-2-
انبلج الصبح وغردت العصافير على فروع شجرة النبق الوارفة فى البيت المجاور وهتف صوت فى آخر الشارع
- دوام الحال من المحال.. تلك هى القاعدة..!
ونشط المزارعون إلى الحقول فى بكرة الصباح - كما هى عادتهم - ليجدوا المزروعات الغضة الخضراء قد احترقت بفعل الصقيع.
كان أحد عجائز القرية قد رفع عكازه عند ظهر اليوم السابق وتمتم وهو يشير الى السماء:
- هذا ضار جدا بالزرع..!
وتابع الناظرون عكازه بأعينهم الى حيث اشار فلم يروا فى صفحة السماء إلا بياضا.. صحيح هو ليس بالبياض الناصع المصقول المأمول فى ظهيرة النهار.. لكنه كان ابيضاضا فيه "نغمشة"خفيفة لا تلحظها إلا العين المدربة الثاقبة النظر.. هذه النغمشة هى أجنة الصقيع التى سقطت من بطن امها فى الثلث الأخير من الليل.. حيث فات العجوز الطيب ان يقيمة داعيا الله ان يجنب الارض الخصبة النادرة وما عليها من نبات وحيوان تلك الخسارة الكبرى التى أودت بجميع مدخرات المزارعين التى انفقوها فى زراعة الطماطم والكوسة التى اوشكت ثمارها على عقد النضج وما بقى من جهد إلا القليل ويأتى أوان الجنى.. وجاءه المزارع المصرى الذى دعاه لمصاحبته فى يوم سبت خال من أى شىء يقيم أوده مهموما يكاد ان يبكى مما لحق بغرس يده من التلف فأدرك ان أوان السبت الذى قدمه أو العرفان بالجميل قد آن وأن عليه ان يملأ خلاء جيبة يكفيه ليقيم أوده ومن ثم لكى ينهض على رجلية من كبوته ويزرع ثانية طماطم وكوسة وأمل!
وقد كان ووجد نفسه يدس فى جيب رجب البحراوى وهذا كان اسمه المشهور به مبلغا من المال كان قد اقتصده لمواجهة طوارىء أعطال السيارة ، ولذلك لم يكن يفارق جيبة أبدا، فما كان من رجب إلا أن رد يده وقبض عليها بأنامله بقوة كما لو كان قد ضبطها متلبسة "بنشله"برهة ثم دفعها عنه وهو يغمغم بألم:
- أنا اعتز بمعرفتك واحترمك.. ماذا فعلت؟.. لا تجعلنى أغير رأيى فيك؟.. يا إلهى إحسان!
فأعاد صاحبنا يده كرة اخرى الى جيبة وردد فى حزم وحسم:
- يا أخى عيب ان تسمية إحسانا.. إنه دين حل وقت سداده!
- ولكننى لم أعرك نقودا!
لفظها بتأنيب حقيقى فقاطعه قائلا فى استنكاف:
- لقد اعطيتنى ما هو اغلى من النقود.. المأوى الحقيقى والحماية والأمل.. و قاطعه الآخر بدوره متمتما:
- هذا كثير!
فاستتلى كأنه لم يقاطعة حاسما أيضا:
- هذا دين أسدده.. لا بل هذا بعض الدين!
قال الثانى وهو يصر على محاورته:
- لكنك كنت تعمل معى فى الحقل لقاء إقامتك.. أي أنك كنت تدفع وحين وجدت عملا منفصلا يومها.. لم تكن مدينا لى بشيء!
- قلت لك.. ان دينك لم يكن يقدر بالنقود!
- حسنا.. ليكن سأعتبرها سلفة فانت لم تكن مدينا لى بنقود!
قالها وعيناه تبرقان حماسة ثم صافحة وغادر مبتعدا وهو لا يدري كيف يخفى عنه ما وراء هذا البريق من دموع الإمتنان.
