(3)
خلفت أبي في السجن بعد إحالته للتقاعد. حين أيقن من فشلي في التعليم أخرجني من المدرسة. وحتى بدون فشلي ما كان راتبه يتحمل نفقات التعليم في الجامعة. سعى في
مصلحة السجون لتعييني في نفس السجن مثل آخرين من أبناء الحراس القدامى، وظل عاماً بعد التقاعد يتردد على السجن، يلبس البالطو الذي تزوج به فوق جلباب ويقعد مع
زملائه السابقين خارج البوابة. يحدق في وجوه الزائرين، ربما ليرى إن كانوا يتذكرونه.
وجاء يوم أصابه الخبل. لم يأت المرض فجأة. كنت في مشاغلي لا أنتبه إليه. أمي قالت باكية:
ـ والنبي كنت حاسة من وقت أنه موش هو اللى أعرفه.
لحق باثنين آخرين من الحراس المتقاعدين كانا من جيراننا وفي نفس الحالة.
يمشي الثلاثة بملابسهم الميري متجاورين وسط البلوكات كما اعتادوا وقت أن كانوا في الخدمة، يقصدون الخلاء حيث تتجمع أشجار فوق ثلاثة تلال متجاورة. لا أحد يدري
ما يفعلونه هناك. البعض كان يلمحهم وهم يعدون بين الأشجار وصياحهم يترامى إلى البلوكات. والبعض قال أنهم كانوا يلعبون ما يشبه لعبة الاستخفاء. ثم ينفرد كل منهم
بتل فلا يراهم أحد، ويتنادون مقلدين أصوات الحيوانات.
كان خبلهم ودوداً. غير خطر، نوبات من المرح الصاخب، مندفعين لا ينتبهون لما حولهم. ساروا يوماً وراء امرأة زميل لهم كان أصغر منهم سناً ولا يزال في الخدمة، كانت
في طريقها لبيت جارة في نفس البلوك، تلبس جلباب بيت ضيق يبرز مؤخرتها الثقيلة، راحوا خلفها يحاكون مشيتها. مد واحد منهم يديه يوقف رجرجة المؤخرة وتبعه الآخران.
المرأة صرخت وهم صرخوا. خلعت فردة الشبشب وسعت لضربهم، وقفوا ساكتين ينظرون إليها. أمسك زوجها يدها المرفوعة وقد جاء جرياً على صراخها، وزعق:
ـ حا تضربي مين يا بنت الكلب.
سحبها في عنف من ذراعها وسط دهشة الواقفين، وكانوا على ما يبدو يتوقعون منه غير ذلك.
تحرك الثلاثة وراءهما. وجوههم غير حليقة، علق بشعرها نتف من أوراق الشجر الجافة، وملابسهم الميري ملطخة بالوسخ، التفت زميلهم ويده لا تزال ممسكة بامرأته، هز
رأسه وابتسم خفيفاً. وقفوا يبادلونه النظرات، حاولوا أن يتكلموا، مرة وأخرى، أفواههم مفتوحة، ووجوههم محتقنة، ثم خرجت أصوات أشبه بالمأمأة. سكتوا. استداروا
مبتعدين. من يومها أصابهم الخرس.
يقفون ساعة العصر كل على تل في مقدمة الأشجار. يلقون بنظراتهم تجاه البلوكات والسجن، يقذفون بقطع الحجارة، يرقبونها تتدحرج قليلاً ثم توقفها الرمال. تعجبهم اللعبة
فيقعدون ويبحثون عن الحجارة حولهم، ينزلقون من فوق التلال ليجمعوا ما قذفوه من حجارة ويصعدون بها.
يغادرون التلال مع الغروب بعد أن يطلقوا ما سماها البعض صيحة الحرب، وقد تسلح كل منهم بفرع شجرة وخلع حذاءه الميري وعلقه على كتفه. يمشون متجهمين مشدودي القامة
وكأنهم في طابور التمام. يأخذون دورة حول سور السجن بصياحهم المتقطع الشبيه بالمأمأة، ربما كانوا ينادون زملاء لهم بالخدمة، بعدها يتجهون إلى مبنى المحطة.
كان هناك من يصيح بأسمائهم بعد أن يمروا ولا يلتفتون، وعربات تمضي بين مباني البلوك اختصاراً للطريق، تطلق التنبيه ولا يلتفتون، هم في مشيتهم يتهامسون وقد اقتربت
رؤوسهم، ويضطر السائق للنزول ويوقفهم بجوار الحائط حتى يمر. ويظلون في وقفتهم حتى بعد أن ابتعد. ويلمحهم واحد صدفة ويقف ليكلمهم. ينصتون له قليلاً ثم يواصلون
طريقهم.
