(4)
قلت لأبي قبل مرضه أني كنت أريد المعتقل.
قال: المعتقل لا يتبع مصلحة السجون وإنما أمن الدولة. ولا علاقة له بهم. وقال:
ـ وماله السجن؟ بعيد عن وجع الدماغ. وفيه رزق موش في المعتقل.
ربما كان يقصد الجوابات التي كنت أقوم بتوصيلها للمساجين، غير أن ذلك كان من زمن وأنا صغير، وهو ما لا أجرؤ على القيام به بعد استلامي العمل. أشياء أخرى عرفتها
بالصدفة. كان هناك من الزوار المتجمعين خارج البوابة من يدس ورقة صغيرة مطوية بجيبه في الخفاء ونحن نشق طريقنا وسطهم للدخول أيام كنت أرافقه في أجازتي، وأراه
في نصف إلتفاتة ينظر خطفاً للوجوه المتطلعة إليه، ألمح من بينها وجهاً يومئ خفيفاً، ونكون دخلنا وابتعدنا عن البوابة ويخرج الورقة ويفردها. يعيد ما بها من نقد
إلى جيبه. ويقرأ ما بالورقة ويمزقها قطعاً صغيرة تظل في يده ليلقيها في برميل القمامة.
ومرات يأتي إلى البيت نسوة مع بداية الليل. تلبس الواحدة منهن طرحة تخفي بها نصف وجهها. عادة كنت أفتح لها الباب. تسألني عن أمي. أدخلها إلى حجرة القعاد حيث
تشاهد أمي التلفزيون، ويتسحب أبي إلى غرفة النوم. أسمعها خلال باب حجرتي الموارب. تحكي المرأة عن زوجها الذي سجن ظلماً ولا تشير إلى تهمته. وتطلب منها أن توصي
به أبي، فلا يضربه الحراس، وان أمكن بطانية زيادة لأنه يبرد في الليل:
ـ يعني يراعيه شوية.
وتعدها أمي بأن تخبره وهو سيقوم باللازم.
تغادر المرأة وأمي ترافقها إلى الباب وتغلقه. لابد أن أبي سمع أيضاً ما قيل من كلام. كان يظهر في حجرة القعاد وأمي تلتقط المظروف الذي تركته المرأة على الترابيزة،
ويقف منتظراً أن تنتهي من إلقاء نظرة على ما به من نقود. وتقول ضاحكة:
ـ خذ. شوف أنت.
ويمضيان إلى غرفتهما.
فيما بعد عرفت من عملي في السجن أنه كان من الصعب على أبي أن يفي بما طلبته النسوة من أمي، كذلك أصحاب الورقات التي تدس في جيبه. أقصى ما كان يستطيعه أن يقول
بعض الكلمات العابرة للمسجون وبعد أن ينظر حوله:
ـ إيه. على فين؟ فيه ناس بتوصي عليك. امشي بقى كويس. هانت.
هو لا يخشى الحراس. فالكثير منهم مثله، لكنها العيون من المساجين. كانوا ينقلون إلى الضابط ما يرونه ويسمعونه مقابل أن يسند إليهم الأعمال المريحة في السجن.
كنت أفاجأ من وقت لآخر بتوقيع الجزاء على البعض من الحراس. كانوا يتكتمون ما جرى في التحقيق ولا يشكون.
نصحني أبي في بداية عملي أن أظل دائماً على مسافة من المسجون:
ـ لا تهزر معاه ولا يهزر معاك. ولا تعاديه ولا تضربه بدون سبب. سيتقبله منك إن كان مخطئاً. وأن يكون الضرب غير مهين. ولا تستخدم قدميك.
في تاريخ السجن ستة قتلى من الحراس، وتسع إصابات من مطاوي. والفاعل دائماً مجهول. غير الجروح المستمرة من قطع حجارة وزلط تصيب الواحد منا في مؤخرة الرأس.
لم أفاجأ في بداية تعييني بما أراه في السجن. أبي حكى الكثير. العلاقة بين مسجون وآخر. كانت منتشرة، أراهما يمشيان سوياً، ويشربان الشاي متجاورين عند الكانتين،
ويدخنان نفس السيجارة. حين أقوم بتوزيع العمل في الصباح كنت أراعي أن يكون الاثنان معاً.
