-3-

8 0 00

-3-

إذاً إذاً.. اخذ رجب البحراوى واقرانه درسا مستفادا من حادث الصقيع ونزول الندوة كما سبق لهم ان عرفوا كيف يأمنون جانب هوام الارض كالثعابين والحشرات السامة وأشهرها هنا العقرب الاسود لا الجمبرى اللون!.. والتى قل شيوعها الى حد كبير فلم تعد تسمع صرخة او استغاثة احدهم وقد لدغ من إحدى هذه الزواحف والمفصليات وكأن الزراعة قد نظفت وطهرت الارض منها ، وهذه فائدة عظمى للبيئة فطوبى لليد التى تزرع..!

واذا كان حنفى قد تضرر من القرار العلوى الذى حرمه إنابة المزارعون له فى تسويق محصولاتهم فى السوق فإن المزارعين أنفسهم كانوا أشد تضررا لأسباب عديدة تتعلق كلها بظروف ملاك الاراضى اجتماعية كانت او صحية او حتى وظيفية..

ولصعوبة محاسبة الطرف الأقوى فى الشراكة بين الزارع المقيم والمالك المواطن.. ومن هنا التقت إرادة الطرفين على بحث سبل الإلتفاف على القرار او النفاذ من إحدى ثغراته.. فماذا يمنع المزارع من مرافقة صاحب الارض فى سيارة نقل مبيعات حقلة للسوق.. بحجة الحمل والحط أو ما شابه.. ثم اين حرية الإنسان الشخصية فى ان يوكل غيره لأداء عمل يخدمه خاصة اذا كان مريضا او طاعنا فى السن!

اليس الحجر على هذا الحق يعتبر تسلطا واهم من ذلك مخالفة لحقوق الانسان وصيدا سهلا لمن عين نفسه حارسا دوليا على هذه الحقوق على حد تعبير الافغانى الذى - على فكرة - كان لقاءة بذوى قرباه وأقرانه من بنى وطنه وديا غاية الود وحميما ودافئا.. وكان لحنفى من هذا الود والدفء نصيبا وافرا جعله يستشعر مشاعر هى الى المواطنة أقرب ، مع هؤلاء الشبان الافغان الذين غادروا وطنهم المعلن عن شرذمته وتقطيع اوصالة عالميا، بسبب الحرب الدائرة فيه بين العدو حبيب حقوق الانسان وبين آله الذين يتحاربون فيما بينهم اكثر!

الامر الذى ادعى معه هذا العدو انه انما جاء للإصلاح وإحلال الديمقراطية وقبول الآخر محل القتال والتناحر الذى امتد منهم الى الخارج واشعل النار والدمار فى أوطان هؤلاء الاعداء المحتلين..

- إنه قناع خادع يخفى به الأعداء مآرب أخرى.. لا يخفى على أحد مغزاها ومرماها وزيتها فى بحر قزوين والخليج العربى وزيتونها فى البحر المتوسط وأسواقة المتوغلة فى افريقيا!

قالها أحد أتراب الأفغانى وهو يقلب على النار قدرا وضع فيها لحم وخليط متجانس من الخضروات كان أبرزها البازلاء وقرون الشطة الهندية الحمراء الحارقة ، وسرعان ما نضج الخليط اللذيذ وشاركهم حنفى الطعام والأحاديث كأى فرد منهم شجعه على ذلك بساطتهم وروح الاخوة بينهم التى سرت منهم اليه فأدفأته وأرخت أعصابه واستشعر لأول مرة منذ وقت طويل صفاء ورقة فى نفسه وفى نغمات صوته حين يتحدث ، وكأنه لم يكن منذ قليل فى صراع مع تلك النفس يحاول الفرار بالسيارة فى طريق اللاغاية واللاعنوان!

آه.. ما اجمل الصحبة..

وما افعل مجلس الاصدقاء وابناء البلد الواحد فى الغربة..

انها العلاج الناجح وترياق الحياة من سموم الغربة هذه!..

حقا أن خير بلسم للكروب ألا تستسلم للمصاعب بالهروب!

وعجب كيف لم تنتابه تلك المشاعر العالية فى صحبته لبنى جلدته من المصريين؟!

لم يشعر معهم احيانا بالغربة؟؟

ألقى هذا السؤال دون حرج على أصدقائه الجدد الأفغان وأمعن فى الصراحة مضيفا:

- أسطوة النقود (إذا ماجعلها الإنسان هدفا) هى ما تدفعه إلى الاهتمام بنفسه (وفقط) وتباعد ما بينه وبين العالمين من وشائج فتتمزق فى قسوة لحمة الأخوة العامرة بالغذاء الروحى والدفء!..