* * *
يوماً هبطوا من التلال، واتخذوا طريقهم المعتاد إلى المحطة. كانوا يمشون بجانب السجن وفوجئوا بالمأمور أمامهم. كان خارجاً في طريقه إلى السيارة التي تنظر والسائق
بجوار بابها. رآهم وتمهلت خطوته، ربما لم يعرفهم، غير أن ملابسهم الميري لفتت نظره. وجهه جامد لا يفصح، استقرت عيناه على الأحذية المدلاة من فوق أكتافهم. اندفع
السائق نحوهم ملوحاً بيديه ليبعدهم. نظروا إليه وعادوا بنظرتهم إلى المأمور. وقفوا متجاورين وقفة انتباه ورفعوا أيديهم بالتحية العسكرية.
اقترب المأمور منهم وسأل الأول عن أسمه.
كان أبي. مأمأ وسكت.
تقدم السائق وقال أنهم لا يتكلمون.
بحث المأمور في جيوبه، بدا أنه لم يجد ما يبحث عنه، كانت علبة السجائر في يده، مدها إليهم. تراجعوا، مدها أكثر، تراجعوا مرة أخرى، ثم استداروا مبتعدين.
صدر أمر المأمور بعدها بمنعهم من ارتداء الملابس الميري لما يلحق بها من مهانة. كما أنه لا يجوز لهم استخدامها بعد التقاعد.
أخفت أمي الملابس. بحث عنها أبي في أنحاء البيت. وأكون غادرت إلى السجن، ينتابه الغضب ويقلب المقاعد ويرمي المراتب والمخدات، أحياناً يعثر عليها، وأحياناً تعطيها
أمي له وقد خشيت من بعثرة كل شيء. من يجد بدلته يذهب لمساعدة زميليه، مقتحماً البيت الآخر ويشارك رفيقه في البحث، ينحيان المرأة جانباً حين تحاول ايقافهما.
في النهاية يمضى الثلاثة بملابسهم الميري في جولتهم.
الأوامر أوامر. جمعت وابنا زميليَ أبي ملابسهم الميري ووضعناها في كومة خارج البلوك ورششنا عليها قليلاً من الجاز وأشعلنا فيها النار بحضور الثلاثة الذين تحلقوا
حولها ينظرون في فضول إلى اللهب، ويتابعون موجات الدخان تتصاعد وتحلق. ورأوا الملابس تتحول إلى مزق سوداء. تبعونا في صمت إلى البيوت.
ومن كان يظنهم بهذا الذكاء؟
اختفت بدلة لواحد من جيراننا كانت منشورة على حبل غسيل خارج النافذة الأرضية. ارتفع زعيق امرأة الجار في الشارع. لم تتهم أحداً بالسرقة. ومن يسرق بدلة ميري؟.
بعد يومين اختفت بدلة جار آخر من الغسيل أيضاً. لم يرتفع زعيق هذه المرة. وقبل أن ينتبه أحد إلى ما قد يفعله الثلاثة اختفت البدلة الثالثة. ورأيناهم وقد عادوا
إلى ارتداء الملابس الميري في تجوالهم. واحدة منها كانت ضيقة على صاحبها، ترك الأزرار مفتوحة. وأين ما كانوا يلبسونه؟ عثر عليها واحد متناثرة بين الأشجار فوق
التلال الثلاثة.
حين خلعوها في الليل أخذناها ـ وكانوا يخفونها تحت المرتبة التي يرقدون فوقها ـ وأعدناها إلى أصحابها وأخبرناهم بذلك. استمع أبي لما أقوله وعيناه تنظران إلى
النافذة، ثم تركني إلى الفراش.
يومان، ورأيناهم بالملابس الميري مرة أخرى، ولم يعلق أحد من الجيران عن فقد بدلته، بعدها أخبرني واحد من حراس بوابة السجن أنه من أعطاهم البدل بعد أن طلبوها
منه. بدل قديمة جاء بها من المرتجع في المخزن، وطلب مني ألا أتكلم حتى لا يبلغ الخبر المأمور فيبطش به، ورجاني أن أترك أبي في حاله فهو لا يؤذي أحداً.
* * *
ماتت أمي في هذا الوقت، ربما من حسرتها. كانت تنتظر عودته في الليل. تحممه وأسمع بكاءها في الحمام، وتطعمه بيدها وهى تغني له، تمسح ما يسيل من فمه. عيناه على
وجهها لا تفارقانه، وعندما تتلفت على صوت أو باحثة عن شيء يميل رأسه لينظر معها، وتصحبه إلى الفراش وتحتويه بذراعيها. يستكين في حضنها ويروح في النوم.