ويوماً كاد عنبران أن يشتبكا. كان مسجون في الثامنة عشر سبق له أن هرب أثناء تجنيده، وحكم عليه بالسجن باقي مدة تجنيده. ألحق في التوزيع بالعنبر (أ). وصل احتجاج
العنابر الثلاث الأخرى إلى مأمور السجن، أصدر قراراً بتعديل قرار التوزيع السابق، ومفاده أن يقضي السجين المذكور أسبوعاً في كل عنبر بالتناوب، وأستقر الأمر.
العنابر الأربعة تتبارى في الاهتمام بالفتى. الفرشة النظيفة، والمكان المريح في العنبر. يغسلون هدومه وينشرونها في مكان مشمس بمدخل العنبر بعيداً عن هدوم المساجين
التي تنشر على فروع الشجر أو قطع الصخور عند السور. مواد النظافة والتجميل التي تهرب من الخارج. معجون أسنان. صابون. مناديل ورقية معطرة وكريم لترطيب البشرة
ـ هم لا يستخدمون هذه المواد، ولا يسعون لامتلاكها، وإن وجدت صدفة بين يدي الواحد منهم ينفر من استعمالها ـ كانوا أيضاً يضيفون إلى تعيينه من تعيينهم ويدفئونه
لإذابة الشحم المتجمد على سخان "التوتو" الذي يصنعونه في العنابر. ويقومون بعد إجراء التمام بحصته في العمل.
كنت أراه قاعداً على حجر مسطح بجوار الكانتين ـ أصبح معروفاً أنه الحجر الذي يقعد عليه فلا يقربه أحد في غيابه ـ وعلى حجر آخر مجاور له أصابع شيكولاته وعلب عصير
يشتريها المساجين من الكانتين، ويقعون بالقرب منه يضاحكونه. كان يوزع ابتساماته الصغيرة عليهم مسبلاً عينيه، مجففاً فمه عقب كل جرعة عصير بالمنديل المعطر ويده
متراخية على فخذه، ثم يضع قطعة اللبان في فمه. يلوكها في بطء، تتوقف حركة فكه لحظة ثم تعود، وأرى وجوه المساجين في سكونها تتطلع إليه.
يدهشني ما بدا على الولد من نضارة في شهور قليلة، وكان يوم مجيئه شاحباً هزيلاً.
ذات صباح باكر ذهب مسجونان من العنبر (ب). لاستلام الفتى من العنبر (أ). كان اليوم بداية الأسبوع الذي سيقضيه عندهم. رفض مساجين العنبر (أ) تسليمه، ولم يسمحوا
لهما بالدخول للكلام مع الفتى فهو لا يزال نائماً.
قالا: ننتظر حتى يصحو.
قالوا: حتى بعد أن يصحو لن يذهب معكما.
ـ كده؟
ـ آه كده.
كانوا يتناقشون قاعدين أمام العنبر. ونهض الاثنان دون كلمة أخرى وابتعدا.
لحظات وجاء خمسة من العنبر (ب). كان البعض من عنبر (أ). مازالوا في قعدتهم.
قال واحد من الخمسة وكان أكبرهم سناً:
ـ خير؟
ـ خير.
ـ ده ميعادنا.
ـ وبعدين؟
ـ ناخد الولد.
ـ بعد يومين.
ـ ولا ساعة. فيه اتفاق.
ـ بعد يومين.
ـ ده آخر الكلام؟
ـ آه.
ـ راجع نفسك.
ـ راجعت.
ـ طيب نشوف.
كان ذلك بمثابة اعلان الحرب.
الخطر تفوج رائحته. يشمه القريبون مهما بلغ التكتم. بالعنبران (أ) و (ب) لا حس ولا خبر. لا أحد يخرج أو يدخل، والشرر يتطاير. نحن الحراس أسرعنا نحمل العصي الرسمية،
والبعض أخذ مكانه خلف المتاريس حول العنبرين وبيدهم السلاح. الخبر طار إلى مأمور السجن الذى نهض من خلف مكتبه مغمغماً:
ـ عارف أن ده حايحصل.
