-4-
توغلت السيارة كثيرا فى تلك الطريق الجبلية الصعبة المليئة بالحصى والرمال قبل ان يطالبه الشاب بالتوقف عند سفح إحدى التباب العالية التى يعلوها بيت صغير من طابق واحد وكان للتبة مدقا يصعد اليها ويسمح عرضه وميله الصاعد بالتدريج بصعود السيارة.
وفهم حنفى من إشارة ندت عن يد الشاب ان عليه الصعود لأعلى فارتقى وبعد ان بلغا حرم البيت أوقف السيارة بالقرب من مدخله وفى كلمات اخرى فهم ان الشاب سيقضى بعض الوقت هنا فى ترتيب بعض الاعمال التنظيمية والحسابية المتعلقة بتشطيب المنزل الذى أوشك على تسليمه لصاحبة من ناحية الإنارة والسباكة والبياض والتبليط وما شابه.. وانه إن رغب الانتظار حتى ينتهى فسيعود معه ويجزل له العطاء فآثر حنفى الإنتظار لحاجته الماسة للأجر الجزيل لئلا يأوب بالسيارة فارغة وفى هذا سوء تشغيل.
وراح يتأمل بنظرات طويلة المدى من عينيه سيارة نقل من الحجم المتوسط من الصنف المسمى(دوبل) تحمل خزانا للمياة قاصده بيتا آخر فى آخر تلة من التلال المتناثرة هنا وهناك وفاجأه الشاب بالقول:
- إنها امه همله..!
نطق بها مبتسما بنوع من اللؤم الظريف ثم ما لبثت ابتسامته أن اتسعت حتى قهقه مما قرأءه على سحنة صاحبنا من حيرة وعدم فهم واستتلى:
- اجل انها امه وهمله اسمها.. وهى ام الشاب صاحب البيت تقود عربة "وايت" مياه كما ترى.. تساءل صاحبنا مستثارا:
- إمراة تقود وايت وهمله؟!
فأجابه وكأنه يلقى بأمر مفروغ منه:
- إن النساء يقدن السيارات على هواهن فى البادية.. أهذه أول مرة تسمع عن هذا؟ يا أخى إنهن يقدن السيارات ببراعة كما ترى..لأنهن هاويات ويردن اثبات وجودهن! فوق ان طبيعة المراة البدوية تختلف.. كما تعلم..
وانشغل حنفى عنه وهو يتابع بعينين مأخوذتين منظر العربة الوايت التى يزعم هذا الشاب أن امرأة هى ام صاحب البيت الذى يبنيه تقودها..
كان يفصلهما عنها مسافة حوالى كيلو متر وهى ترتقى المدق الموصل الى التل حيث البيت الثانى على مدى الشوف فى المنطقة بيت العائلة لا ريب ، ثم راح يقطع وقت الانتظار بتأمل الموجودات الطبيعية القفراء التى لا تحوى من مظاهر الحياة ما يشجع أى إنسان على إفناء حياته فيها والإقامة الدائمة ببناء بيت وتعجب متسائلا فى نفسه:
- بالله ما يغرى هؤلاء البدو بالحياة هنا..؟
ولا يدرى لم طاف بذهنه صور شتى لمظاهر الزحام من اكتضاظ الارض بالسكان بالقرى والمدن المتناثرة فى وادى النيل وعلى شطآنه والارض الزراعية الخصبة حوله والتى على محدويتها وعدم كفايتها لإنتاج الغذاء فى سبيلها للتآكل والاختفاء من تمدد أبناء المحروسة عليها بالبناء وإصرارهم على العيش فى الوادى والدلتا رغم الجهود الصارمة التى تبذلها الحكومة لمقاومة الزحف العمرانى على الارض الزراعية التى لن تعوض وعاد لمحادثة نفسه قائلا:
- ليأت المصريون هنا جميعا عن بكرة أبيهم ليروا كيف يعيش البدو من أبناء هذا البلد حياتهم فى هذا الخلاء الذى لا يحوى قطرة ماء!. رباه.. ماذا يغريهم على العيش هنا تلك العيشة الجافة القفراء!