وسكت برهة ليقرأ تعبيرات الدهشة على الوجوه الطيبة فلم يبال وأردف:

وكل شىء يهون إلا قيم الكرامة والحرية الشخصية التى أشبعناها جميعا - كبارا وصغارا - ضربا وتحطيما فأوشكت على النهاية.. وأوشك الوطن العزيز أن ينتهى معها فما كرامة الوطن الا مجموع كرامة المواطنين! تزايدت على الوجوه أمارات الدهش والذهول فلم يتوقف عن جلد ذاته وواصل:

- ولن يفيدنا كثيرا ان نتباهى بتاريخنا العظيم ولا أن نتمسح بعظمة أجدادنا.. فشعوب العالم جميعا عظيمة!..

فغر الأصدقاء الأفغان أفواههم تحيرا وكأنهم لم يتوقعوا أن يتحدث مصرى مع غرباء عن وطنه ومواطنيه بهذه الطريقة وقد عرف عن المصرى غيرته الشديدة واعتزازه الذى لاحد له بمصريته ووطنه الدائم الزهو به والغناء له! فماذا حدث لهذا الصديق الجديد الذى يبدو أنه فقد زمامه وواصل:

- بالله عليكم لاتنظروا إلى تلك النظرة! فأنا وطنى ولا يقل حبى لوطنى عن أى مصرى آخر! وسأثبت لكم!.. خذوا مثلا علماء الحملة الفرنسية.. ليسوا هم فحسب من فرق بيننا وبين أجدادنا هذه الفرقة التى تدعمها المقارنة الظالمة التى ما تزال حية الى اليوم.. فهم على قدر عشقهم الى حد التية آثار المصريين القدماء ورثوا لأبنائهم وأحفادهم فى الغرب ابناء اليوم.. قوة حبهم للمصرى القديم وضعف حبهم للمصرى الحديث!.. حبهم واعجابهم الذى لم ننتفع ولم نعرف كيف ننتفع به فى عصرنا الحالى لما بيننا وبين تاريخنا من فصام وانقطاع وجهل وسوء نية!..

ندت عنهم جميعا وفى صوت واحد وكأنهم على إتفاق آهة محملة بحرارة إنفعال صادق وتصايحوا:

- يا إلهنا الكريم! – العياذ بالله – حسبنا الله ونعم الوكيل - رب اهد ولاة الأمور!

على حين استتلى هو:

- ولما بيننا من إثرة وانانية ونرجسية.. تبدو مظاهر مثل عدم احترام الطوابير والتدافع على وسائل الركوب العامة فتقع بيننا جرائم هتك العرض والنشل دون ان نقصد!.. وجرائم الرشوة والمحسوبية وعدم احترام النفس.. وعدم المبالاة بالنظرة الباردة فى اعين السائحين والاجانب التى تلتقط الصور التى لا يحدها حصر نعم الكاميرات فى الأعين أكثر من لكاميرات فى الأيدى!.. ثم هم يعودون الى اوطانهم وهم فى حيرة لا يدرون اى درس مستفاد وايه ذكرى جميلة يقصون عما رأوه فى مصر.. غير أريحية المصريين وخفة الدم المصرية التى نتشدق بها ونضعها على افواهم قسرا ليعترفوا بها لنا.. ولا احد غيرنا..!

-.......................؟!!"

- ثم يا ليت الامر يقف عند خفة اليد او خفة الدم..!.. بل يتجاوزة الى حد ان بعضنا فوق التفريط فى كرامته الشخصية لا يتورع إرضاء لغرور الشخصية الأجنبية التى يامل ان يجنى من ورائها مكسبا مثل وظيفة او عمولة او حتى بقشيشا ان يكيل لنفسة اللكمات! ويصب على بنى وطنه اللعنات ولا يردعه عن نشر الغسيل الوسخ رادع من نخوة او ضمير!..

- كما تفعل أنت الآن!

نطق بها أحدهم فلم يهتم واستأنف:

- والمؤسف ان هذا الفعل المشين يتم على مستوى الجماعات مثل الافراد.. بل والاجهزة الرسمية مثل الاعلام السىء المضاد للنفس والمصاب بعقدة إيذاء تلك النفس فى التمثيليات التى نشرح فيها انفسنا وعيوبنا عمالا على بطال.. والبرامج التى تصف معاناتنا فى سبيل الحصول على لقمة العيش وما ندفعه من جهد ومشقة لا يقوى البعض على تحملها فيرتشى بعض المواطنين او تنحرف بعض النسوة لا سيما المعيلات منهن!.. وكله إلا هذا الذى يتفاخر بأنه يأكل على الغذاء بيضة مسلوقة فى إحدى التمثيليات فصارت كنية نادرة يلاحق بها الاطفال فى الغربة كل مصرى يرونه كما لو كان أهبلا يسير فى الطرقات على غير هدى..

يا ابو بيضة..!

وحتى

يا على عوض..!

