(1)

6 0 00

(1)

السجن غير بعيد عن البيت، أراه بسوره المتعرج عندما أكون فوق السطح أطعم الحمام، والحركة في ساحته الواسعة. المساجين بملابسهم الزرقاء هنا وهناك بحثاً عن دفء

الشمس. ثلاثة أو أربعة بالملابس الحمراء، المحكوم عليهم بالإعدام، يتحركون بين الآخرين أشبه برايات الخطر. يسحبون خلفهم مقاطف يجمعون بها ما تقذفه زوابع الهواء

من أوراق أشجار وجرايد وكراسات مدارس. يتوقف صاحب البدلة الحمراء والمقطف بين قدميه يرقبها تحلق في الفضاء، تبعد وتقترب، تعبر السور، وتسقط أخيراً. حين تكون

قطعة من جريدة يفردها، يتأملها من الوجه والظهر ثم يكورها ويرمى بها إلى المقطف، أحياناً تكون ورقة من مجلة بها صور ملونة يمسحها في ملابسه، يلقى عليها نظرة،

ويضعها في جيبه، يكتشفها بعد قليل أثناء توقفه ويرمى بها إلى المقطف.

لم يتجاوز عددهم يوماً أربعة. ينقص فجأة. كنت أطعم الحمام وأعدهم بنظراتي. حين أجد العدد الذي أعلمه ينقص واحداً أبحث عنه في أنحاء الساحة. أعرف أنهم لا يتحملون

البقاء في العنابر، ويستمر بحثي، وأقول أنهم لا بد أخذوه ليلة أمس، ولآن عملي في المعتقل فلا تصلني أخبار السجن في حينها، ويأتي وقت لا يكون هناك غير واحد منهم،

كفي مفرودة بالحب للحمام الذي تجمع حولها في هديل خافت، أرقب اللون الأحمر وقد توقف مستنداً لجذع شجرة صفصاف يدخن سيجارة. كانوا يصرفون له تعييناً مميزاً. قطعتي

لحم بدلاً من واحدة، وحلوى، وعلبة سجائر، يأخذ تعيينه بعيداً عن النظرات التي تتطلع إليه في فضول، وعادة ما يكون جلوسه في ظل نفس الشجرة.

لا أحد يصِدر إليه أوامر بعمل ما. هو من نفسه يبحث عن المقطف ويمضى به في الساحة. عادة قبل اختفائه بيومين يظهر واحد أو اثنان آخران يقفان متجاورين في الطرف

بعيداً عن زحمة المساجين.

* * *

البيت ميري. في بلوك من أربعة متجاورين. كان لأبي من قبل. هو أيضاً من بنى برج الحمام وعشه فراخ فوق السطح. أترك إطعام الدواجن لامرأتي، وأطعم الحمام بنفسي.

يسمح لي ذلك بالنظر لمبنى السجن، يبدو مختلفاً عما أراه حين أكون بداخله، وكأنني ألمح شيئاً عابراً من نافذة قطار.

الحمام يعرف موعد صعودي إليه. أجده في انتظاري، سرعان ما يتجمع حول كفي الممتلئة بالحبوب، يقولون أن الواحد عندما يطعمه من يده فإنه يألف المكان ويعود إليه دائماً،

أحياناً يصطحب في عودته واحدة أو اثنتين من مكان ما. حين زاد العدد وازدحم البرج أقمت واحداً آخر. وأكون في فناء المعتقل وأرى سرباً منه يحجب للحظة أشعة الشمس

حيث أقف، أتبعه بنظراتي وأراه يحط فوق البرجين. وأجدني منتشياً أرهف سمعي لعلي أسمع صفق أجنحتها قبل أن تستقر بالبرج.