وجالت فى ذهنه صور اخرى جادة وهامة عن اكذوبة ان دلتا النيل بلا ظهير صحراوى تمتد اليه الحياة وتتسع وتتنفس.. وأسرع يناقش هذا الأمر مع رفيق المكان قال:
- إن الظهير الصحراوى موجود ويمتد بطول الساحل الشمالى للصحراء الغربية لمسافة تزيد على 500 كيلومتر غرب مدينة الاسكندرية وحتى الحدود مع ليبيا والذى تتخلله بقع شاسعة من الاراضى الصالحة للزراعة والتى يمكن ريها بالاعتماد على مياه الامطار او الآبار.. او حتى بتحلية مياة البحر.. أتسمعنى؟!
كان الشاب منشغلا بقياس بعض المسافات فى ممر داخل البيت يفضى الى دورات المياه مما يضطره الى الابتعاد او الاقتراب من حنفى وفق ما يقتضية الحال فأسرع يجيبه وهو يواصل عمله:
- طبعا.. أكمل حديثك.. ان موضوع العمران وتكدس السكان يجذبنى دائما..
إستراح حنفى لما سمعه منه واسترسل كأن الحديث لم ينقطع وهو ينظر بعيدا:
- أحلم بمد فرع للنيل هناك وإحياء مشروع أشبه بما سمى بمشروع منخفض القطارة.. ذلك المنخفض الذى لو تحقق حلمى.. وتم ملأه بالمياة العذبة المتجددة التى تضيع هباء فى البحر.. بدلا من فكرة غمره بمياه البحر لمجابهة ظاهرة " النينو " خدمة لجميع دول حوض البحر المتوسط!.. لتغير وجه الحياة فى هذا الجزء الغالى من ارض مصر.. بل لتغيرت نوعية الحياة فى مصر كلها..
- بل لتغيرت الطبيعة والمناخ ونهضت الزراعة والتجارة..!.. انا معك يا صاحبى..
- هناك فضلا عن الأراضى الزراعية وبعيدا عنها.. إحتمالات الثروة البترولية ولكن..لم يجرؤ احد على الاقدام على اقتحام المكان وصنع الحياة.. غير البدو من القبائل العربية التى تختلط نسبا بمثيلها من القبائل الليبية والتى نسبة تعداد سكانها لا تكاد تذكر اذا قيست بالعدد الكلى لسكان مصر.. لان هناك عائق خطر ورهيب!
- تقصد حقول الالغام التى خلفتها الحرب العالمية الثانية..
إياها أقصد!.. نعم تلك التى لا تسمح بنمو السكان وافتراش كامل الارض المصرية باقتطاع قطعة كبيرى من اللحم المصرى المتكدس فى الدلتا والوادى.. وهذه حجة باطلة لهؤلاء الذين يستميتون بالبقاء فى الارض القديمة التى ضاقت الى حد ينذر بالانفجار فهو قريب وعلى الأبواب!
- أجل ماذا يمنع من ان تقاضى الحكومة المصرية جميع حكومات الدول التى كانت تحارب على أرضها لإزالة هذه الالغام وعدم المماطلة فى تنفيذ طلبها ومشاريع الأم المتحدة.. وفيما هو اكبر منن ذلك.. تعويض الشعب المصرى عما فقد من أبنائه وعن سنوات الحرمان من ثروات تلك الارض حقبة طويلة بما يسمح بتعمير هذه الارض ويفيض.. ماذا يمنع من التنفس!؟.. اليس فى هذا مصلحة لمصر كلها؟! أيوجد فى مصر من أبنائها من لا يريد لها ان تثرى وتتمتع بالحياة على كامل أرضها وان تعلو وتعلو بهامتها مع هامات كافة الدول الغنية الكبيرة؟!
- الجيش مشكورا قام بنطهير مساحة!.. وهناك فكرة زراعة نوع من النبات أحمر السوق والأوراق تضرب جذوره الماصة فى الأرض وترشف المادة الفعالة التى تتفجر فى اللغم!.. ألم تسمع عن الفتاتين المصريتين اللتين فاز بحثهما فى مسابقة دولية بالأمم المتحدة عن ذلك النبات!.. أتعرف..؟!.. مرة ناقشنى احد السياح بالاقصر فى ذلك..!