وصلت اليهم هنا!.. فالمصرى لن ينجو من الهتاف عليه بها على سبيل اللعب به والمرح على حسابه!!.. آه.. حقا ليكف عقلى الأرعن عن هذا التفكير.. ولأعب ما شئت من روح المشاعر الاخوية التى تعبق بروائحها الزكية أنفاسكم فى الغربة يا أعزائى الافغان الذين تتقاتلون فى وطنكم ما شئتم!.. لكنكم خارج هذا الوطن تتحابون وتتبادلون الخدمات والزيارات والوظائف والأموال.. ونحن على العكس من ذلك.. آه.. مرة أخرى أعود لجلد النفس..!.. الى حد الاهانة..!.. ليصمت هذا الصوت فى داخلى حتى لا أصر على محاورتكم بتلك الطريقة.. ولاستمع اكثر الى ما يهدىء الاعصاب ويضرب المثل والعبرة من أصوات كل الاخوة الاعزاء الذين يعرفون قيمة الوطن والمواطنة فى الغربة..

قال ذلك والتحف بالصمت وأرنبة أنفه تهتز فى توفز وعصبية زائدة كأنه يعانى ضربا من ضروب الخزى الذى يتهدد وجود من يصيبه بالمحق..

- مالك يا اخى.. أراك صامتا.. واجما فجأة بعد هذه الخطبة العصماء؟!

قالها رفيقه الذى صار لا يدرى أيهما اصطحب الآخر الى هذا اللقاء العامر ومن منهما الذى كان يقود السيارة!.. وهو يربت فى لطف ومودة على كتفه فاسرع يجيبه كى يبدد من نفسه تماما اى ريب فى صدق ما تظاهر به من مودة وإخاء فى بداية وإبان حديثه المطول الشديد القسوة:

- لا.. لا شىء كل ما فى الامر اننى انتظر رأيكم فيما قلت باهتمام شديد وجدية زائدة واعقد مقارنة صامتة فى أعماقى بيننا وبينكم وكما تعلم الشىء الذى يزيد عن حده..

اكمل رفيقه العبارة ضاحكا وهو يناولة قطعة لحم كبيرة:

- ينقلب لضدة..!.. وطالما انك تعقد مقارنة فتأكد ان ثقافتنا واحدة..

فتناولها منه وهو يشكره ويتبادل مع الآخرين نظرات مفعمة بالرغبة العارمة فى التفاهم وتأكيد نبل شعوره نحو بنى وطنه والود الذى لا يهون إلا على أولاد الحرام!

وعى حين غرة وكأنها مجرد مصادفة فى تلك اللحظة هبط على سمعه من بيت مجاور صوتا رخيما يشدو فى طلاقة أنشودة:

- وابتسامة شمسنا أجمل تحية للضيوف!

فكانت كالغيث هبط من السماء بردا وسلاما على قلبه الذى تحرق بما نطق به لسانه الأرعن! وأجال النظر فيما حوله بلهفة وكأنه يسأل " لمن الصوت " وتشابكت عيناه مع أعين أصحابه وكأنه يعترف لهم بأنه قد تورط ووقع فى زلة لسان يتوجب الإعتذار عنها..

ويبدو أن الشخص اللماح الذى وجه إليه مايشبه التوبيخ منذ فليل قرأ علامة الاستفهام وأمارة الإعتذار فأسرع موضحا:

- فى جيرتنا يقطن مصرى لايكف عن الغناء لوطنه!

فالها وهو يركز نظراته عليه كأنه يقرظه ويقرعه كرة ثانية فطأطأ حنفى هامته وغمغم:

- بالله لاتنظر إلى تلك النظرة!.. هذه ليست أخلاقى ولا أخلاق المصريين!.. إنها أخلاق الزحام!.. فنحن قد تحددت إقامتنا فى الوادى على نصف معشار مساحة الأرض!.. فمن واصل تحديد إقامتنا بعد جلاء الإستعمار الذى عانيناه طوال تاريخنا تاركا لنا من أنفسنا أذنابا يجلدنا بها أشد منه قسوة!.. من زرع الألغام فى أرضنا الخصبة على الساحل الشمالى الغربى وعلى الحدود!.. إسمعوا أنا بحاجة للدفاع عن نفسى أمام نفسى أولا وقبل أن يكون أمامكم!.. عندى قصيدة تحوى قصة طريفة.. تعبر عن واقع الحال وتحضرنى الآن كتبها شاعر وأديب مغمور إسمه محمد بهاء الدين فودة!.. بعنوان ضحكة فى الغربة أتلوها عليكم الآن فاسمعوا!

