-1-

6 0 00

-1-

كانت أسرة جميلة.. خمس نسمات فيها صبى أثير لدى الجميع لأنه الأصغر وكانت ريح حياتهم تهب هانئة رخية فى وطنهم الثانى.. ريح البشرى.. ولذلك كان من الإنصاف لأسباب كثيرة إسقاط وصفها بريح الغربة لما كانوا يرفلون فيه من بحبوحة الحياة والمزارات الدينية المقدسة.

كانوا يقطنون قرية قريبة من مدينة عامرة هى العاصمة الثانية للمنطقة نمت فيها الخلفة او البذور حسب وصف الأهلين هناك وحيث المطر كان يهطل صيفا كان بيتهم.

كان الاب يحب المطر.. يحب رائحة تراب الارض إبان هطوله فكان ينشط لصنع الشاى بالمطبخ الذى كان يطل على حوش صغير عالى الاسوار كيلا يراهم الجيران فى البيوت المجاورة التى لم تكن نوافذها تسمح بالإطلال منها عليهم وهم يطهون أو يفترشون الارض فى الحوش ويأكلون..

وكان كثيرا ما يفتح باب الحوش وهو فى ذات الوقت الباب الخارجى الخلفى للبيت ويمد يده ليقطف بعض أعواد النعناع لزوم الشاى فقد كان النعناع هبة من الارض الطاهرة التى كانوا يحيون عليها ينتشر كثيفا خلف الباب مباشرة.. فإذا عالج أحدهم فتح الباب ولم تكن أبخره مزيج الشاى به تتصاعد فى المطبخ او من الأكواب وهم يرشفون فإنه كان على العهد دائما يقتحم انوفهم ويزحم روح المكان برائحته الزكية كما لو كان يذكرهم به لقطفه وصنع الشاى!

كان يومه يبدأ مع آذان الفجر.. بعد أن يقضى الصلاة جماعة فى مسجد القرية مع نفر من أهلها وجيرانه حيث كان يطيب له تبادل تحيات الصباح او الاحدايث القصيرة الخاطفة معهم عن حالة الطقس او حالة العمل فى سوق الخضار تلك الايام ولأنه يجوز سيارة "بك اب "مزدوجة الكابينة فقد تعددت أعماله بين جمع نتاج الارض القليل من بعض المزارع الصغيرة المنتشرة هنا وهناك حول القرية وبيعة لحساب المزارعين الذين كانوا يثقون به ثقة تامة وبين القيام ببعض أعمال النقل الأخرى.. وقد اضطر لان يكون بعيدا عن رقابة " كفيله " الذى كان لا يكتشف أنه يعانى كثرة فى كفالة العمال الذين استقدمهم للعمل فى مؤسسته إلا كلما أتى أول الشهر.. موعد تسليم الرواتب.. فكان يتخفف من بعضهم ويعطيهم حرية الحركة بخطابات رسمية معتمدة من الجوازات ولهذا هو لم (ولن) يتكدر وكفيله يصرفه من أمامة مسلحا بهذا الخطاب فقد كان يعشق الحرية ويسوءه جدا ان يكون وجوده موكول بأمر انسان مثله استقدمه لعينة وفى نهاية المطاف يدعوه لمغادرة البلاد التى أحبها و أفنى فيها أجمل أيام عمره.

كان وحيدا فى البداية وقد ساقته أقداره الى تلك القرية بعد ان تعرف الى أحد المزارعين من بنى وطنه فى مقهاهم المعروف بالمدينة.. وإذ وجده متوترا وحائرا بشأن إمساك عمل عرض عليه مصاحبته له ورزقهما على الله.. فقبل شاكرا ورافقه الى القرية وقدمه الى اهلها على انه احد اقربائه جاء لمساعدته فى حصاد محصول الفاصوليا الذى توافق نضجة فى هذا الوقت.. وفعلا انهمك فى العمل الذى كلفه به فى جمع الثمار وتعبئتها فى أكياس بلاستيك وتوفر صاحبة على نقلها الى سوق المدينة لبيعها.

