الفصل الثاني

9 0 00

الفصل الثاني

حكاية فيكتور فرانكنشتاين كما يرويها هو

تنحدر عائلتي من جنيف . كدح أبي في العمل بشدة في شبابه . لقد أضنى نفسه في العمل بحق حتى إنه لم يفكر في أي شيء بخلاف واجبه نحو وطنه . حتى الحب بدا أقل أهمية في نظره ، ولم يتزوج إلى أن تقدم به العمر .

تتجلى طبيعة صلاح أبي الحقيقية في قصة زواجه من أمي؛ فقد كان لأبي صديق عزيز اسمه بوفورت فقد كل ما يملك ومر بظروف عصيبة . علم الرجل أن حياته قد انهارت ، وكان معه من المال ما يكفي فقط لسداد ديونه قبل أن يرحل هو وابنته إلى لوسرن . ولم يرد بوفورت أن يرى أصدقاءه بعدما حدث له؛ إذ كان رجلا أبيا لم يشأ أن يعرف أحد ما حلّ به .

وطوال عشر سنوات كاملة ظل أبي يبحث عن صديقه ظنا منه أنه في مقدوره أن يجعله يعود إلى بلدته ، وأراد أن يساعده في الوقوف على قدميه مرة أخرى . ولمّا عثر عليه أبي أخيرا كانت حاله أسوأ كثيرا مما يمكن أن يخطر ببال أبي .

كان بوفورت في حالة إعياء شديد ، واضطرت ابنته كارولين أن تترك عملها كي تتفرغ لرعايته ، وكان كل ما بحوزتهما معا بضع سنتات لا غير . و على الرغم من الحياة القاسية التي عانتها كارولين ، فإنها احتفظت برقة وطيبة فؤادها اللتين رآهما والدي فوقع في غرامها .

تدهورت صحة بوفورت ومات في غضون أشهر قلائل ، واغتمت كارولين للغاية ؛ إذ لم تكن فقيرة فحسب ، وإنما صارت الآن أيضا وحيدة تماما في العالم . وفي يوم جنازة والدها بكت بحرقة شديدة . وماذا تستطيع أن تفعل غير ذلك ؟ وقعت كارولين بجانب النعش وبكت ، لقد كمدها موت والدها ، لكنها كانت أيضا تتساءل عن مصيرها الآن ؟ !

رفعها والدي برفق ، وأخبرها أنه سيعيدها إلى جنيف ويعتني بها . وبعد مرور عامين تزوجا . و على الرغم من فارق السن بينهما ، فإنهما نعما بحياة زوجية سعيدة ، إذ كان أحدهما يكنّ الحب والاحترام للآخر ، وترك والدي عمله كي يقضي المزيد من الوقت برفقتها ، فالسنوات الطويلة التي قضتها أمي في رعاية والدها أضعفت صحتها . ولكي تتحسن صحتها انتقلا إلى إيطاليا حيث المناخ أكثر دفئا . وولدت في نابولي ، وذهبت معهما في كل رحلاتهما ، وأحباني حبا جما . ولمّا كنت في الخامسة من العمر زرنا بحيرة كومو . وكان من عادة أمي أن تقدم المساعدات للعائلات الفقيرة أثناء رحلاتنا ، إذ كانت تود أن ترد الجميل إلى العالم بأن تساعد الآخرين تماما كما ساعدها أبي .

وخلال إقامتنا عند بحيرة كومو صادفت أمي رجلا وزوجته يعتنيان بأسرتهما الكبيرة ، من بين أبنائهما فتاة جميلة صافية البشرة شقراء الشعر ذات عينين زرقاوين جميلتين كانت مميزة عن باقي أشقائها . كانت الفتاة شديدة الجمال فأحبتها أمي في الحال .

زارت أمي هذه الأسرة لأيام عديدة وأمضت الكثير من الوقت تساعد الأم المسكينة وعائلتها الكبيرة ، وأحضرت لهم الطعام والملابس ، وأمضت أوقاتا طيبة مع الأطفال . وإبان إقامة أمي معهم راقبت الفتاة الجميلة عن كثب فوجدتها حلوة الطبع ، طيبة الخلق ، لها ابتسامة عذبة . وبعد ظهر أحد الأيام جلست أمي والمرأة تتسامران والأطفال يلهون ويضحكون ويركضون أمامهما .

أخبرت المرأة أمي أن الفتاة الجميلة ليست ابنتها ، ولكنها انضمت إلى العائلة بعدما مات والداها وأصبحت يتيمة ، ومع أنها انحدرت من أسرة ثرية فإنها لا تملك أي مال الآن . كاد قلب أمي ينفطر في هذه اللحظة ؛ إذ كانت قصة الفتاة تشبه قصتها تمام الشبه حتى إنها سألت المرأة هل يمكن أن تأتي الفتاة لتعيش معنا .

وافقت المرأة ، وهكذا انضمت إليزابيث لافينزا الجميلة إلى أسرتنا . أحببت إليزابيث منذ أن رأتها عيناي ، فقد كانت فتاة مشرقة وفاتنة صارت هيكل عالمي ، فلم نتشاجر قط أو حتى يسيء أحدنا للآخر . كنا مختلفين أيما اختلاف ، فما كان من هذا الاختلاف إلا أن عزز أكثر حب أحدنا للآخر . أحبت إليزابيث الشعر والأشياء الجميلة : الأزهار البرية ، وشروق الشمس ، والفراشات . أما أنا فقد أحببت العلوم ، وعالم الطبيعة ، والمفكرين العظماء.