قوة الحرس لا تكفي لوقف الاشتباك والفصل بين العنبرين، والمأمور أصدر أوامره بعدم حمل العصي أو أي سلاح. أتخيل الولد هناك في الطرف البعيد من العنبر (أ) لا يدري
شيئاً عما يجري. هم لن يخبروه حتى لا يزعجوه متربعاً على فرشته يحصي علب العصير والشيكولاته واللبان التي عاد بها من الكانتين الليلة الماضية، يرصها متجاورة
ويغطيها بقطعة قماش نظيفة، يشرب ما تبقى في كوب الشاي بالحليب الذي حملوه إليه عند يقظته، فهو يحب أن يغير ريقه قبل الفطور، استبدل سترته بأخرى نظيفة استعداداً
للتمام، ومشط شعره مستعيناً بشريحة مرآة معلقة بالجدار جنبه، ثم التفت ينظر حوله. مكانه يتصدر العنبر، فوق رأسه قرب السقف نافذة صغيرة ترسل ما يكفي من الضوء
والشمس إلى فرشته، وكانت تبعد خطوتين عن مراقد المساجين.
كانوا في حركتهم العادية مثل كل صباح. لا يشغلهم تربص العنبر (ب). سمعوه يتثاءب، وكان يمط جسده على الفرشة، رأوا الجسد الفتى مفروداً في هالة الضوء. والكتفين
النحيلتين تتحركان خفيفاً. أشرقت وجوههم الجهمة وابتسموا في رضى، ثم سمعوا صفارة التمام.
تم توزيعنا نحن الحراس هنا وهناك مع تكتل مجاور للعنبرين (أ) و (ب).
اصطفت طوابير العنابر الأربعة في أرض التمام.
جاء المأمور وخلفه ثلاثة ضباط. وقف صامتاً حتى سكتت الحركة. قال:
ـ يظهر أنني تساهلت معكم زيادة عن اللازم.
صمت، ثم قال:
ـ مفيش أسهل من الرجوع للضرب والجلد.
صمت مرة أخرى وقال:
ـ كل اللي حصل بلغني. واللي انتم ناوين تعملوه بلغني. فين الولد ده؟ تعال هنا.
خرج الولد من طابور العنبر (أ)، سرت همهمة خافتة بين أفراده أسكتها المأمور بنظرة صارمة. مشى الولد في اتجاهه حتى خرج من الطوابير. صاح المأمور:
ـ قف. بصوا له كويس.
الولد استدار. وقف متراخياً فى مواجهتهم. قال المأمور:
ـ هي ساعة زمن وأرحله لأي سجن تانى.
قال بعد صمت.
ـ عنبر (ب). عايز أسمع صوتك.
خرج سجين من طابور العنبر (ب). كان على ما يبدو الأكبر سناً. قال:
ـ يا أفندم فيه اتفاق. رحنا ناخده فى الميعاد. ولا سألوا فينا.
نظر المأمور ناحية طابور العنبر (أ). خرج منه مسجون وقف مثل الآخر. كان هو أيضاً الأكبر سناً. قال:
ـ يا أفندم الاتفاق على العين والراس. بس الولد عيان. قلنا يومين وياخدوه.
قال المأمور: عيان عنده إيه؟
ـ بيكح يا أفندم.
ـ بيكح؟
ـ أيوة يا أفندم.
ـ يروح العيادة.
ـ سألنا عبده التومرجي قال يشرب حاجة سخنة.
ـ وبعدين؟
ـ قلت لهم يومين بس يشد حيله ويروح معاهم.
قال عجوز العنبر (ب):
ـ عيان. كنا حانشوفه ونعمل له اللازم. وبعدين ده موش عدل ياخدوا من حسابنا يومين.
ـ وموش عدل تهملوه كده.
ـ نهمله ازاى؟
ـ آخر مرة أخذناه من عندكم. سبع قملات في رأسه. غير اللي في هدومه. والبراغيث. يا أفندم لا بيحموه ولا يغسلوا هدومه.
ـ شوفوا الكلام بقى؟
رفع المأمور يده منهياً النقاش، وأصدر قراره بأن يبقى الولد في العنبر (أ) يومين على أن يخصما من مدتهم في المرة القادمة.
وأشار بالانصراف.
يخطىء من يظن أن المأمور كان يعبث مسلياً نفسه. ومن أنا لأحكم على تصرفاته؟ غير أنني رأيت كيف نزع الفتيل. لا أحد يعرف ما كان سيحدث غيرنا نحن الحراس، وسنكون
أول الضحايا لو جرى الاشتباك، هم سيتبادلون الضرب قليلاً في البداية، ثم ينفجر ما بداخلهم من براكين، يشعلون الحرائق في أنحاء السجن بداية بعنابرهم ويقتلون
الولد وكل من يلتقون به وقد تبخر ما بينهم من خلاف.