وأقام معه فى مسكنه الخاص الذى كان لمالك المزرعة فهو مسكنة القديم الذى ورثه عن أبيه وبعد ان تيسرت أحواله من وظيفة حكومية التحق بها إبتنى بيتا جديدا فى المدينة واكترى او بالأحرى إستخدم هذا المزارع الطيب الذى استضافة وقدم له اعظم خدمة فى الغربة بل فى حياته كلها.. حيث سرعان ما عثر على عمل مستقل فى أحد جوانب تلك القرية المنعزلة لدى عجوز فى السبعين كان يقطن مع زوجته.

كانا وحيدين وفى امس الحاجة الى معونة شاب يكون فى منزلة الإبن لهما لا لأنهما بلا أبناء ولكن لأن هؤلاء كغيرهم من أبناء جيلهم إنشغلوا بشئون حياتهم بعيدا عنهما.

وكان عندهما من الثروة ما يكفيهما رغد العيش لكنهما كانا فى حاجة الى من يملأ شيخوختهما بها ، وإلى من يقود - بصفة خاصة - السيارة البيك أب التى إتباعها الأولاد لهما دون أن يفكروا فى كيفية قيادة أبيهم الطاعن فى السن لها وكأنها لعبة!

كانت سيارة بيضاء جديدة لقلة استعمالها وفرح بها صاحبنا كثيرا لانه كان سيقضى بها وهو مستريح حوائج هذين العجوزين الطيبين والتى لم تكن تزيد على زيارة طبيب او السوق للشراء والتبضع وأطول مشوار كان يؤدية لهما لم يكن يزيد عن العشرة كيلومترات حيث تبعد المدينة عن القرية.. سبعة منها كانت على الطريق الرئيسى السريع الموصل بعد مئات الكيلومترات الى عاصمة المملكة.. وثلاثة على طريق فرعى مرصوف الى مشارف القرية التى كان يمتهن اهلها الزراعة ثم لما تغيرت احوال الدولة امتهنوا اعمالا اخرى أسهل وأضمن فى الحكومة او الجيش وتركوا الزراعة لعمال يستقدمونهم ، وانتقل البعض منهم الى بيوت بيضاء جديدة هى اقرب الى القصور فى تأسيسها ونظام بنائها داخل القرية او وهو الاغلب على بعد ما منها فوق ربوة او هضبة خاصة مطلة من عل على السفح الذى تقع فيه بيوتهم القديمة ومزارعهم اما البعض الآخر فقد آثر ان يكون بيته الجديد موافقا لعملة الجديد بالمدينة دون ان يقطع صلته "بالديرة "وهو الاسم الذى يطلقونه على مسقط رأسهم وموطنهم الأصلى.

وحيث لم يكن مجموع العمل فى المزارع كبيرا ويرتقى الى مرتبة النشاط السكانى فلا لوم على هؤلاء الذين هجروا قراهم ومزارعهم الى المدينة لأن المزارع كانت مجرد نتف صغيرة من الارض الزراعية الخصبة تتناثر هناك وهناك فى وهدة الوادى وحول الآبار التى تقع قريبا من مجرى السيل.. وفيما عدا ذلك فصخور وهضاب وجبال تقطنها القرود.

والعمل الذى كان اكثر شيوعا فى القرية بين اهلها لاسيما كبار السن منهم كان تربية الاغنام ويستاثر به في الغالب العمال والهنود والبنغال وفى القليل الباكستانين والأفغان.. وأقل القليل من الأرتريين او الصوماليين لندره تواجدهم وصعوبة نزوحهم الى المملكة.

أما الاعمال الفنية سواء فى الصناعة او البناء او الصيانة للآلات والأدوات منزلية كانت او منتجة فكان يقوم بها إجمالا العمال الأتراك والباكستانيون والمصريون والسودانيون والفلبينيون الذين كانوا (لا سيما المصريون) عصب العمالة الوافدة فى مجالات أخرى كالمحاسبة والتجارة والتعليم والطب والهندسة إلى آخره من فنون العمل في المدن.. ولا أنسى العامل اليمنى فقد كاد لشدة تمرسه فى العمل وقدمه وعلى الأخص فى مجال التجارة – مهنة الآباء والأجداد - أن يكون من آل البلاد فى تلك المنطقة من المملكة التى ذكرنا ان المطر يهطل بها صيفا.

