(2)

5 0 00

(2)

المرة الأولى التي أدخل فيها السجن كنت في العاشرة. اصطحبني أبي وكان حارساً هناك. أحواض الزهور على شكل مربعات تمتد على جانبي المدخل. صفراء. بنفسجية. حمراء،

يتوسطها حوض على شكل مثلث من الزهور البيضاء، يشرف عليها مسجون يضع دائماً سيجارة خلف أذنه وأخرى مشتعلة في فمه. يعطيهما له كل صباح كما سمعت رائد السجن، وحين

أشرفت مدته على النهاية بدأ يتبعه مسجون آخر تميزه السيجارة التي يضعها خلف أذنه.

سرت مع أبي حتى الحاجز الذي يفصل السجن عن المعتقل. أعمدة حديد طويلة مغطاة بشبكة من السلك. ألمح من ثقوبها المعتقلين يرتدون ملابس بيضاء وشباشب في أقدامهم.

كانوا نظيفين حليقي الذقن بخلاف المساجين، وكان أبي استأذن ضابط المعتقل بأن يسمح لأي من المعتقلين بشرح دروسي. قال له الضابط:

ـ عندك. اختار.

زميل لأبي قام بالاختيار. قال:

ـ هو أصلاً مدرس في الجامعة.

وضحك في وجهي:

ـ مدرس خصوصي. عشنا وشفنا!.

كان يوم جمعة. فرش زميل أبي جوالاً في ظل شجرة. ووقفا غير بعيد.

جاء المعتقل. كان في عمر أبي، له ذقن صغيرة مدببة ويلبس نظارة. ألقى نظرة عابرة على كتاب المطالعة وسألني كثيراً من الأسئلة عن مقرراتي الدراسية الأخرى، وما

أفعله طول اليوم في المدرسة والألعاب التي أحبها. حتى أصحابي سألني عنهم. وعاتبني لأنني لا أستحم إلا مرة واحدة في نهاية الأسبوع. الاستحمام لابد أن يكون كل

يوم بعد العودة من المدرسة، وأشار إلى قدمي وكعبيها السوداويين. كان صبوراً على أخطائي الكثيرة في القراءة، أعطاني واجباً، قال أنه سيراه المرة القادمة.

كل يوم جمعة أمضي مع أبي إلى السجن، نشق طريقنا وسط زحام الزائرين المتجمعين أمام البوابة. للمعتقل بوابة خاصة من الجهة الأخرى. خالية دائماً. غير أن أبي كان

يفضل البوابة التي اعتاد عليها، وحراس الباب الذين عاشرهم طويلاً، كانوا يوقفونه ويتبادلون بعض النكات ثم نواصل طريقنا.

ويوماً نسيت أمي أن تدمس الفول ليلة الجمعة. أيقظني أبي باكراً لأشتري الفول. المحل هناك أسفل مبنى المحطة. بجواره بقالة ومقهى.

كنت أقترب من بائع الفول حين لمحت من يشير إلىَ. كان على ما يبدو واحداً من زوار السجن الذين يأتون باكراً في القطار وينتظرون بالمقهى لحين موعد الزيارة. اقتربت

منه. نهض وأخذني من ذراعي. أشار إلى كرسي بجواره:

ـ اقعد اشرب كوكاكولا.

ـ لا أشربها.

ـ طيب عصير؟

ـ ولا عصير.

ـ أنت ابن الأنباشي؟

ـ آه. ابنه.

ـ شفتك بتدخل معاه. إيه رأيك لو تكسب جنيه ويفضل السر بينا؟

ـ ازاي؟

ـ تأخذ جواب لواحد جوه.

ـ مسجون؟

ـ آه مسجون.

ـ المساجين كتير. أعرفه ازاى؟

ـ أي واحد منهم وهو يوصله له.

ـ كده صح. وآخذ الجنيه؟

ـ ولو جبت رد منه تاخد جنيه تاني.

ـ وأجيب الرد ازاي؟

ـ اللي تديه الجواب. قل له يجيب الرد.