هتف حنفى معجبا ومستثارا بأن يصل الحديث الى هذا المستوى:
- صحيح!
- طبعا.. كان يظن أنه يعايرنى بأن عظمة بلدى مجرد تاريخ.. اما الحقيقة فهى مجرد شريط أخضر طويل ورفيع جدا حول مجر النهر تحوطه الصحارى والهضاب على الجانبين.. ودلتا خضراء صغيرة كواحة كبيرة أو استراحة على البحر!
- استراحة..؟
- نعم هذه هى الكلمة التى استعملها.. يقصد استراحة للشعب المصرى كله من قيظ الصحراء التى تأخذ بخناقه أينما اتجه!.. لكنى عرفت كيف أفحمه بحقب الإحتلال التى أرجعت مصر للوراء لا مائة سنة بل مئات السنين!.. لاسيما حقبة الإحتلال الإنجليزى التى يجب أن يعوضنا الشعب الإنجليزى عنها عموما وعن الأراضى الشاسعة التى أغلقها بالألغام أو لإقامة جنوده أو التدريب وإجراء المناورات أو إتخاذها ميدانا لحروبه مع الدول الأخرى خصوصا!
- طبعا.. طبعا ولا تنس أن تعوضنا حكومات الدول الأخرى التى كانت تتحارب معه!
- ونحن؟
- ماذا تعنى؟
- أتعرف يوجد بيننا من يصر على ان تبقى مصر الشعب مخنوقة فى تلك المساحة الصغيرة من ارضها والتى لا تزيد عن 4% من مساحتها..
وانفعل حنفى بغضب مفاجىء وزمجر:
- آه لو أعرفه حتى أقطم زمارة رقبته!.. أو أقطع أحباله الصوتية من اللغاليغ!
- اللغاليغ؟!.. لماذا أنت غاضب هكذا؟.. أما والله!
واصل حنفى دون ان يأبه له:
- أنت لاتعرف أن كثيرا من الأموال تهدر على صيانة شبكات البنية التحتية من مياة شرب وصرف صحى وكهرباء واتصالات وخلافة.. تهدر لأن الارض لم تعد تتحمل ثقل الكتلة السكانية وكذلك ثقل بنية الخدمات التى اقيمت عليها.. ومصاريف الصيانة هذه لا تكاد تنتهى حتى تبدأ من جديد من فرط الحمل الثقيل الذى يفجر كل شىء فى كل مكان..!.. وكأننا.. أتعرف نستطيع بالمجهود الذاتى وضع وتنفيذ خطة لازالة جميع الالغام.. بل واكثر من ذلك تعمير الارض!
- كيف!
سأل الشاب فاجابة بحرارة وثقة زائدين:
- بالمليارات الضائعة.. دونما حاجة لمعاونة من أحد.. أتعرف رأيت فى بعض الندوات التى تبثها قنوات التلفاز الفضائية قادة الفكر والاعلام يتحدثون عن ذلك.. بل إننى سمعت عن نفر من أعضاء مجلس الشعب يلقى سؤالا خطيرا هو: اين ذهبت اموال الخصخصة؟!..
- تقصد حصيلة بيع المصانع والمشروعات الانتاجية والاراضى التى كانت تديرها الحكومة لمستثمرين مصريين او اجانب تخفيفا عن كاهلها اعباء الادارة خصوصا وان معظم هذه كانت تحقق خسائر ولم تكن تقوى الا على سداد فوائد الديون للبنوك!.. اين ذهبت هذه الاموال حقا..؟
- ذهبت فى مشروعات حيوية كما تقول الحكومة.. ليكن.. ولكن هل هناك مشروع اكثر حيوية من مشروع منخفض القطارة ووادى النطرون لتعمير الساحل الشمالى.. وأمثاله من المشاريع كثير مثل الوادى الجديد الجاهز وممر التنمية المقترح مشرع المستقبل لسكان مصر! بمحور خدمات طولى للإمتداد شمالا غربا حتى السلوم وجنوبا غربا حتى جبل العوينات وأربعة عشر محورا عرضيا تربط جمبع المحافظات من الشرق إلى إلى الغرب حيث الحدود.. وكشف هذا النهر القديم الذى كان فى الاصل المجرى القديم لنهر النيل فى الصحراء الغربية والذى ما يزال موجودا تحت الرمال ويتجدد!.. ثم هناك أولا وقبل كل شىء فى سيناء ساحلها الشمالى الخصب وجنوبها الغنى بالمعادن .. وهناك أرض مساحتها تزيد على المساحة المنزرعة الحالية بواد آخر هو وادى قنا شرق النيل!.. قد كان تجميع حصيلة بيع القطاع العام قرصة.. فرصة حقيقية نادرة لم ولن تتكرر.. فلماذا ضاعت؟
- أجل.. لماذا لم يتم استغلال هذه الأموال فى حل مشكلة الانفجار السكانى الوشيك..!؟ لماذا لم نعد رسم الخريطة السكانية بالعرض كما هى بالطول بعد ان تخوخ هذا الطول واصبح على هيافة هيكلة العظمى مهددا بفقد عظامة والانهيار تحت ثقل الكتلة اللحمية!