وتهيأ لإلقاء القصيدة واقفا! وبانت على الحضور علائم الإستحسان والإهتمام بتركيز الأنظار وتشنيف الآذان

هتف من قلبه:

هاجرت من قريتى نزهة حللت قرية منه العوض

طاردنى صبيانها بكنية أمير الأراضى البور والمرض

إختل توازنى بالمرة تملكنى شيطان نهض

أقعيت ألتقط طوبة وأصرف ماتجمع لغرض

جاءت الطوبة بالمعطوبة مواطن شق عليه مسلكى

حدق فيما تناثر من الحوبة ونضى عن نفسه شكوتى

أصم أذنيه عن التوبة هالنوبة للشرطة ساقنى

ناشدته بربيع قلبه وصلى وأصل عائلته وأصلى

وأننا من عين الحوطة فرقنا من ساد بإهدار وصلى

أخرسنى بوصفى من ساسى لراسى أجنبى ثعلبي

أعزف على الربابة أنشودة ذوى القربى والبال الخلى

أدعى العلم بمذهب الروضة والأصفر الرنان مذهبى

الدجاجة الأصل أم البيضة إن كنت حقيقة ما أدعى

تبغاها بيضه أم سوده؟ سألت فهذا موكول بما يشتهى

فكر أن لكلامى غرض أبعد من حبائل مأزقى

وأن كافة الألوان معى يتخيرها فى ظلمة خلوتى

سأل ماعندك أجبت أمل إسم جميل لمرام زئبقى

أشار مستزيدا قلت عسل سال لعابه لطيف حلوتى

هش الصغار كدجاج منفلت التربية والتعليم اللولبى

تيقنت من نجاح حيلتى بات المذكور سمكة فى أنشوطتى

إستولى عليه وهم هرمى إختزل وطنا هرم فى سنارتى

خياله مجرد نسج تمثيل غبى فالهرم مجرد شارع فى بلدتى

أول حكومة بأنهر وطنى أعلام خضراء لصفصاف كرامتى

بائعات كل لما نوى لا جميلات هوى أفق يا من توهم فهوى

ما خلته سراب فى ضيعتى ألوان طيف ورجع صدى غربتى

أنا بتقواك قوى وعزتى أرفض من أهدرها من بنى جلدتى

***

هبط الافغانى من السيارة بعد أوبتهما من زيارة أحبائه فى الميدان الواسع الذى تلتقى فيه وتتقاطع كل الطرق المؤدية من القرية الكبيرة الام التى فى وسعنا ان نسميها عاصمة المركز الى كافة القرى والتوابع المحيطة والتى كانت القرية التى يقطن بها واسرته احداها كان الميدان عبارة عن جزء يتسع من الطريق الرئيسى المفضى فى النهاية بعد مئات الكيلومترات الى عاصمة المملكة ويمتد اتساعة بعيدا وحول حرم الطريق وعلى جانبية تقع العديد من ورش صيانة السيارات والمحال التجارية والمطاعم كان ابرزها مطعمين احدهما تركى يقدم كافة الأشربة والأطعمة المطبوخة على الطريقة التركية ، خاصة الخضروات فضلا عن ارز الكبسة وشطيرة صغيرة على شكل متوازى مستطيلات محشوة لحما وشهرتها عامة " كالكبسة " فى جميع البلاد وخاصة فى شهر رمضان تدعى "سمبوسك" وغير ذلك يقدم المطعم الكثير من ألوان الحلوى والشطائر والمخبوزات الشرقية والغربية على الطريقة التركية سأل حنفى احد العمال الاتراك عن ذلك يوما فأجابة قائلا:

- اننا فى هذا المستوى العالى من المنافسة يجدر بنا الا نصف كل شىء بانه تركى.. كل شىء جميل.. ونتساءل هل هذا الجمال تركى الاصل ام تركى امتزج بالطريقة الغربية.. ومن الخطورة ان نحدد غايتنا كلها فى السؤال هل الطريقة التركية شرقية او غربية فى صنع هذا الطبق او ذاك.. لاننا على السطح سنجد مذاقا واذا ما تعمقنا قليلا سنجد مذاقا آخر هذا اذا كانت النية حسنة!.. أما إذا لم نحسن النوايا فإننا لن نجد أي مذاق مهما تعمقنا ولن يتفق اثنان على درجة الحلاوة وأيهما أحلى السطح ام العمق.. لأن إجابة السؤال تتوقف على ما هية الواحد منهما.. اعنى ما هية من يتذوق لا المتذوق منه!.. والى اى فريق التشجيع ينتمى!

-كل هذا فى الطبق؟!

- أجل!.. واذا كان من هؤلاء الذين لا يهتمون بان يكون لهم رأيا فهل يعنى هذا انه فقد تماما حاسة التذوق؟! ولا استطرد اكثر من هذا لان السؤال الواحد سيفضى بنا الى المزيد من الاسئلة.. كما لا يصح مطلقا ان نلقى هذا السؤال الخالد " من هم ولماذا ينشدون غير ما هم عليه أصلا "؟.. لأن الطريقة التركية فى الطبخ وفى كل شىء أصيلة أصالة المنبت!.. وهى الطريقة الوحيدة فى تلك المنطقة من العالم التى لم يجرؤ محتل على غزوها على طريقته.. بل كانت هى التى اخترقت حدودهم وغزت ديارهم!