حين يتأخر في الخارج أكثر من اللازم. أمضي مع زميليَ للبحث عنهم. عادة يقعدون على دكة من الخشب في نهاية رصيف المحطة بعيداً عن أضوائها، ينظرون إلى القطارات
تأتى وتتوقف وتنطبق، ويمر عليهم بائع القصب. ونراهم وقد أمسك كل منهم عوداً يمصه، وعند أقدامهم كوم كبير من المصاصة لابد أنها تخلفت من عدة عيدان. حين يلمحوننا
يتوقفون عن المص، يرمي كل منهم ما تبقى من عوده ويقفون كالمذنبين، ثم يتبعوننا، يتهامسون فيما بينهم بأصوات لا نفهمها. وقبل أن نغادر مبنى المحطة نمر على بائع
القصب الذي يكون في انتظارنا، يرد لنا الساعات التي أعطوها له مقابل ما أخذوه من عيدان، وندفع له ثمن القصب ونمضى.
ويوماً كانوا يلهون على قضبان السكة الحديد بعد مص القصب. الوقت ليل، والمحطة تكاد تخلو، اثنان على دكة في الطرف الآخر أخذهما النعاس. ابتعد الثلاثة. بلعتهم
الظلمة، يتردد صدى ضحكاتهم، واحد منهم يمشى بين القضيبين، الآخران سار كل منهم على قضيب يبدل بقدميه مستنداً على كتف الأوسط الذي راح يطلق صوتاً أشبه بصفير
القطار، والقطار قادم من ورائهم وضوؤه يبدد العتمة، كانوا يمرحون وقد ضاعت أصواتهم وسط الضجيج المقبل.
أيام قليلة بعد رحيلهم وظهر الخبل على واحد من المتقاعدين الجدد، لم يكن مضى على تقاعده أكثر من ستة شهور، وتبعه ثلاثة آخرون كانوا يمشون في البداية بين البلوكات
مترددين، يتلفتون كثيراً حولهم وكأنهم لم يروا المكان من قبل، وكل يمسك بيد الآخر، ثم عرفوا طريقهم إلى الأشجار فوق التلال، ويقال أنهم عثروا هناك على آثار
من سبقوهم. حبل مشدود إلى فرع شجرة في شكل أرجوحة، ثلاث حفر عميقة متجاورة كالخنادق بداخلها بقايا أكل عفن كانوا يأخذونه على ما يبدو من البيوت قبل انطلاقهم
في الصباح ويحشون به جيوبهم.
هتف مأمور السجن مشدوهاً حين سمع بخبرهم:
ـ إيه الحكاية؟
وقال: والهدوم الميري؟ اخلعوها المرة دى.
ويوماً كنتا واقفاً بساحة السجن أرقب بعض المساجين يتهامسون فيما بينهم، ورأيت زميلي عبد الستار يمشي على مهل وبيده أوراق إخلاء الطرف حيث كان ينهي إجراءات إحالته
إلى التقاعد. تصفح الأوراق مرة أخرى، ودقق النظر في بعضها. بدا كأنما يكلم نفسه. نظر إلى قرص الشمس الساطع. نظر طويلاً رغم حدة الضوء، ثم التفت ورآني. تأملني
قليلاً وسار نحوي. وقف لحظة ساكتاً. ثم سألني:
ـ والدك فين؟
ـ والدي؟
انتبهت. رحت أنظر إليه. قال:
ـ زمن طويل ما شفتوش.
وجهه هادىء. ساكن. عيناه فقط تتحركان كثيراً، ينظر لكل ما حوله في وقت واحد. قال:
ـ آه صحيح. ليه لأ؟
أطرق ساكناً. يتأمل حذاءه. قال:
ـ واحدة أكبر من التانية. ربنا خلقني كده. حاقول له إيه؟ خذها وهات واحدة مقاس التانية. مايصحش. يزعل. قلت يا عبد الستار تعال على نفسك. أحط خرقة في الفردة
قدمي تستريح. وآهى ماشية. امسك دى.
مد لي الأوراق. ترددت. قال بحدة:
ـ امسك.
ومسكتها. تركني ومضى. ناداه نقيب المعتقل وكان يقف قريباً:
ـ عبد الستار؟
لم يلتفت. ناداه مرة أخرى. ظل في مشيته متجهاً إلى البوابة. الحارس هناك نظر إليه والتفت إلى النقيب، كان حائراً، تراجع خطوه مفسحاً لعبد الستار.
بلغني بعدها أنه لحق بالأربعة.