قال زميلي وكنا في طريقنا لتناول الفطور بعد التمام:
ـ كده كويس.
ـ كويس قوي. الواحد أخذ نفسه. شفت الولد؟
ضحك: ـ آه شفته.
ـ ولا باين عليه تعب.
ضحك مرة أخرى:
ـ تكون فاكر أنهم بيناموا معاه كل ليلة؟ واحد وراء الثاني. كنت زيك. سألت الولد على جنب، وسألت مساجين. ممكن يمر الأسبوع في العنبر ولا واحد يقرب منه. هو اللي
يطلب. ومن ينام معه مرة لا ينام الأخرى. وكل أسبوع واحد حتى لا يتعبوه.
ـ زينة يعني؟
ـ حاجة شبه كده. زجاجة ملونة شافوها في الحوش. غسلوها وحطوها في العنبر. وتبقى بتاعتهم.
ثمة سجين يسميه المساجين "عجينة " فيما بينهم. يقولونها بلا ازدراء. وينادونه باسمه "صلاح". كان يغار من الولد، ويطلق عليه الكثير من الأوصاف التي لا تسر، وكانت
تبلغنا. راح يتحرش بالولد. يعترض طريقه ويهمس له بكلام لا يسمعه غيره. يتوقف الولد ويرمقه بقرف ويقول:
ـ عايز أمشي.
ـ على فكرة يا حلوة. يا خيارة مخللة. تمشي معايا؟
ـ عايز أمشي.
ومد يده يوماً وجذب الولد من سترته، فوجىء بأيدٍ كثيرة ترفعه وترمي به جنباً.
ومشى الولد.
عجينة لم يسكت. كان يقذف الولد كلما رآه بطوبة، وفلت عياره، راح يدهن شعره بالزيت ويفرقه من النص، ويهز مؤخرته أثناء المشي، ويلوك اللبانة مثل تحية كاريوكا في
فيلم رأيناه من أسبوع، وينفخها على شكل بالونة صغيرة ثم يسحبها بلسانه. وفلت عياره أكثر فراح ينتف شعر ساقيه بالحلاوة، ويسير مشمراً إحدى رجلي البنطلون كاشفاً
عن ساق بضة ممتلئة. صاحبه "فارس" وكان غليظاً برقبة ثور مبهور بما استجد على صاحبه من تغيرات، يسحبه في شدة من بين المساجين ويختفيان في العنبر. المساجين يخشون
التودد إلى عجينة. فارس أعلن من قبل أن عجينة صاحبه، وكان سريعاً في الضرب بالمطواة، لا ينتظر انتهاء الكلام. وسبق أن أصيب ثلاثة من المساجين حاولوا الالتصاق
بمؤخرة عجينة في دورة المياه. وخيطت جراحهم في العيادة، ورفضوا في التحقيق أن يتهموا أحداً.
أصيب الولد أخيراً بحجر في رأسه، انحنى في ألم يتحسس الإصابة بإصبعه. وعجينة وقف غير بعيد متحدياً يرمي بحجر ويلتقطه. وضع المساجين قليل من البن على جرح الولد.
ووقفوا ينظرون إلى عجينة، وكان هناك من اقترح الكلام مع فارس. وذهبوا إليه.
كان قاعداً في الظل أمام باب العنبر يشرب الشاي. وجلسوا. ظهر عجينة. وقف غير بعيد يلعب بالحجر، وفارس رآه وانفرجت شفتاه فيما يشبه الابتسام، ثم التفت إلى المساجين:
ـ عايزين إيه؟
حكوا له ما حدث للولد. بدت على وجهه مسحة من غضب. وقال:
ـ ولدكم لا يملأ عيني.
لم يردوا.
رمى تفل الشاي من الكوب بجواره، وغطاه بالتراب. قال:
ـ اللي حصل لا يرضيني. ولا يرضي أحداً. حاشوف.
طمأنهم بأن صاحبه لن يلمس الولد بعد ذلك.
نادى عجينة الذي اقترب متمايلاً. نالته لكمة قوية على ظهره. زمجر فارس.
ـ ادخل.
دفعه إلى داخل العنبر وهو في أثره.