- يا سلام كل هذا فى فن الطبخ!

- وفى كل شىء!.. إن هؤلاء الغزاة ينكرون عليها اليوم طلب الدخول فى وحدتهم مخافة ان تفتتهم وتبدد صفهم بمالها من أنفاس أصيلة ومعترف بها.. تاريخيا على الاقل فى فن الطهو طبعا.. إنهم على يقين من ان ريحهم ستذهب من شدة تيار هذه الانفاس التى تهب حادة قوية كالإعصار من صدر سليم وأبو العباس! وهم ما اتحدوا الا ليستمدوا من اتحادهم قوة على كتم تلك الأنفاس..!

- رباه.. ماذا اقول.. اكل هذا التداعى للافكار بسبب وصف طريقة الطبخ التركية.. قهقه العامل التركى ضاحكا وهو يتأمل حنفى ينسحب من جلسته مبتعدا كمن يبغى الفرار بجلده من مواجهة لا يرغب فيها..

- هو مطعم والسلام!

قالها حنفى لنفسه وهو يتأمل أثناء انصرافة العمال الاتراك منظمين.. محترمين.. آكلين وشاربين يعرف مكانهم كل ذى حاجة لاستخدام أى منهم فى شأن من شئونه الصناعية او البنائية والاتراك هنا -كما يراهم حنفى - أهل صناعة وبناء.. ومنذ القدم يكن لهم الشعب السعودى حبا جما ويعلى قدرهم ويتخذ من اسم تركى ما يطلقة على ابنائه كما سبق واتخذه الأجداد لقبا يميز أحد أكبر عوائلهم.. وربما العائلة الكبرى المنتشرة فى جميع بقاع المملكة أصلها تركى حقا.. بجوار الاسماء الكبرى لعائلات مثل العسيرى والشهرانى والالمعى والدوسرى والشهرى والاحمرى وآل زهران وآل الشيخ وآل فودة.. الى آخره من العائلات التى تندرج جميعها فى رافدين كبيرين عظيمين هما آل " قحطان " الذين يعتبرون انفسهم أصل العرب.. وآل "عدنان" وهم امتداد اصل العرب ومن وفدوا من الشمال مبشرين بسيدنا ابراهيم عليه السلام.

أما المطعم الثانى فهو هندى ولا يقدم غير الكبسة والدجاج المشوى وطبق سلطة الخضروات الطازجة والعدس احيانا ومن ذلك يتجلى لنا انه لا يقدم الاطباق الهندية التى نعرف ان لاوراق الاشجار والشطة الهندية الصغيرة الزاعقة الحراقة دور رئيسى فيها.. وليس له من الهند إلا عماله الذين يديرونه والذى تقف امامة او تجلس بداخلة كافة طوائف العمال الأخرى من مصريين وسودانيين ويمنيين وباكستانيين وأرتريين وأفغان..

وهذا الحصر لا يعنى أنها كل الطوائف العاملة ، فهناك عمال من الفلبين وكافة أبناء آسيا وخاصة بنجلاديش، بل وافريقا من كينيا والمغرب، غير ان أكثرهم لا يفيضون عن حجم الطلب، بل يأتون من بلادهم على قدر الطلب ، فتراهم قائمين على اعمالهم فى اماكنها ولا يقفون على النواصى مثل تلك التى تقع امام المطعم الهندى فى انتظار من ياتى لاستخدام احدهم وقفة المتسولين!.. فإذا ما حدث وجاء هذا الأحد فانه كمن جاء بالحسنة وفرج الله ، تراهم جميعا يجرون فى اتجاهه وهو ينزل رصينا منتفخ الاوداج كالقائد الأعلى للقوات المسلحة أو الملك! من سيارته واذ ينتهى تكالبهم عليه بوقوفهم امامه فى سكون وتأدب مفتعل إذ الحقيقة أن كلا منهم يتحرق شوقا ولهفة على اختياره هو من دون الجميع للعمل لدية ايا كانت نوعية العمل ، هم قادرون وعلى خبرة بجميع الاعمال من نجارة وسباكة وبناء وزخرفة وحتى منهم الخبراء برعى الغنم..!