كان العالم في نظري سرا كبيرا أردت أن أسبر غوره . أحبت إليزابيث منظر الأشياء ، أما أنا فقد أردت أن أكتشف كيف تعمل الأشياء . وتعاونّا معا في كل دراستنا ، فَكُنا نقضي الساعات نجول في الحقول ونسبح في البحيرات ونقرأ طوال ساعات الليل . وبعد مولد أخي إيرنست قرر والداي العودة إلى الوطن للأبد ، فاستقررنا في منزل بجنيف وابتعنا منزلا صغيرا في بيليريف ، على الساحل الشرقي من بحيرة جنيف . وعشنا في الريف أكثر مما عشنا في المدينة ، إذ كان الريف مكانا رائعا لنترعرع فيه . أمضي نا أنا وإليزابيث كل لحظة معا ، وعادة ما كان ينضم إلينا صديقنا هنري كليرفال ، الذي كان ودودا محبا للهو والمرح ، وكان ثلاثتنا مختلفين اختلاف الليل والنهار ، ومع ذلك أحببنا بعضنا بعضا . نَعِمَ ثلاثتنا بطفولة سعيدة سعادة بالغة ، وكانا هما أعز أصدقائي ، وكنت على يقين من أننا سنظل على الدوام مقربين بعضنا من بعض . كنت صبيا رزينا دائم التفكير .

وأردت أن أتعلم كل شيء وأي شيء ، وقد استهوتني أسرار السماء والأرض إلى ما لا نهاية ، فكان لا يشغلني شيء سوى العالم من حولي : كيفيسير ؟ ولم نحن هنا ؟ وكيف جئنا كلنا إلى هذا العالم ؟ وما الذي يبعث الحياة في شيء ما ؟

ومتى أثارت دراستي اضطرابي — وهو ما كان يحدث كثيرا — كانت إليزابيث تهدئ من روعي . وعندما كنت أصب جمّ تركيزي على موضوع واحد كان هنري يضحكني . ولما كبرت تعمقت في دراستي أكثر فأكثر ، وأذهلتني قوة العلوم الحديثة ، فكنت أقرأ طوال الوقت ، وسودت الدفاتر بأفكاري . وباتت كلمات العلماء هي حياتي . وكلما استذكرت تعاظمت رغبتي في معرفة المزيد ، فقرأت المزيد والمزيد . لكن كلما قرأت أكثر ازداد انزعاجي؛ إذ لم يجب ولا عالم واحد عن أسئلتي قط ، ولم يخبرني ولا كتاب واحد بما أردت أن أعرفه بالضبط .

كانت الأفكار تتزاحم برأسي طوال الليل عادة . وكان أصدقائي وأفراد عائلتي لطفاء ، فتغاضوا عن أمزجتي المتقلبة ، وكانوا يدعمونني مع أنني كنت أمضي أوقاتا طويلة منكبا على قراءة كتب قديمة تعلوها الأتربة . وظلت الطبيعة مثار تساؤل وغموض لي . بحثت عن سر الحياة . في حقيقة الأمر أردت أن أصنع حياة ، لكنني علمت أنه ليس في مقدوري فعل هذا . ولم يكن الوقت والمال يعنيان لي الكثير . الشيء الوحيد الذي كان يهمني هو الاهتداء إلى اكتشاف عظيم . لعلي أستطيع إنقاذ البشرية من الأمراض . وربما أمكنني منع الموت العنيف . ولعلي أستطيع في نهاية المطاف الإجابة عن تلك الأسئلة الغامضة .

وفيما كنا نقيم في بيتنا الصيفي الصغير ، في الصيف الذي بلغت فيه الخامسة عشرة من العمر ، إذ بعاصفة عنيفة هوجاء تهب دون سابق إنذار تقريبا ، والرعد يهزم عاليا في السماء ، و السماء تتقد بوميض البرق . وقفت عند الباب الخلفي وحدقت في السحب أتابع العاصفة . وفجأة قصف الرعد بقوة في كل الأرجاء ! وبعد لحظة ضربت صاعقة برق شجرة بلوط قديمة أمامي مباشرة ، فقسمت قوة الصاعقة الشجرة إلى نصفين ثم اضطرمت النيران فيها . وعندما خرجت في الصباح التالي لأتفقد الشجرة ، كان كل ما وجدته هو جذل محترق وقطع خشب متناثرة في كل مكان . ومن ثم ركزت بشدة على الكهرباء ، إذ أردت أن أعرف كيف اجتمعت كل هذه القوة في صاعقة برق؛ فبدأت بالأساسيات ودرست الرياضيات .

علمت أن المبادئ الأساسية تحوي الخيط الذي سيمكنني من بناء مجدي الشخصي . وسرعان ما انشغلت بمنطق الأعداد . لعلي لو علمت حينذاك ما الذي سيحل بي في السنوات اللاحقة ، لامتنعت عن الدراسة ، لكن القدر دبر الأمور بطريقته ، وحدثت العاصفة لسبب ما .