ونستطرد فنقول ان هناك مناطق كانت الأمطار تسقط فيها شتاء وهذا يعطى انطباعا قويا عن مدى اتساع المملكة وتفاوت مناخها بين ما يميز مختلف البيئات.

وهكذا شاء الله أن يرزقه بسيارة وأن يقيم فى غرفة منفردا من غرف بيت العم "سعيد مغنى" وهو اسم العجوز الذى الحق بالعمل فى خدمته دون أجر نقدى فقد كان أجره بتكون من الإقامة الكاملة وحق استخدام السيارة فى قضاء مشاوير خاصة يتقاضى عنها أجرا.. وهى فى معظمها كانت مشاوير عمل لخدمة المزارعين المصريين الذين كانوا يصاحبونة بالسيارة الى المتاجر لشراء الأسمدة او التقاوى او المبيدات او لبيع الطماطم او الكوسة او البازلاء والفاصوليا بانفسهم او بتفويضة فى المهام على الوجه الذى سردناه آنفا.

على أنه لم يكن عمله الوحيد - كما قلنا - فقد كان يجيد فنون رعاية وعلاج الحيونات من الأمراض الشائعة البسيطة إكتسبها من خلال عمله كمساعد لأحد الاطباء البيطريين فى مصر فترة طويلة.. ولندرة او على الاصح لعدم وجود طبيب بيطرى فى القرية فانه كان يقوم بحقن الاغنام بالمضادات الحيوية الاساسية من مشتقات البنسلين التى يحفظها ويحفظ الاحوال التى تعطى فيها عن ظهر قلب، في مقابل أجر هو فى مجملة كبير لأنه يتعدد بعدد المواشى والاغنام التى كان يقوم بحقنها.. فكل إبرة "بريال" خلاف ثمن المضاد الحيوي.

وذاع صيته وكسب الكثير من المال.. وخشى العم سعيد ان يكون فى هذا سبب كاف لمغادرته إياه بعدما فتحت عليه أبواب الرزق كما فعل أبناؤه الذين كانوا لا يزورونه لرؤيته والاطمئنان عليه وعلى امهم الا لماما فأغراه فى البداية بأن وهبة السيارة "بيعا وشراء" دون ان يدفع لها ثمنا ، ولما تزايدت مكاسبة وكثر طلابه فاجأه صبيحة أحد الأيام وهما فى طريقهما للمدينة بالسيارة لعرضة على أحد أطباء العظام فقد كان يعانى ألما بالمفاصل قائلا وهو يرقبه أثناء قيادته من طرف خفى وبصوت هادىء مؤثر:

- إسمع يا بني.. أنت اصبحت فى منزلة أبنائي..لم لا تستقدم زوجتك وابنتيك من مصر وتعيشوا معنا جميعا.. أنا مستعد أن اعطيكم البيت كله ولا آخذ أنا والعجوز إلا غرفة واحدة.. وغرفة اخرى للطعام أو لاستقبال أحد الأولاد أن حضر أحدهم لرؤية أمه ورؤيتى..

وقد كان وسارع صاحبنا باستقدام زوجته "دنيا" وابنتيه "شمس وقمر" وألحقهما بمدرسة القرية الابتدائية بمعاونة كبيرة من ذوى الشأن الذين استعان بهم العم سعيد وباقى أهل القرية لأن حاجتهم إليه اشتدت بالعمل الذي ارتجله نحو علاج أغنامهم.. والذى تحتم معه ان يعملوا غاية جهدهم لنقل كفالته إلى أحد رجالاتهم وهو بالطبع كان العم سعيد ليضمنوا بقاءه واقامته معهم نهائيا..

ورغم ما تظاهر به من عدم الاهتمام أو الاحتفال كما تقتضى دواعى الحنكة وحسن التدبير فانه كان يغنى فى اعماقة فرحا بهذا الخير الوفير الذى كان يحتسبه..