وتمر دقيقة الصمت ثقيلة يتفحصهم فيها الرجل بنظره الثاقب المتفرس.. ثم فى النهاية يتركهم كأنه مل حرية الاختيار المطلقة وآثر ان يختاره أحدهم!.. نعم يختاره هو وتتابعه الأعين التى تكاد ان تخرج من محاجرها كما لو كانت تتابع النجم الثاقب فى غزوه المبارك تحت المجهر! وهو يخطو خطوات تجاوز بها جمعهم الى جدار المطعم وصائحا بشاب أسود وقوى البنية يرتدى جلبابا ابيضا نظيفا وعلى رأسه عمامة كبيرة تماثل عمامة الأفغان لكنها كما يقول الإعلان أنصع بياضا!

- أنت!

ودون أى حراك وبهزة هينة من رأسة ينظر الشاب المختار اليه دون ان ينطق علامة على التساؤل:

- أنا!

فيستطرد طالبه فى نفاذ صبر:

- نعم أنت أيها السودانى المتمرمر!

ويوشك على نعته بكلمة من الكلمات التى يشتهر بها أبناء كل طائفة عمالية ضائق الصدر لكنه يتردد لأنه يعلم انه إن تفوه بكلمة تمس كبرياء او شعور هذا الصنف من الناس سيخسره فى اقل تقدير ان لم يتلق منه لفظا مشابها! ، فالسوادنى ابن النيل بحق يعرف قدر نفسه ولا يعرف كيف يفرط فى كرامته ابدا! وهم مشهورون هنا بالأمانة والإخلاص وإتقان العمل الذى وكل اليهم وبالنظافة أيضا، دائما الجلباب الابيض مكويا نظيفا ولا يفرط فى العمامة مطلقا!، فإذا كان السودانى يعمل فى بنك او مؤسسة مالية فانك تراه امين الخزينة! ، واذا كان مهندسا او يقوم بعمل فى اعمال البناء فانك تراه المشرف على نسبة خلط مواد البناء وأمين المخازن! ، ونادرا ما تدخل مستشفى وترى على الأسرة فى عنابر كسور العظام أى مكسور سودانى! واذا رأيت فستراه الطبيب! وإذا ما شاهدت احد الذين ينفذون عقوبة الجلد فى اشهر ميدان عام بالمدينة ، او من ينتظر حد السيف بيد السياف تنفيذ لعقوبة الإعدام لن تجده سودانيا!

واكثر من ذلك ان وقع لسودانى حادث أقعده عن العمل ، او لم يعد به صالحا للعمل فإن جميع السودانيون بجميع أصقاع المملكة يجمعون له من المال ما يعوضة عن عشرات السنين التى لن يقضيها ويعيدونه لبلدته فى السودان كريما عزيزا مدججا بسلام المال! أو يبنون له البيت الذى اغترب من اجل كسب المال اللازم لبنائه فى بلدته ويقدمونه هدية له ولاسرته السعيدة..

ولكن..

كيف يعلم جميع السودانيون بذلك الخطب الذى ألم بأحد مواطنيهم على اتساع ارض المملكة الشائعة المساحة؟

يقال ان السفارة السودانية لديها جميع عناوين السودانين وارقام هواتفهم وان موظفيها يقومون بأداء هذا العمل الشاق نيابة عن الجميع..

نعم هؤلاء ابناء النيل حقا.. وهكذا يكون أبناء النيل..!

***

- يابن النيل.. يابن النيل..!

- من.. من؟

- انت لماذا تتلفت حولك ولا يوجد غيرك وغيرى هنا إبنا للنيل..!؟

وحملق حنفى فيمن يخاطبه بعد أن تابع بناظريه إنصراف رفيقة الأفغانى الذى نقده أجره وذهب لحال سبيله وعرف من هيئته ومن لهجته انه سودانى فمد له يده مصاحفا بحرارة ابناء النهر الواحد! وتمتم قائلا:

- إنما كنت أنظر الى صديق افترق عنى لتوه.. ثم أنه فى رواندا ايضا أبناء للنيل مثلنا..!

وسكت هنية ليرى تأثير العبارة ذات المغزى الواضح على مرآة نفس صديقه فإذا بتلك المرآة فى الوجه تمتقع

بغته ويبدو السوداني البرىء المقصد وكأنه مقبل على معاناة انفعال مؤلم فيسرع حنفى متضاحكا ومضيفا:

- لا.. لا بالله عليك ما قصدت الا مداعبتك يا اخى فى النشاة والتربية التى تعادل وحدة الوطن..!

تهللته أسارير السودانى قليلا حتى بان بياض أسنانه وتغير وجهه من الأسف الى الاستبشار وغمغم:

آه.. تقصد ما وقع من مذابح لقبائل "التوتسى" على يد ميلشيات قبائل "الهوتو"!

- إياها أقصد!.. يا إلهى.. هذا فظيع.. فظيع!.. لم...

واتقد وجه حنفى انفعالا وبرقت عيناه اللتان راحتا تنظران بعيدا فى اللامنظور وهو يردد فى صيحة مكتومة او بالأحرى صرخة حبيسة من فؤاد يكاد ان ينفطر:

- يا إلهي.. لم...

