعود إليها، والنظر من نوافذها، ومراقبة البيوت والأشجار، وعدّ أعمدة الهاتف والكهرباء وهي تمرق إلى الخلف بينما تندفع السيارة إلى الأمام.
رأت المرأة في سلوك الولدين أمراً غير لائق، لا يتناسب والحالة التي هم فيها، غير مدركة أن لكل سـن ما يناسبه، فأشارت إليهما بالتزام الصمت والهدوء.
أحس عبد الله بالاختناق والضيق .. سكت برهة على مضض، ثم سألها :
ـ نحن ذاهبون إلى بيت خالي في الناصرية. أليس كذلك ؟
ـ نعم.
ثم أضافت قائلة :
ـ بيت خالك وعمتك.
ـ ونبقى عندهم طويلاً ؟
ـ لا أدري ..
ـ لماذا أنت حزينة هكذا ؟
زجرته قائلة : اسكت. أنت تسأل كثيراً.
كرر سؤاله بعد صمت لم يدم طويلاً :
ـ أراك حزينة وأنت ذاهبة إلى بيت خالي. لماذا لا تفرحين ؟ ما الذي جرى لهم ؟
نهرته قائلة : اسكت. أنظر إلى أبيك. ألا ترى كيف هو حاله !
بدا والده في المقعد الأمامي شارداً وهو يدخن لفافات التبغ .. لا يرمي واحدة إلا ليتناول أخرى ويضعها في فمه.
رفع إليها الفتى رأسه، وفي عينيه فضول وإصرار على معرفة الحقيقة، ثم سأل : ما به أبي؟
أدركت أنه لن يكف عن الأسئلة إلا بعد جواب مقنع، فقالت :
ـ عمتك ندوة، أم فواز ..
ـ ما بها ؟
ـ مريضة.
ـ و هل مرضها خطير ؟
الطفل الذي يدفعه الفضول لأن يطرح السؤال بعد السؤال، لا يمتثل لأمرها ويسكت إلا إذا أفضت له بالحقيقة واقتنع بها، ولهذا أضافت :
ـ ماتت وهي تلد، اسكت.
ـ وهل مات الطفل أيضاً ؟
ردّت عليه دون اكتراث :
ـ ومن يسأل عن الطفل !
عقّب عبد الله قائلاً :
ـ مسكين خالي. ليس له إلا ولد واحد .. فواز.
عانقها مضيفاً بحزن : مسكين فواز، ماتت أمه وليس له أخ أو أخت.
ضمته إليها وهمست في أذنه :
ـ اسكت .. وانظر إلى أخيك. إنه صامت.
صمت الطفل وفي ذهنه أسئلة محيّرة عن الولادة والموت والحياة. إلا أن الموت، كما يتصوره، بعيد عنه، لا يأخذ إلا المسنين و المرضى. وهو ليس كبيراً أو مريضاً. ولهذا ليس لذكره رهبة ولا لوقعه لوعة، وقد رأى له في القرية حالات عدّة. . مرّت كحوادث عابرة ومشاهد مسلية. إذ كثيرا ً ما يندفع الصغار عندما يسمعون بموت واحد من القرية، ويخترقون جموع الرجال والنساء و يتحلّقون حول الجسد المسجى، ليروا كيف يبدو ..الفضول يتجاوز الحذر والرغبة تفوق الرهبة. يرافقون الجنازة إلى المقبرة .. يقفزون ويضحكون غير عابئين بزجر الكبار ونهرهم. وينظرون بعيون مفتوحة إلى الجثة وهي تتدلى إلى مثواها الأخير. ويشاركون في الدفن ونقل الطين والحجارة.
وعندما تنتهي مراسـم الدفن، يسـبقون الكبار على طريق العودة، وفي مخيلتهم صورة للقدور الكبيرة، والصحون المملوءة بالخبز والرز والمرق واللحم،
في أعماقهم ومضة فرح، وفي نفوسهم بارقة أمل بدوام العزاء أياماً وأسابيع، ليملأوا بطونهم الفارغة بما حرموا منه شهوراً طويلة.