وفيما بعد أتم الله نعمته عليه بإنجاب الولد فاسماه هلال فكبرت اغنيته وانطلقت الزغاريد من اعماق صدره الى عنان السماء.. وسجد لله كثيرا حمدا وشكرا.

وصادفت زوجته دنيا هي الأخرى لونا اخر من الوان النجاح لم يكن يتوقعة مع نساء القرية!، ولأنها كانت على إلمام بفنون تجميل المرأة عن حب وهواية.. ولم تكن تعلم انها بارعة الى حد دعوة نسوة القرية لها لتجميلهن فى المناسبات والافراح وبغير مناسبة ايضا على سبيل تزجية الوقت والتخفف من أعباء الحياة والمرح ، ساعدها فى ذلك كثيرا خفة ظلها ولسانها الحلو تسرد حكايات مسلية لا يدرى هو ولا تدرى هى من أين واتتها تلك القريحة على سردها فى طلاقة وحضور ذهن كأنها ما خلقت إلا لتجميل العيون والخدود والشعر الشفاة وإلا لتشنيف الأسماع بالأحاديث الحلوة والموعظة الحسنة!

رباه.. ما كل هذا الخير العميم الذى أمطرته به من السماء ذهبا وفضة!.. حتى زوجته هى الأخرى احترفت تجميل النساء وذاع صيتها إلى أبعد من حدود القرية.. إلى القرى المجاورة والمدينة.. حيث تمتد عرى وأواشج بين النساء هنا وهناك سواء بالقرابة أو الصداقة وحيث الكلام بينهن يسرى سريان النار فى الهشيم!

***

تتداخل خطوط التماس بين الأجيال وهى تتوازى أو تتعامد أو تتوالى.. ويطعالنا ذلك بجلاء وقوة فى البشر والحجر على حد سواء ففى القرية كما في كل القرى على وجه الخصوص تتمايز ثلاثة طرز من البيوت.. الطراز "العسيرى" القديم الذى تأخذ أبنية البيوت فيه شكل أبراج الحمام بخطوطها التى تبدأ عريضة عند القاع وتضيق تدريجيا كلما ارتفعنا ونحن على أيه حال لا نرتفع اكثر من دور او دورين ، وبنوافدها التى تحدد عدد الطوابق وهى إما على شكل مستطيل او فى الغالب مخروطية أو مستديرة كما هى فتحات أبراج الحمام

حقا..

ولا يدرى أيه فكرة إنبثقت فى ذهنه وهو يتأمل ويدقق النظر ويصف يغمره شعور أخاذ يملأه دفئا بأنه ثمة رابطة ما تربطه بهذا المكان ، رابطة تعود به القهقهرى للوراء وتذكره بأيام طفولته حيث كانت قريته فى إحدى القرى المصرية التى تحمل اسم الحمام أيام أن كان يبيت يحلم "بالعيش الخاص" عيش أهل المدينة والفول المدمس يبيعه رجل أبيض الوجة كاللبن او قل كالجبن القريش! من قدر ثبتها بحرص فوق عربة خشبية صغيرة ذات بطن أجوف عميق يدفعها أمامه وهو يجأر صائحا ومناديا بصوت جهير ومنغم:

- لؤلؤ ومرجان يا فول.. هيا اشتروا منى الفول على طول!.. وإن خلص الفول أنا غير مسئول!

ولم يكن ثمة سبب آخر لنعت الخبز بالخاص غير انتمائة للمدينة التى لم تكن هى الاخرى تبعد باكثر من كيلو مترين عن قريتهم.. وكما لو ان صوتا استيقط فى أعماقة يذكره " بالعرقسوس "وما أدراك ما شراب منقوع "العرقسوس" المثلج (شفا وخمير) على حد نداء بائعه لا سيما فى الساعة الأخيرة من يوم رمضان شهر الصيام.. وكما هو شهر القيام فهو شهر الشراب والطعام.