- وتحت زحف مياة البحر الذى ترتفع مياهه لارتفاع اخر فى درجة الحرارة مما يؤدى الى انهيار جبال الثلوج فى القطب الشمالى وارتفاع مستوى سطح المياه فى المحيطات والبحار..
- تقصد ما يعرف بظاهرة النينو المناخية يقال ان جزرا ومدنا وأراضى كثيرة ستغرق ومنها دلتا نهر النيل! فماذا ننتظر؟.. الغرق؟.. ما المانع..؟ لم يبق اماى إلا الشك لاسمح الله فى سلاح الحدود!
- كيف!
- إنه لا يفرط فى شبر واحد من أراضى الحدود المصرية؟
- هذا واجبة ويشكر عليه ولو أنه لا شكر على واجب!
- المشكلة هى أين هذه الحدود.. أهى على حدود الدلتا التى تتاخمنا ام انها كل ارض مصرية صحراوية خالية من السكان!.. ولنكف عن هذا التفكير الذى يبعث الاحزان ويستدعى الجنون!
- حسنا إنه من قبيل قتل الوقت حتى انتهى من عملى واطلب منك العودة من حيث أتينا..! ثم أنه أعلن ان الحكومة النظيفة قامت بتأسيس هيئة لتطهير الساحل الشمالى من الألغام خلال ست سنوات..
- هذا غير كاف.. يجب ان يكون ذلك فى إطار مخطط عام طويل المدى يحقق تعمير كامل الارض بالطول والعرض.. وأن تأخذ الدراسات والابحاث وقتها ولا تكون مجرد طموح وطنى.. أرى انك قد انتهيت هيا بنا.. كفانا إملالا!
وقد كان وعاد حنفى ومقاول البناء الهمام الذى أوفى بوعده ونقده أجرا مجزيا (يومية) يوم كامل من حيث أتيا مع غروب الشمس.
كان النهار قد ولى فعلا وأرخى الليل سدولة فاشترى ببعض ما كسب فاكهة وحلوى وشطائر محشوة باللحم المفروم يقوم بصنعها شاب باكستانى يقف على جانب من ساحة المحطة أمام فرن يمتد من أحد محال بيع السندويتشات السريعة.. مع ملاحظة اننا ناسف كثيرا لاستعمال الكلمة غير العربية لأن البديل اللغوى عنها جملة طويلة تقول شاطر ومشطور وبينهما طازج على حد وصف مجمع اللغة العربية او الخالدين.. بينما يطلق عليها الفطاطرى الباكستانى اسم مطبق وبديلها عندى كلمة ملفوف!
***
كانت السماء صافية والغسق الأرجوانى عقب مغيب الشمس مباشرة ينشر الوان القرمز والذهب على وجه السماء التى كانت تشتد احمرارا كلما امست على شفا الاقتراب من الارض وتقل درجة هذا الاحمرار كلما ارتفعنا حتى اذا ما بلغنا منطقة عنان " الخدود " بهتت تلك الدرجة وساد ما يعرف باللون "البمبى" الذى يتصارع فيه الأحمر مع الأبيض مصارعة يابانية او رومانية حرة.. لست ادرى لم اكن معها!.. وتكون الغلبة فى النهاية للأبيض جامع كل الالوان الذى يتسيد الجو فترة وجيزة ما يلبت ان يزرق بعدها جبين السماء العريض الشاهق.. وما هى الا لحظات قصار حتى تصير الالوان كلها رمادية قبل ان تنسدل خصلات شعر الليل الاسود على هذا الجبين!