ـ ماشي. وأجيب الرد هنا؟

ـ حاتلاقيني قاعد في نفس المكان ده.

ترددت قليلاً. سألني:

ـ إيه؟

ـ أنت حاتزوره. إديه الجواب.

ـ شوية بس اللي بيدخلوا زيارة. والباقي يمشوا. كذا أسبوع موش عارف أشوفه.

كنت أعرف ما قاله. سألته خشية أن يكون في الأمر ما يريب. وارتاح بالي. وارتاح أكثر حين رأيت البعض من زبائن المقهى جذبوا مقاعدهم إلينا، وهمسوا للزبون أنهم أيضاً

يريدون أن يرسلوا، والزبون رمقني متسائلاً. نظرت إليهم واحداً واحداً، وقلت:

ـ ماشي. الجواب بجنيه والرد بجنيه.

واتفقنا أن أذهب لشراء الفول وأمر عليهم في عودتي وآخذ الجوابات.

في البيت أخرجت سبعة جنيهات. وضعتها أمام أبي وأنا أكتم زهوي. حين عرف الحكاية قال:

ـ أقعد.

قعدت بجواره. أمسك بالجوابات وقلبها في يده. كانت مغلقة. تحسس ما بداخلها. وأرشدني إلى ما أفعل. ما أن دخلنا السجن حتى أفلت يدي ومشى إلى مربعات الزهور. كان

يكلم المسجون الجنايني ويشير بيده إلى الزهور البيضاء، ثم عاد. وقف يكلم حارساً قرب البوابة، ومضيت إلى مربعات الزهور. المسجون الجنايني كان منحنياً وظهره لي.

سحبت الجوابات من الفانلة الداخلية وأسقطتها في الفوطة المفرودة بجوار يده. لفها ودسها في جيبه. قطف زهرة صغيرة بنفسجية ومدها لي. قال في صوت خافت وهو يشير

إلى الزهور:

ـ حا يقابلك وأنت راجع ومعاه الرد.

أومأ خفيفاً نحو المسجون الذي يدربه.

وقد كان.

مضيت بالردود إلى الزوار. كانوا ينتظرون في المقهى.

يوقظني أبي باكراً كل يوم جمعة. أمضي لشراء الفول. كثر عدد الزبائن. وصل إلى خمسة عشر. الجوابات يدسها أبي تحت فانلتي الداخلية قبل خروجنا.

تناولت أخيراً وجبة البيض بالبسطرمة التي كنت أتشوق لها. وجيلاتي أيضاً. أُحضر علبة منه عند رجوعي بالفول. اشترت أمي قماشاً لجلبابين لها. وزاد نصيبي من اللحم

والفراخ أثناء العشاء. وبدأ أبي يتنازل لي من وقت لآخر عن الكبدة والقونصة حين تضعهما أمي أمامه أثناء الأكل. قبل ذلك كان يتغافل عن رغبتي فيهما. أحياناً تكون

الطيور في غداء الجمعة وأجد أبي يزفر من حين لآخر. تمتد قدمه تحت الطبلية باحثة عن قدم أمي. أسحب قدمي بعيداً عن مسارها. كنت كبيراً بما يكفي لأعرف ما يجرى.

وأري أمي ترتشف ملعقة الشوربة مسبلة عينيها وتجفف جانبي فمها بلقمة عيش. يتنهد أبي بعمق بعد الأكل مسترخياً بظهره، يسلك أسنانه بنتفة من الحصيرة. وتقول أمي

بصوت كالغناء:

ـ خلصت على الحصيرة.

يرد لاعقاً شفتيه:

ـ نجيب غيرها.

وقبل أن يأمرني بالخروج لشراء حاجة أقول أنني ذاهب لشراء عود قصب من عند المحطة. ويقول:

ـ مصه هناك. المصاصة بتوسخ البيت.