يتحلّقون قرب صيوان العزاء الذي فرشت أرضه بالبسط والوسائد، حيث يجلس الرجال .. يشربون القهوة المرّة والشاي، يدخنون لفافات التبغ ويأكلون الثريد المكلل بالرز واللحم. تراهم يقصدون القدوم في الظهيرة والمساء. أما الذين لا عمل لهم فهم يلازمون الخيمة اليوم بطوله.
فإذا ما انتهى الكبار من طعامهم، أضافوا إليه قليلاً من المرق واللحم، وقدّموه للصغار الذين ينتظرون هذه اللحظة بفارغ الصبر، فينقضون عليه كالضواري الجائعة والطيور الجارحة .. تسبقهم أيديهم إلى اختطاف قطع اللحم والدهن والعظام التي لم تجرد من الفتات تماماً .. يبتلعونها بشراهة ونهم، فإذا ما قضوا عليها استداروا إلى الرز والخبز وما بقي في الصحون.
...........
قريبا ً من بيت رجب الصالح، وفي فسحة من الأرض مستوية، قام بعض الفلاحين بنصب أعمدة الخيمة الكبيرة وشدّ حبالها .. آخرون اقتلعوا الأشواك ومهّدوا الأرض ورشّوها بالماء. وعند شجرة التوت الكبيرة علقت ذبائح قاموا بسلخها وتقطيعها.
وعندما وصلت السيارة إلى القرية .. ترجّل منها محمد الراشد وتقدّم صوب خيمة الرجال. بينما حملت زوجته طفلتها واتجهت نحو البيت، بعد أن أشارت للولدين أن يذهبا إلى حيث تجمّع الأولاد. وما إن تخطّت العتبة حتى نزعت الغطاء عن رأسها ونثرت شعرها، وأطلقت صيحة تجاوبت معها صيحات النساء المجتمعات في باحة الدار، أعقبها بكاء وعويل ولطم على الوجوه وندب على الصدور.
امتدّت فترة العزاء ثلاثة أيام، وكما هي العادة قضى الرجال ساعات طويلة مضطجعين على البسط متكئين على الوسائد .. يأكلون ويشربون .. يتحدثون في أمور خاصة وعامة .. يستمعون إلى حكايات مسلية، يتكلمون في قضايا السياسة المحلية والدولية .. ينتقدون مواقف الدول والحكومات، ويقترحون خططاً للحروب والمعارك. . يتفقون ويختلفون، يتشاجرون ويتشارعون. وقد يهب أحدهم واقفاً بعد الطعام والشراب وينصرف إلى بيته غاضباً، وما إن يغيب ساعة حتى يعود مرّة أخرى .. فما من مجلس أكثر راحة وفائدة وتسلية من هـذا التجمع. وفي اليوم الرابع قوّضت الخيمة وانفض الرجال، أما النساء فقد دام عزاؤهن سبعة أيام .
...........
في اليوم الرابع صباحاً، وبعد أن سلّم محمد الراشد على رجب الصالح، قال لزوجته :
ـ لن أوصيك بأبي فواز فأنت شقيقته. قومي بالواجب، وارفعي رأسه بين الناس .. لا تقصّري مع النساء .. أكرميهن فهن كثيرات الكلام .. لا يعجبهن العجب ولا الصيام في رجب. وكوني مستعدّة للعودة إلى البيت بعد أن ينتهي العزاء.
نظر إليها وإلى أخيها، وأدرك ما يدور في رأسها فأضاف قائلاً :
ـ سبعة أيام تكفي ..
ثم استطرد وهو يشدّ على يد رجب الصالح مودعاً :
ـ لا عليك يا امرأة. أبو فواز رجل ولا كل الرجال، يعرف الأصول ويقدّر الوضع، وأهل الناصرية كلهم أصحابه وأحبابه .. يملأون عليه الفراغ ويعوضونه عن فقدان المرحومة.
............
أيام كئيبة قضاها محمد الراشد في قريته. نهاراً تخف معاناته بقدوم الرجال ومواساتهم وأحاديثهم. وفي الليل يتصاعد حزنه ويتفجّر ألمه.. يشعر بالانقباض والاختناق .. يدور في دوامة من الأسى .. البيت موحش، والوحدة قاتلة. .شقيقته ماتت. لا امرأة تؤانس وحدته، ولا صغار يسلّونه .. لا شيء إلا الصمت.