ويتأمل حنفى ذلك كله ويحدث نفسه بأن القمر لم يخرج من مكمنه بعد لملاقاة السماء ولهذا لم يطالعه وجهه.. لكن ما حاجته الى مطالعة وجه القمر ولدية فى زوجته دنيا قمر خصوصى!.. حقا انها لم تكن مصادفة ان يكون اسم إبنته الكبرى شمس والصغرى قمر.. وأن يكون الهلال إسم ولده الأصغر!.. حقا إنه سعيد أيما سعادة لان فيهم جميعا وخاصة دنيا ما يعوضة عن رغبته الدفينة (التى لم يفهم لها سببا) " للتمللى" من وجه القمر هذا المساء!
بل لم يفهم تفسيرا لحالته النفسية عموما التى صارت خيالية اكثر مما يجب تتكاثر الافكار الغريبة فى ذهنه على حين غرة تكاثر الخلايا فى النباتات والحيوانات الاولية!، هو الذى طالما تفاخر آله بثبات ورجاحة عقله ، ماذا يقولون الآن وقد ذهب به مذاهب شتى؟ ليأتوا الآن وينظروا كيف أمسى به الحال وكأن على رأسه طوق خلخال!.. السماء على شفا الإقتراب من الارض تصبغ شفاها بالأحمر ولها خدود بمبية اللون كالتفاح الاسرائيلى!.. وجبهتها العريضة الشاهقة بيضاء تنتظر ثمة صعود القمر!.. وفى البيت آه ما أشد حاجته لأحضان ربة البيت وأسرته عموما..
وما لبث البيت ان جاء واوقف سيارته وقفتها الليلية المعتادة.. ولا يدرى لم شعر بحركة غريبة داخل البيت لحظة أدار المفتاح فى قفل الباب الخارجى ودلف داخلا وأجال النظر فى كل مكان عساة يلمح ما وراء تلك الحركة التى ربما لا يكون لها وجود إلا فى وهمه وخياله الواسع وغرابة أطواره تلك الأيام.. وفى الحال جاءته الإجابة ساخرة على لسان ابنته شمس وهى تسر اليه فى همس قائلة:
- خد بالك السيدة نورا معلمة الرياضيات المصرية فى المدرسة والمتزوجة من فلسطينى مع ماما فى المجلس..
وكان هذا نذيرا له كى ينظر أمامه فى دماثة وأدب ويتوجه مباشرة الى غرفته فينتظر بها ريثما تفارقهم الضيفة العزيزة معلمة البنات فوضع يده على فمة علامة على الفهم وحسن تقدير الموقف وأحنى رأسه داخلا وأذناه تتدليان بطريقة فيها من الخفة اكثر مما فيها من الخنوع مما أضحك إبنته الصغرى قمر التى كان لوجهها استدارة البدر فى تمامه ليلة الرابع عشر!
وعلى باب غرفته استقبلة ابنه الصغير هلال وقد فرد ذراعية الصغيرتين فى بحبوبة طفولته فرحا بعودته للبيت وبما يحمله من الأطايب!.. وتوفرت شمس بحمل قراطيسها عنه وقصدت دولاب المطبخ.. وابان ذلك تحذر شقيقها الصغير بان يهدأ ويتأدب بحركة حازمة من اصبع السبابة على فيها مراعاة لوجود الضيفة فامتثل الصغير لها لأن حاجته الى احضان والده كانت (كما توقع هذا الوالد واستشعر) أحلى وأكبر! وظل ساكنا فى تلك الاحضان الى ان سمع دبيب اقدام وحفيف اثواب نسائية فى الردهة وصوت الباب الخارجى يفتح مع جلبة تعالت فجاة مع اصوات السلامات والتحيات التى اتحفت بها الام وابنتاها ضيفتهن العزيزة الى ان بارحت واغلقت دنيا الباب وسمعها تقول له:
- هى متزوجة من فلسطينى يعمل حداد أبواب وشبابيك اسمه انور!