فتداركه رفيقه فى السؤال وأمسك يديه ووضعها بين كفيه بطريقة تمثيلية مؤثرة لو ان احدا شاهدهما لظن بهما الظنون او لخال انهما يتدربان على أداء مشهد تمثيلى فى بلاد تخلو مدنها تقريبا من المسرح لسبب بسيط هو أنه باعتباره فن محاكاة الحياة فيستحيل ان يقوم بدون المراة وهى نصف الحياة.. بل هى حياة الرجل كلها! وهذا مجال آخر فسيح لعمل منظمات حقوق الإنسان الخارجية المتغلغلة فى المجتمعات العربية يضفه حنفى وهو يفكر فى عمل زوجته التى يبدو انها فقدته للأبد ووجد نفسه يكرر فى آليه:

- يا إلهى.. لم..؟

وبالطبع لم يحط رفيقه السودانى بحقيقة ما يفكر فيه هذه المرة وخال انه لا يزال يسأل عين السؤال عما حدث فى رواندا فاجتذبه من يده وسار به يخطو نحو المطعم الهندى قائلا فى سماحة وخفة روح:

- تعال نشرب شايا.. يا اخى فيم تفكر عميقا وحزينا.. تعال نزداد تعارفا يابن النيل..!

كانا واقفين بجانب السيارة التى اوقفها حنفى بمحاذاة جزيرة صغيرة من نباتات الزينة فى منتصف الساحة امام محطة للوقود تمد مختلف انواع السيارات.. ولعلها أبرز معالم المكان التى ربما جاءت تسميته بالمحطة منسوبا اليها.. او الى أنه ملتقى تجمع العمال ها هنا.. ونبعث فى رأسه فكرة مؤداها انه انسب مكان يعثر فيه على زبائن لركوب سيارته وهو يسايره صوب المطعم.. وهناك بعد ثوان كانت جلستهما وكان تبادلهما لحديث ذى شجون..

- لو تمت الوحدة او حتى التكامل بين شعبى وادى النيل لعم الخير ولما احتاج احد للاغتراب بحثا عن فرصة عمل.. لأن مساحة الارض الزراعية الخصيبة البكر فى السوادن تبلغ ما يربو على عشرين ضعفا مثيلتها فى مصر.. فاذا ما اتحدت الايدى والخبرة فى البلدين لامكن انتاج غذاء يجعل السودان سلة العالم العربى بأسره.

- ولكن كيف يتسنى ذلك وعلى ارض السودان تشتعل الحروب الأهلية..؟ للأسف هذا الوطن الذى يتحد أبناؤه فى الغربة يدا واحدة فى مواجهة النوائب.. نراهم يختلقون النوائب والمصائب لأنفسهم ولوطنهم الذى يتمزق جنوبه وينفصل وغربة وجمر النار تحت الرماد فى شرقه وغربه!.. لماذا يتقاتلون..؟

- على الثروة..

- لقمة العيش..؟.. يا إخوان النيل لتعم الثروة الجميع وليأكل جميع الناس.. لا فى وادى النيل فحسب بل فى حوض النيل أطول أنهار العالم العيش والملح فى طبق النيل الواحد.. ببساطة هكذا لأن هذا النهر الخالد أحد أنهر الجنة! وهذه اقل تحية.. بل هذا اقل توقير وإجلال له!..

- صورة جميلة..

- ليست صورة.. بل هو حقيقة نحلم بها..

- كيف..؟

- سألتنى.. سل نفسك يا أخى!.. إذا كان حقا ان سفارة السودان هى السر وراء وحدة ابناء السودان فى السعودية..

- وفى أى مكان..

- حسنا وفى أى مكان.. والسفارة جزء من الحكومة.. فماذا يمنع كل الأجزاء من العمل بذات المنطق للمساواة والعدالة..

صاح كأنه ينادى على الحلم:

- يا سوار الذهب أين انت!؟ قد سلمت قيادة المسيرة لمن انتخبه الشعب ليكون حكم الشعب بالشعب وللشعب فلماذا انقطعت المسيرة ولماذا اندلعت نيران العراك هنا وهناك تغذى أتون الإنفصال والفرقة؟

- الصورة قاتمة فعلا.

- قاتمة فقط.. وما يحدث فى دارفور ألا يشبة ما حدث فى رواندا؟

- إنها نار الفتنة تأتى دائما من الخارج.. تأكد!.. ومن يعادينا له هدف معلن وهدف خفى.. ففى أفغانستان كان هدفة المعلن القضاء على الارهاب بينما الخفى هو أن يكون قريبا من بترول بحر قزوين!.. وفى العراق كان هدفة المعلن إسقاط الحكم المستبد والخلاص ممن يسعى لامتلاك أسلحة الدمار الشامل ومنح الحرية للشعب بينما هدفة الخفى ان يكون على قلب مضخة بترول الخليج العربى!.. ثم هو فى النهاية قد تعلم درسا ان يحقق اهدافة وهو يركب حصان الأمم المتحدة ويشهر سلاح مجلس الأمن!