عجينة نال العلقة وفلت عياره أكثر وأكثر. لم يعجبه أن يضرب ويهان بسبب ولد لا طعم له ولا لون، كان يختفي من الساحة بالساعات، وفارس يبحث هنا وهناك، بمشيته العجيبة،
منفوخ الصدر، لا يتحرك فيه غير ساقيه، وعجينة سعى إلى علاقات أخرى خاطفة. كان يطمئن المسجون بأن الجن نفسه لن يعرف، يصحب صيده إلى مكان ضيق خلف حجرة الإعدام
لا يقترب منه مسجون. الحارس الواقف بسلاحه وخوذته في كشك فوق ركن السور يطل على حجرة الإعدام كان وحده الذي يستطيع أن يرى ما يجرى في المكان الضيق، ينحني مزيحاً
الخوذة للوراء ويمد رأسه وماسورة البندقية تلمع في ضوء الشمس.
ورغب عجينة يوماً في واحد من أصحاب البدل الحمراء. أفصح عن ذلك لبعض المساجين، ربما لينقلوا كلامه إلى فارس:
ـ أشوف طعمهم إيه.
ـ طعمهم مر.
وقتها كان في السجن اثنان من البدل الحمراء. واحد منهما رفض مصاحبته وطوح بالمقطف الذي يحمله نحوه. الآخر استمع إليه محدقاً في وجهه، نقل المقطف إلى يده الأخرى
وغمغم:
ـ ماشي. فين؟
أخذه عجينة ناحية غرفة الإعدام. انتبه صاحب البدلة الحمراء إلى الغرفة وكان أمامها. تقهقر خطوة والثانية ثم استدار مبتعداً. لحق به عجينة قائلاً:
ـ فيه إيه؟
ـ ولا حاجة.
ظل في مشيته. عجينة لم يلح. سار بجواره. قال:
ـ طيب ندخل العنبر.
دخلا العنبر (أ) القريب منهما.
فارس في تجواله لا يهدأ. عيناه عكرتان ونظرته شاردة. أربع ليال وعجينة لا يبيت في فرشته ولا يراه في أي مكان. أبصرهما خارجين من العنبر وصاحب البدلة الحمراء
يرفع سرواله ويربطه. وقف فارس ساكتاً يحدق إليهما. عافت نفسه فجأة عجينة. ومن يقربه بعد أن أعطى نفسه لبدلة حمراء؟. نظر إلى عجينة دون غضب. عجينة حين رآه أبطأ
من خطوته. تبادلا النظرات. ربما في هذه اللحظة عرف عجينة من النظرة الباردة أنه سيقتل، وكأنما أفاق من غفوة، نظر حوله ثم عاد للعينين اللتين ترمقانه وتراخى
في وقفته. صاحب البدلة الحمراء التقط مقطفه وكان على وشك أن يمضى ثم توقف ينظر من واحد إلى الآخر.
استدار فارس مبتعداً.
بعدها رأينا عجينة يمشي منطفئاً معتدل الخطوة وعيناه تبحثان حوله عن فارس حتى يراه فيقعد غير بعيد عنه، وفارس لا يلتفت نحوه. ربما أحس المساجين بما سيأتي فابتعدوا
عن الاثنين. أصبح حولهما دائماً مساحة خالية، وفى العنبر كانت فرشة عجينة مجاورة لفرشة فارس يحتلان ركناً بعيداً عن المدخل. وبعد ما جرى وجد عجينة فرشته وهدومه
وقد طوح بها إلى الجانب الآخر. عاد بها إلى مكان غير بعيد عن فرشة فارس، والمساجين القريبون منهما نقلوا أشياءهم مفسحين المكان. يرقد عجينة على جنبه وعيناه
على فارس الذي يعطي وجهه للحائط.
هي أيام وعثروا على جثة عجينة ملقاة بالحمام، وحبل قصير مفتول من الخرق حول رقبته.
بعدها كان فارس يتحرك في أنحاء السجن متهدل الكتفين، لا يكلم أحداً، ولا أحد يكلمه، وأحياناً ينزوي طول النهار في ركنه بالعنبر، وكان هناك من يحمل إليه تعيينه.
وجاء يوم وعاد إلى زحمة المساجين، وراح يسأل عن الأحوال، واستطاع أن يلتقط عجينة آخر دفع فيه كما علمنا ست علب سجائر وربع قرش حشيش.