وداعبها قائلا:
- يا سلام هى نورا وهو أنور!
والح فى رأسه سؤال فاسترسل:
- ماذا جمع بين فتاة متعلمة مثلها وبين شاب من عرب فلسطين داخل اسرائيل يعمل حدادا؟
- إذًا فهذا وجه السؤال.. إنه ليس من عرب الضفة او غزة.. ومجال عمله بعيد جدا عن مجال عملها.. يبدو أن وراء ذلك قصة حب!.. ألا تعرف أن الحب بين الزوجين يصنع المعجرات!
قالتها بتخابث ودلال يشى بحقيقة مشاعرها نحوه.. وكانت تنتظر ان يبادلها شعورها الصادق وكان على أتم الاستعداد غير أنه مع ذلك ودون إرادة منه ألح عليه سؤال آخر:
- وما شأن عرب فلسطين المساكين ان كان اليهود قد تعرضوا فيما يعرف بالهولوكست للإبادة الجماعية فى المانيا وأوروبا.. أفلسطين مقاطعة المانية؟!
واستولى عليه السؤال وحلق به بعيدا وتنهد تنهدة عميقة من ثقل الافكار التى تكاثرت عليه و " جبرته " من صعوبة إختيار إجابة مناسبة ترضية مما اقلق دنيا فدنت منه حتى كادت ان تلامس صدره بوجهها وسألت:
- ما بالك يا زوجى العزيز هذه الايام.. كلما اقترتب منك تباعدت عنى.. فيما تفكر؟
كرر:
- أفلسطين مقاطعة المانية؟!
ل- لم هذا السؤال الآن؟
قال فى غياب ذهن:
- الشىء بالشىء يذكر!.. أتعرفين.. ان اليهود وضعوا فى قبضتهم خزائن المال والتجارة فى أوروبا على مر العصور بل وفى آسيا وأفريقيا والأمريكتين واستراليا.. وأصبحوا سادة العالم فثار عليهم دعاة الجنس الآرى فى اوروبا واعملوا فيهم الذبح والتقتيل.. وسال الدم اليهودى السامى حتى صبغ مياة نهر الراين.. فماذنب نهر الأردن والنيل والفرات..؟!
- رباه فيم يفكر..
- أهو الحلم اليهودى.. يعوضهم العالم الذى ألقى بهم أحياء فى الأفران بتحقيق حلمهم ليتخلص من عقدة الشعور بالذنب التى يشعر بها حيالهم!.. وما ذنب من لم يرفع فى وجوههم السامية إصبعه أن تسيل دماؤه وهو سامى مثلهم؟!
- حنفى..
- وأن تقتلع أشجار زيتونه وتشعل النار فى مساجده وكنائسه.. وفى كل ما يمثل وجوده.. أمن أجل ما يزعمون من إحياء وجود أجداد وآباء كانوا هنا فى القرون الغابرة!.. أكان هؤلاء يعيشون وحدهم أم كانوا يتعايشون مع قوم آخرين هم أصل تلك البلاد؟
- حنفى!
- لماذا يردونها يهودية صافية ولم تكن كذلك فى العهد القديم ان اعترفنا بهم وتركناهم يعيشون معنا وحلمنا معا..
- حنفى!.. أما والله!
- إن لكل شعب حلمه ومن حق البشر جميعا ان يحلموا.. الامريكى فى امتلاك العالم.. الروسى يحلم بان يعوض ما فقدة من تبدد الحلم الشيوعى.. الصينى حطم السياج العظيم وتكاثر حتى غزا العالم.. ويحلم ان يكون قطبا.. حتى الشعوب الأصغر لها أحلامها المجيدة.. من اليابانى الى الكورى الى الفيتنامى.. تركيا وحلمها الكبير فى دخول البيت الاوروبى.. وللأكراد ايضا حلمهم الخاص.. فهم لغة وثقافة وقومية وهم صلاح الدين الايوبى.. الناصر.. وهناك الحلم العربى الذى اضحى كابوسا لكن سيأتى يإذن الله يوما ينقشع فيه الكابوس ويردد العرب أتانا الربيع الطلق يختال ضاحكا!