وما إن انقضى عزاء النساء، حتى جاء ليعود بزوجته وأطفاله إلى البيت. استقبله رجب الصالح بشيء من البرود، ومع ذلك فقد أصرّ عليهم أن يظلوا إلى ما بعد الغداء.
لم يكن متمسكاً بهم عن رغبة كما يبدو .. ربما كانت له غاية أخرى، فقد ألقى عليه الأمر كما يفعل السيد مع تابعه :
ـ اقعد يا رجل .. وأنت يا فضّة، حضّـري الطعام.
ثم أضاف قائلاً : نضيع بدونها .. فمن غيرها يقوم بأعمال البيت ؟
وبعد أن رفعت أواني الطعام وإبريق الشاي و الأكواب. نادى محمد الراشد على ابنه جاسم وقال :
ـ هيا .. نادي على أخيك وقل لأمك أن تهيئ نفسها.
وقبل أن يتخطى الفتى عتبة الباب أوقفه خاله وقال له :
ـ اذهب، ولكن لا تقل شيئا لأمك.
فتح محمد الراشد فمه دهشة واستغراباً .. لاشك أن في ذهن الرجل كلاماً لم ينطق به لسانه، ولا يريد لأحد غيرهما أن يسمعه. فسأل بصوت خافت :
ـ ما الأمر يا أبا فواز ؟
تنحنح رجب الصالح وتململ في مكانه، ثم اعتدل في جلسته. التفت إليه قائلاً وعلى وجهه ابتسامة ساخرة :
ـ مستعجل كثيراً يا أبا جاسم !
ـ العذر منك يا شيخ، فقد تركنا بيتنا وأعمالنا.. كثّر الله خيرك وخير الجيران. لم يقصّروا أبدا ً .. ولكن كما تعرف .. لا راحة لإنسان إلا في بيته.
ردّ عليه رجب الصالح بعبارة من طرف لسانه :
ـ هذا بيتك يا رجل.
عقّب محمد الراشد : وأعز يا شيخ .. أدامك الله .. يبقى عامراً بأصحابه، أنت وابن الغالية.
ثم أضاف ملاطفاً :
ـ أين هو هذا الملعون فواز ؟ ألا يسلّم على خاله ! لماذا لا يأتي معنا بعيداً عن جو الحزن ويقضي بعض الوقت مع أبناء عمته.
بعد فترة من الصمت، قال رجب الصالح وقد تغيرت لهجته، كما تغيرت ملامح وجهه :
ـ قلت لي .. إنكم ذاهبون اليوم إلى الرواشدة ؟ أنت وأم جاسم والأولاد..
أجاب : نعم يا شيخ.
ثم أضاف بتواضع : إذا لم يكن عندك مانع.
قال رجب الصالح باستهجان :
ـ وتتركنا وحدنا، أنا والولد فواز ؟
ـ البركة بكم يا شيخ. أهل الناصرية كلهم حولك، فكيف تقول ذلك ! وإذا كانت المشكلة هي مشكلة فواز .. لا تحمل همّه .. نأخذه معنا، وأنا أعدك أ ن آتي به متى ملّ منا.
رد عليه بنبرة جافة ساخرة :
ـ صحيح .. صحيح. أنت لا تقصّر، إلا أن هذا الكلام لا يطعم خبزاً، و أنت تعرف ذلك.
فوجئ محمد الراشد بهذا الرد، و تبادر إلى ذهنه أن وراء الكلمات ما وراءها فقال باستغراب :
ـ لم أفهم قصدك يا شيخ.
ـ قصدي واضح يا ابن الكرام، والحر يفهم من الإشارة.
ـ صدّقني، لم أفهم. هل بيدي شيء أفعله ؟
ـ نعم .. نعم، بيدك كل شيء.
وقع محمد الراشد في حيرة من أمره، فقد ظل طول الوقت يلاطفه ويجامله ويلقّبه بالشيخ احتراماً وتقديراً، ويغض الطرف عن كلامه الملغز، دون أن يجد لموقفه أي صدى. ومع هذا قال بتواضع :
ـ الحقيقة .. أنا لم أفهم.