وتداعت الأفكار من رأسه وتناثرت على أكتافة وهو يقف متأملا ما وصفة ببرج الحمام.. أو ما هو أشبه فاذا ما دلف المرء داخلا اليه سيجد سلما صنع من نفس مادة بناء الجدران سرعان ما تسلمه بعد بضع درجات منه الى غرفة واحدة كبيرة على شكل مصطبة آه.. بالضبط انه يتذكر كما هى (مصطبة الفرن) فى القاعة الشتوية التى كان يبيت فيها مع جدته (ست!) هكذا كان اسمها بالعامية وبغير العامية سيدة. والتى كانت تضاهى ببدنها القوى الدافىء متانة ودفء بدن المصطبة على شكل الفرن التى كانت تشع الحرارة طوال الليل من بطنها الذى أشعلته تلك الام الكبيرة بوقود الحطب.. وبما تم تجفيفة من أقراص روث البقر والجاموس فى حظيرة المواشى الملحقة بالبيت.. هذا الوقود الذى يسمونه اليوم البيوجاز او الوقود الحيوى!

اذا فهى أقراص البيوجاز تلك التى كانت توقدها جدته ست مع مغيب قرص آخر يشع الدفء هو قرص الشمس!

وعلى ذكر الدفء يأتى هنا دفء المشاعر التى يكنها له آل تلك القرية النائية فى الغربة والتى كثيرا ما كانت تلهمه بسريانها فى جسدة بالغة أقصى بقعة فيه.. حيث الأعماق المجهولة التى تدفع وتحفز المرء فيدعى القول بانه ليس فى الغربة بمسالكها الباردة الوعرة.. بل فى الوطن حيث الأهل والإخوة والأتراب والذكريات العزيزة!

هذا الدفء الذى كان متوافرا وبكثرة وثراء فى اعطاف وحنايا الجبل القديم الذى كان يقطن تلك البيوت العسيرية التى صنعت من ملاط الطين بالضبط كما كان الملاط طينا فى قريته الاولى والذى يقل بالتدريج وتزاحمه البرودة فى جيل الوسط.. وحيث من النادر ان تستشعره فى الجيل الجديد الذى كانت معارفة قليلة وسطحية عن تاريخ بلده وتاريخ البلاد الشقيقة المجاورة التى تعايشت آلاف السنين تتعانق أذرعها الممتدة من البر الى البحر.. بحر الرمال او هذا البحر الغول المتلاطم الامواج وحتف انفه!.. ذاك الذى لم يكن له من وجود فى غابر الزمن فقد كانت الارض واحدة.. وهى إلى الآن كذلك.. و لا يدرى لم انقسمت شعبين وحياتين منفصلتين بعد ظهور هذا الغالق فى الارض الذى قصم ظهرها نصفين.. ربما لأنه قبل ان تنفلق الارض لم يكن ثمة بشر هناك حيث شاءت مشيئه الله - سبحانه - ان يأتى بنو آدم وحواء فيما بعد وان يتعارفوا تعارف الاخوة كما تعارف ابويهما فى " عرفه "وهذا طبعا تسلسل وترتيب طبيعى لأنه قبل تكوين الاسرة يتكون المكان الذى سيحيا فيه ويضم كافة اعضاء الاسرة الواحدة.

طرز ثلاثة هى أيضا فى البيوت.. حيث طراز الوسط بيوت من طابق واحد وهى وسط ايضا بين الانغلاق التام والانفتاح على استحياء!، أهم ما فيها بعد "المجلس" غرفة تدعى " المجلط أو المقلط "وهى خاصة بتناول الطعام ، والحوش الذى تعلو أسواره وترتفع عن بقية السور المحيط بالبيت ، والسور أحد أهم المعالم الخارجية فى كل البيوت والتى قلما يخلو بيت منها.. والغريب ان نرى النوافذ والشبابيك تطل على الناظر اليها مع بعض المواربة او الحرج الذى كان سمة البيوت القديمة وكذلك البيوت الأحدث.. تلك "الفلل والقصور" لا البيوت فى نوعية ونظام معمارها والذى يتخذ من الحديد والاعمدة الخرسانية والنوافذ والشرفات مظهرا حديثا ومعلما!