- حنفى!.. ماذا بك؟
- ثم من يعوض قرودا فى غابات افريقيا الاستوائية يلقى آكلوهم بهم احياء فى أفران موقدة.. ثم يخرجونهم علىى الهيئة التى احترقوا بها وفى أعينهم واذرعهم وفرجات أفواههم أبشع رسوم الذعر والهول ويتخطفون لحمهم واللعاب يسيل من أشداقهم!.. من ينادى بشرعية حلم القرود ان ينزل الله الرحمة فى قلب هذا الانسان فيكف عن القائهم أحياء فى نيران الافران!.. آه.. لشد ما تتكاثر الصور فى مخيلتى هذه الأيام.. ولكن وجب على ان افكر حتى اشعر بوجودى الذى يتعرض للفناء بعد فقدى لأعمالى التى خبرتها واكلت منها الشهد والعسل ويتهددنى الآن المر والعلقم!.. إن من حق الانسان ان يحلم وكذلك الحيوان ممثلا فى الفرود ومن حق الجميع ان تمتد اليه يد المعونة سواء كانوا أصدقاءء أو غير أصدقاء أو ممن تضطهدهم عقدة الشعور بالذنب..
- رباه إنه سادر فى غيه.. لا يكف عن هذا التفكير.. غرابة أطواره لا يحتملها هو نفسه هذه الايام لم يبق له إلا أن يفكر بعد فلسطين بالبوسنة والهرسك – كوسوفا – جنوب الفلبين – الشيشان و.. العراق وما أدراك ما العراق.. كيف تسنى لك ان تنساها وأنت الرجل الذى قد طالما تفاخرنا برجاحة عقله وحضورة الذهنى!.. رباه.. هل أمرت بتعيينه سبحانك مسئولا عن آلام ومآسى البشر.. وإلا حكاية القرود التى يحرقونها حية هذه!.. ما هذه الروح الرقيقة الوثابة التى تدب فى أوصالة.. ما هذه الحساسية التى لم يعهدها أحد فيه مفرطة ولا هو نفسه.. أيكون قد أصيب بخلل فى عقلة او مرض فى نفسه من جراء فقد أعماله!.. فى صدرة قلب لم يعد يقوى على احتمال مشاهد العذاب.. نعم قد يقر بقبول عذاب المرض فالكائنات الدقيقة المسببة له كالبكتريا والفيروسات والفطريات والطفيليات والحيوانات الأولية كلها مخلوقات غير عاقلة!.. أما الإنسان فليس له من عذر وقد نفخ الله فيه من روحه تكريما له.. وأعطاه
على أبسط تقدير.. عقلا!
- ماما.. بابا
- ماذا..؟.. ماذا..
- أبغى اصبع موز؟!
- نعم يا هلال يا حبيبى اصبع موز فى فمك.. خير من آلاف الأفكار النيرة فى عقل أبيك!
زوجى.. زوجى الحبيب!
- نهم يا دنيا يا عزيزتى!
- نهم ويتصبب العرق من جبينك.. الدموع تترقرق فى عينيك!.. رباه.. ماذا بك..؟ أفصح.. أفصح!
- بقلبى وصدرى حزن ثقيل الوزن.. وقر ثقيل لا أقوى على حمله.. يا الهى كأن مصيبة توشك ان تحدث وما أنا فيه ما هو الا مقدماتها!
- بابا!
- إهدأى يا شمس بابا بخير..
- بابا!
- وأنت يا قمر إهدأى.. إهداوا جميعا بالله عليكم.. دعونى أفكر فى صمت برهة.. بابا بخير لقد قمت
بعمل رائع اليوم ورزقنى الله الرزق الحلال.. ولذلك انا سعيد اتذكر تعساء هناك فى الظلمة.. وأخاف أن نتعرض نحن لنوع اشد من التعاسة فى الظلمة.. ولذلك أنا أفكر.. دعونى أفكر.. أتعرفون.. والله هذا الحكيم كان على حق فى قوله يا أولاد.. أجل.. أفكر.. فى الظملة وحدى!