وفى السودان بترول واعد!

- جدا!.. فى الجنوب والشرق والغرب.. والشركات الصينية تبحث فى صمت.. وهذا ما يؤججه ويجعله يوقد نار الحركات الانفصالية التى إذا ما قتلت الإنسان الأعزل البرىء وجدها هذا فرصة لركوب حصان حقوق الانسان والمحكمة الدولية لجرائم الحرب التى يأبى أن تكون له عضوية فيها حتى لا يمثل أبناءه أمامها ومع ذلك هو يعمل بها جهارا نهارا على مطاردتنا بها!

- كان الله فى عوننا ليس من حقنا ركوب خيل الحقوق واذا ما تجاسر احدنا وحاول ان يعتلى حصان العلم الحديث يجد من يعادنيا ومعه كل الدولة الغربية وصنيعتهم التى تريدنا ان نعترف بها يهودية صافية.. له بالمرصاد فهو مارق وشرير وخارج على القانون ويجب إنزالة من فوق الحصان وإيقاف نموه!

- الله سبحانه يأمرنا بأن نعد لعدونا وعدوه ما استطعنا من قوة ومن رباط الخيل

- عدونا يعتبر هذا إرهابا ويطالب بحذف الآية الكريمة المعبرة عن ذلك من القرآن! ومع ذلك لا يكف عن بيع السلاح لنا..!

- نعم تجارة السلاح هى الأولى فى العالم وأرباحها خيالية وهذا هدف اخر لمن يعادنيا غير معلن!.. ولكنه لا يبيعنا سلاحا نستخدمة ضده فالسلاح لقتل أنفسنا او ليصدأ ويصبح خردة بالمخازن!.. ثم هم لا يبيعون لنا غير الأسلحة القديمة التى إستغنوا عنها وغير المتطورة او الحديثة!

- معك حق يسمى حروب الإبادة لنا "عمليات الدفاع عن النفس" كما حدث فى عملية الرصاص المسكوب على غزة!

- والحصار بمختلف أنواعه وأشكاله دون ان يكون لنا حق الدفاع عن النفس وحق العمل للمقاومة وفك الحصار فالمقاومة إرهاب!

وعند هذا الحد من الكلام سكت الاثنان وساد بينهما صمت طويل لم يحرا فيه حراكا كأنما غرقا حتى الثمالة فى حديث آخر لا نهاية له مع النفس.. ثم أخيرا تمتم السودانى بعد أن دس يده فى جيبة واخرج شيئا فإذا هو صورة لرجل متقدم فى السن تبدو عليه سيماء العظمة والوقار:

- أتعرف هذا؟

وهتف حنفى بدورة متسائلا وهو يتناول الصورة منه بأنمامله ويدقق فيها النظر وظهرت عليه أمارات من يحاول جاهدا التذكر:

- الصورة لمن.. من؟

فعاجلة بالإجابة مسرعا فى شبة استنكار لكن بحماسة:

- ألا تعرفة حقا؟.. إنه الشيخ حسن.. يا أخى فى كل شىء يتعلق بالمصير وفى النيل.. كن معنا!

وبرقت عيناه بريقا أخاذا وهو يكرر مواصلا فيما يشبة الغضب:

-كن معنا.. كن معنا!

وأدرك حنفى هدف الرجل الحقيقى من وراء جلسة السمر الأخوية هذه " فى المصير وفى النيل "وكاد أن يأخذه ذاك النوع من الغضب الذى تستشعره الفريسة وهى مقبلة على فخ نصب لها فهب من جلسته منتفضا وفى ذات اللحظة اقترب منهما شاب سأله دون مقدمات:

- فاضى يا أوسطى!

- بالطبع قد جئت يا منقذى فى اللحظة المناسبة!

وامسك الاوسطى منقذه من يده وانفلت به مهرولا نحو السيارة وركباها سويا فى صمت.. وفى لحظة انطلقت بهما ووصف له الشاب وجهته.. فى كلمات قليلة ثم التحف بالصمت الذى ران عليهما طويلا قبل ان ينحرفا بالسيارة عن الطريق الرئيسى صوب طريق غير معبد رملى وحجرى تكتنفة الصخور داخل الجبل.. فقد كان الشاب يعمل مقاولا للبناء.. وهو قائم الآن ببناء بيت لشاب بدوى مقبل على الزواج من سكان الجبل!

وكانت تلك المعلومة الهامة هى كل ما افلح صاحبنا فى الفوز بها منه.. لأنه كان شابا محبا للهدوء.. قليل الكلام.