اعتدل رجب الصالح في جلسته، تناول علبة التبغ ووضع لفافة في فمه، ثم قال بنبرة حادة :
ـ افهم قصدي يا ابن الناس .. زوّجتك أختي وزوّجتني أختك.
ـ هذا صحيح.
ـ وأختك .. أم فواز .. زوجتي، ماتت.
ـ الله يرحمها، ويمد في عمرك.
ـ والآن صار البيت خالياً. والبيت بدون امرأة ترعاه وتدير شؤونه ليس بيتاً.
ـ هذا صحيح يا شيخ، ولو أنه لا اعتراض على حكم الله.
ـ وأنا يا ابن الكرام سأتزوج .. بعد شهر .. بعد شهرين .. بعد سنة .. إذا يسّر الله، إذ ليس من المعقول أن أظلّ هكذا.
قال محمد الراشد وقد بدا له أن الأزمة بدأت تنفرج :
ـ ومن يمنعك يا شيخ ! من يلومك ؟ هذا حقك.
ردّ عليه بغضب واستعلاء :
ـ أنا لا أطلب الإذن منك أو من غيرك. ولم أفصح لك عن نيتي حتى توافق أو لا توافق.
ـ لماذا إذاً ..... ؟
ـ اسمع يا ابن الناس. زواجنا زواج بدائل، بيني وبينك. يعني .. زوجة كل واحد منا هي مهر للأخرى. هل هذا صحيح ؟
ـ صحيح.
ـ وأختي عندك.
ـ نعم .. هذا صحيح.
ـ وأختك ماتت.
ـ نعم، الله يرحمها.
استند على الوسائد .. أشعل لفافة أخرى وأخذ نفساً عميقاً وقال :
ـ إذاً يا صاحبي أنا لي عندك مهر شقيقتي .. زوجتك، أم جاسم.
فوجئ محمد الراشد بما لم يخطر له على بال .. تغيرت قسمات وجهه وبدا عليه التعجب والذهول .. كأن ماء باردا قد صبّ على جسده. ابتسم، ضحك باستغراب. ضرب كفاً بكف وقال :
ـ تمزح يا رجل ! ما هذا الكلام ؟ هل تعني ما تقول ؟
ثم أضاف ضاحكاً : سامحك الله يا أبا فواز. والله قد أضحكتني والمرحومة لم يمض على وفاتها أسبوع واحد.
نهره بغضب :
ـ أنا لا أمزح. .
انتفض محمد الراشد وقال باستنكار :
ـ إذاً أنت تعني ما تقول ؟
ـ نعم فأنا لا أمزح في مثل هذه الأمور. ثم .. ما الغريب في الأمر ! هذا هو العرف وتلك هي العادات. إن كنت جاهلاً أو قليل الخبرة اسأل أهل الشرع وتأكد بنفسك منهم .. امرأة بامرأة .. امرأتك عندك وأنا لي عندك امرأة. لو كانت لك أخت أخرى تزوجتها وحلّت محلها. أما في حال كهذا فإني أطلب منك مهر شقيقتي لأتزوج به. . أو ..
ـ أو ماذا يا رجل ؟
ـ فضة تبقي هنا، عندي، عند أهلها حتى تدفع مهرها.
هبّ محمد الراشد واقفا ً والدم يغلي في عروقه. قال له وقد بدا صغيرا ً في نظره :
ـ ماذا تقول يا رجل ! أنت لست في وعيك. أنت تهذي .. لقد فقدت رشدك. لاشك أن موت المرحومة قد أثّر على عقلك وعطّل تفكيرك.
ارتدى سترته وهو يردد :
ـ عيب يا رجل، والله عيب.
وقبل أن يغادر المجلس، استدار إليه وقال متوعداً :
ـ اسمع وتذكّر ما أقوله جيداً .. أنت بدأت وسوف تندم.
ثم خرج مسرعاً وهو يردد بنبرة حادة :
ـ العمى .. أمر غريب. الناس ما عادوا يسـتحون ولا يخجلون من الفعل الناقص. يا للأسف .. عيب على الرجال، عيب وألف عيب.