يدخل حجرته أخيراً وأنا مازلت بحجرة القعاد. وتمضي أمي إلى الحمام. أسمعه بعد قليل يناديها من الحجرة. ترد عليه:

ـ أيوة يا حاج جاية.

هو لم يحج. تطربه الكلمة. وأتخيله راقداً في السرير يهز قدميه المتعانقتين.

باب حجرتهما لا يغلق من الداخل. ترباسه مكسور. سنتان وأكثر وهو يقول أنه سيصلحه. أسمع صوت أمي الهامس:

ـ إيه يا حاج. الواد لسه ما خرجش.

ـ البسي القميص الأحمر.

ـ كل مرة الأحمر. أشتري واحد تانى يساعد معاه.

ويسكتان. هما ينتظران أن يسمعا صوت خروجي. أفتح الباب الخارجي وأغلقه ورائي.

ويوماً سمعته يقول لها:

ـ الشيخ النهاردة بيقول..

ـ شيخ مين؟

ـ شيخ الجامع اللي في السجن. بيعمل درس للمساجين كل أسبوع. قال لهم لا تنكحوا على امتلاء.

كنت في حجرتي. سمعت الكلمة وكتمت الضحك. أمي سألت:

ـ وبيقول الكلام ده ليه؟

ـ مسجون سأله عن أنسب وقت للعملية.

ـ ويتكلم في الحاجات دي؟

ـ من أول درس له يكلمهم عن جهنم وعذاب النار، واللي بيشوفه أهلها. الواحد منهم بعد ما يتحرق ويبقى فحم ربنا سبحانه يحييه تاني عشان يعذبه. والمساجين يسمعوا

الكلام ويروحوا في النوم. هو متربع على دكة وهم مقرفصين على الأرض يعلو شخيرهم. نمشي بينهم ننخسهم، يصحوا شوية وبعدين يناموا. قلت للشيخ ما تشوف موضوع تاني

للدرس. فكلمهم عن النسوان.

ـ النسوان. يا خبر. بيقول إيه؟

ـ ياما قال. عايزة تعرفي ليه؟

ـ آهو. أعرف.

ـ ما أنت عارفة كل حاجة.

ـ إيه يا حاج. ومين يعني اللي عرفني؟

ـ الشيخ قال الكلام ده وأنا بعد الدرس سألته: إيه العيب في أنه يكون على امتلاء؟ قال لي مكروه. وأنا قلت بأمارة إيه مكروه؟ أنا بحب أعمله على امتلاء. قال أن

كل ما هو ضار مكروه.

ـ والنبي شيخك ده ما فاهم حاجة في الدين. أنا كمان بحب على امتلاء.

أمشي في السجن غير خائف رغم الحكاوي التي سمعتها عن المساجين من أبي وأولاد الحراس الآخرين. أحس زهواً حين أرى هؤلاء الخطرين يلتفتون لينظروا نحوي وأنا أسير

خلف أبي، لا تبدر منهم تحية ما ـ بعدها بسنوات فهمت أنه قد يساء تأويلها ـ تخيم عليهم لحظات سكون وانفراجة خاطفة تلين معها وجوههم الجامدة وكأن في مشيتي بالبيجامة

ما يذكرهم بالشوارع.

ويوماً كنت مع أبي في نفس المشية، كان يتقدمني، مال مع نهاية العنبر ليسير إلي الجانب الآخر في اتجاه الحاجز الذي يفصلنا عن المعتقل. كدت أتجاوز باب العنبر المفتوح

عندما كتمت يد فمي وأحاطت ذراع بوسطي وجذبتني إلى داخل العنبر. أطبق فم على فمي يلعقه في عنف. كنت أزوم وأعافر، ثم أطلقتني اليدان، ولمحته يعدو مبتعداً داخل

العنبر. اندفعت خارجاً أمسح فمي بكم البيجامة لأزيل الرائحة الكريهة. جريت إلى أبي، ثم أبطأت متلفتاً حولي. لا أدري ما جعلني أخفي عن أبي، وكنت حريصاً بعدها

أن أجاوره أثناء مشينا في السجن.