على أننا يجب ألا نذهب باذهاننا بعيدا فالنوافذ مدفونة ومدججة بشبك الحديد الذى يعوق الرؤوس عن الإطلال وكذلك الشرفات يعلوها زجاج حاجز يمنع الوجوه من أن تبدو إلا خلفها ، هذا إذا لم تكن مغبشة او ملونة!.. فما زالت آثار البداوة تجرى هنا فى الدماء فيحب المرء ان تكون له حياته الخاصة المنفردة مهما توثقت أواشج الصداقة والتعارف ومهما أقيمت ولائم " الكبسة والحنيذ! "تلك التى كثيرا ما كان يدعى لها ولا يكاد يمر أسبوع يخلو من دعوة هنا او هناك.. وهم على أيه حال لا يقيمونها بدون سبب أو مناسبة بل يتفنون فى اختلاق الاسباب والمناسبات فاذا لم يجدوا وعيت حيلتهم ولم تتفتق أذهانهم عن فكرة وجيهة تصلح أساسا للوليمة جعلوا التآخى والتحاب وإعلاء شأن صلة الرحم خير وأمتن أساس!

وما زال الحوش الفسيح له مكانه الأثير فى تلك البيوت الحديثة.. لاسيما "حوش السيارة " الذى قد يتحكم فى إغلاق بابه أو فتحه منظم تشغيل (ريموت كنترول)، فالمتعة كل المتعة عندما تدنو السيارة من البيت وقبل أن يقف بها صاحبها وهو غالبا من الجيل الحديث الذى يعشق المعلوماتية ولغة العصر وأدواته بصورة طغت على ما سواها فلم يعرف غير أن بلاده هذه حباها الله سبحانه بالغنى والأمان والصحة فى الأوطان كما هى فى الأبدان وميزها بذلك عن كافة الأمصار والبلدان لأنهم يعرفونه حق المعرفة ولا يشوب ايمانهم به شائبة من تماثيل وأصنام ولا عقيدتهم ملوثة بأضرحة الأولياء داخل المساجد وأحيانا أضرحة الأغنياء مهما كان أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون فانهم ليسوا فى مرتبة الصحابة.. صحابة رسول الله محمد وصاحبية أبا بكر وعمر الذى إن نظر الرائى إلى الحضرة التى تحوى قبور الثلاثة لا يعرف من منهم يقع قبرة إلى اليمين ومن الى اليسار ومن فى الوسط! وإن ينسى لا ينسى يوما كان فى زيارة لأثر معركة (أحد) فى تلك الناحية القصية من المدينة المنورة تلك المعركة التى استشهد فيها سيدنا حمزة عم رسول الله وسأل وهو يقف أمام مسجد يمتد من قطعة الارض الخالية التى دفن فيها مع بقية الشهداء أحد آل الحى بقوله:

- أهذا مسجد سيدنا حمزة؟

وهو على الظن الشائع فى موطنه بأن المساجد هنا تنعت بأسماء أهم رجالات الحي.. فإذا بالرجل وقد انقلبت سحنته يحدق فيه وكأنه ارتكب لتوه إثما فاحشا بسؤاله.. وأجابه وهو يزجره وينهره:

- هذا ليس مسجد سيدنا حمزة.. هذا مسجد جميع أهل الحى!

وللغرابة توهم أن اهل الحى هؤلاء إمعانا فى تعميق هذا المفهوم الذى جرى على لسان الرجل أهملوا مجرد تجديد طلاء حوائط المسجد من الخارج والداخل.. واعرضوا عن تبديل فرشه بالسجاد والأبسطة الثمينة الفاخرة التى تحفل بها جميع المساجد فى كافة الانحاء فوقف يتأمل مشدوها حين دخل يبغى الصلاة وذكرى كلمات الرجل تطن فى رأسه وتقرعه مما جعله يبسمل ويحوقل بانفعال ويسأل نفسه:

- يا لله.. أكل هذا لأننى سألت هذا السؤال عن اسم المسجد؟

وجاءته الإجابة سريعة وحاسمة من أعماقة هذه المرة فليس فى المدينة المنورة ولا فى جميع أرجاء المملكة مسجد واحد يحمل إسم علم من أعلام البشر.. لأنها جميعا بيوت الله التى لا تدعو مع الله أحدا يستوى فى ذلك مسجد آل الحى والمسجد النبوى.