اجتاز بوابة الدار، ولم يلتفت وراءه، ويرى زوجته التي تقبع في الزاوية تحتضن طفلتها ولا تجرؤ أن تفتح فمها وتتفوه بكلمة واحدة .. لم تسأل عن رأيها سابقاً، ولا رأي لها الآن .. لا قيمة لعواطفها ولا أهمية لمشاعرها .. عليها أن تسمع وأن تطيع الأقوى، والأقوى هنا هو شقيقها.
..........
بعد أيام .. ظنوا أنها كافية لانقضاء الأزمة وإزالة التوتر والعودة إلى جادة الصواب والعقل، عاد محمد الراشد بصحبة بعض الرجال من وجهاء قريته .. اجتمعوا برجب الصالح، وحضر الجلسة آخرون من قرية الناصرية .. اختارهم هو وأرسل في طلبهم.
طرحوا المشكلة على بساط البحث، وحاول بعضهم رأب الصدع وحلّها بالحكمة والعقل فقال كبيرهم :
ـ يا أبا فواز. زوجتك ماتت وهذا قضاء الله وقدره، والموت حق على كل إنسان.
رفع يديه إلى السماء واستطرد :
ـ هو الذي يعطي وهو الذي يأخذ، ولا اعتراض على حكمته. فما شأن أبي جاسم ! والله لو أنها مسألة ثأر لوقفنا معك. ولكن. ما ذنبه ؟ هي أخته مثل ما هي زوجتك، ومصيبته مثل ما هي مصيبتك.
قال رجب الصالح بجفاء :
ـ لا .. أبداً. الجرح لا يؤلم إلا صاحبه، ومن يأكل العصي ليس كمن يعدّها. وأبو جاسم لا مجروح ولا مضروب بالعصا.
أراد واحد من جماعة أبي جاسم المشاركة في الحديث و تلطيف الأجواء، فقال :
ـ يا أبا فواز .. الآلة وهي من حديد وفولاذ تكفـلها الشركة المصنّعة سنة أو سنتين لا أكثر. فما بالك بالإنسان وقد خلقه الله من لحم و دم ! وأم فواز ـ رحمها الله ـ عاشت معك سنوات قبل أن يأتي أجلها.
علّق أحد المقربين من رجب الصالح :
ـ يا جماعة .. طلب أبي فواز حق مشروع أقرته الأعراف والتقاليد. فلماذا تتجاهلون الواقع وتحيدون عن الطريق؟
ردّ كبير المفاوضين من جماعة الرواشدة :
ـ عمري سبعون عاماً. في سنة ( فيضة أبو عبار ) كنت في مثل عمركم .. عشت هذه السنين الطويلة، ومرّت بي حالات غريبة، ولم تصادفني حالة كهذه.
علّق رجب الصالح باستخفاف :
ـ يا شيخ. العبرة ليست بالسنين. كثير من الرجال يصيبهم الخرف عندما يتقدم بهم العمر ..
تأزّم الموقف فاكفهرت الوجوه ونفرت العروق، وتحوّل الحوار إلى معركة كلامية، خرجت عن الطور وتجاوزت آداب السلوك. فقام محمد الراشد وجماعته وفي صدورهم شعور بالاستياء والنفور وخيبة الأمل. وقبل أن يبتعدوا استدار إليه محمد الراشد وقال مهدداً :
ـ أنت أردت ذلك. دعها عندك، هي وأولادها، اغنم بها، والله سأتزوج وسوف تسمع بهذا الخبر قريباً.
قال رجب غاضباً :
ـ خذ أولادك معك .. هؤلاء لا حكم لي عليهم ولا حق لي فيهم.
أراد محمد الراشد أن يضيّق عليه الخناق فقال:
ـ لا .. الأولاد مع أمهم .. يذهبون معها أو يبقون معها.
ثم وجّه كلامه إلى الرجل الكبير من جماعته، وقال : العذر منك يا شيخ. لو كنت أعلم أن الأمور تسوء إلى هذا الحد ما طلبت منك المجيء.
ثم أضاف : هيا يا جماعة. لم يبق لنا كلام مع هذا الرجل.
كانت فضة الصالح تضرب على رأسها وتلطم وجهها مرددة بصوت مخنوق : يا ويلي، يا ويلي ..
سالت دموعها، وبكت الطفلة في حضنها. تعلّق الولدان بها، طوّقاها بأذرعهم الصغيرة، وانفجرا بالبكاء.