وفى الأيام التالية لاحظ صاحبنا وهو يمر عليه بالسيارة جيئة وذهابا فى طريق أعماله حيث كان حقله يقع بجانب الطريق العمومى انه أزال جميع العروش الخضراء التى اصفرت وجفت من أثر الصقيع تماما وأنه أعاد حرث الارض وتقليبها وتمهيدها وتخطيطها بل وزراعتها من جديد وعرف ذلك من استراق النظر على استحياء الى العمليات التى توالت على الارض والتي كان آخرها الرى ، متحاشيا إيقاف السيارة على جانب من الطريق لتبادل الحديث معه وسؤاله لئلا يخالط نبض قلبه الظن بأنه يتابعه بعدما صار مدينا له!، رباه ما أقذع المشاعر التى تثيرها النقود فى الأنفس الضعيفة!، يتابع من "بوركت يده" إنه إلاسيد نفسه، وسيد كل صاحب يد تكاسلت عن العمل و كان أول من تمتد يده لقطف ثمرة إنتاج الارض الطيبة التى رواها الزارع المبارك يده بعرقه ودمه.. نعم.. نعم ولتكف أيها الوسواس الخناس عن الفحيح فى الآذان.. وهكذا كان يكتفى برفع يده خارج زجاج السيارة ملوحا ومحييا.
وما كادت تمر أيام حتى وقع ما بدل أحواله وأحوال أسرته أيضا..
سلسلة من الحادثات المتعاقبة جرته وإياهم من سىء إلى أسوأ.. وقد بدأت بزوجته التى كان عملها يتم بالتنقل بين البيوت هنا وهناك.. كما سبق القول فى قريتهم والقرى المجاورة بل والمدينة.
ولأن دخول البيوت فى أى مجتمع ليس من الأمور السهلة حتى فى المجتمعات المفتوحة التى تخلت كثيرا عن حذرها وتحفظها.. فما بالك بمجتمع تنتظم حياته بمواقيت صلاة الجماعة.. فالاستيقاظ المبكر لصلاة الفجر يعقبه أن يبدأ العمل فى المدارس وفى جميع دواوين الحكومة فى السابعة صباحا.. ويخرج الآباء من مقار اعمالهم التى تغلق لصلاة الظهر ، وبعد ان تقضى مباشرة يكون اليوم الدراسى قد إنتهى بالمدارس الابتدائية والمتوسطة فينشطون لاصطحاب بناتهم وابنائهم من المدارس للبيوت، ثم يأوبون الى اعمالهم لاستكمال ما تبقى من يوم العمل..!.. مع ملاحظة أن العودة هذه يتحكم فيها بعد المسافة بين المدارس والبيوت.. فكلما تقاربت كان التناسب طرديا وكلما تباعدت كان التناسب عكسيا..!
حقيقة ان مواعيد الصلاة والدراسة تنظم حياة هذا الشعب وتدور فى فلكها دوران الكواكب المتآلفة حول النجوم الزاهرة..!
قال يحدث نفسه:
- وإذن إذا كان الحال كذلك فلن يكون مسموحا على المدى القريب فتح محال تزين النساء فى الشوارع
كما هى محال الرجال.. يجب ان يلتفت دعاة المساواة بين الرجل والمرأة لذلك.. فهى لا تقل عن حق قيادة السيارات!.. وكلاهما يتم فى الشارع!.. يا سلام لو أننى اصحو من نومى يوما فأسمع وأرى هذا القرار وقد صدر!.. إذن لما كنت مضطرا لنقل زوجتى بنفسى الى المنزل الذى طلبت صاحبته إياها لقضاء شأن من شئون التزين ولكفى ذلك زوجتى التعرض ل.. آه لشد ما كان هذا حريا بأن يثير غيرتى وظنونى لو لم اكن الرجل العاقل الواثق بزوجته كل الثقة..
وعند هذه النقطة الشديدة الحساسية من حديثه لنفسه إستطرد لنفسة متسائلا:
- أكان يمكننى الدخول للتيقن..؟
وتوالت على محياة أشد أمارات الحيرة والعذاب وأجاب نفسه:
- بالطبع.. وآه أخرى.. فلم لا يسمح بفتح محال التزين فى الشوارع للمرأة كما للرجل؟!.. أمن العدل أن أقف أمام البيوت التى تدخلها زوجتى الجميلة والتى تغيب فيها طويلا دون ان أجرؤ على الاقتراب من أسوارها وأبوابها؟
وفعلا تحقق ذات يوم ما كان يفكر فيه ويخافة
كان بيتا فى المدينة.. أودع زوجته فيه ثم تحرك ينشد قضاء حاجة من حاجات عمله فى ابتياع مستلزمات الانتاج للمزارع.. على ان يعود لاستعادتها فى موعد سبق تحديده له بمعرفة ربة المنزل عن طريق التليفون فى اليوم السابق.. فإذا بها زوجته تخرج من البيت بمجرد دخولة مذعورة تكاد تنكفى على وجهها مخافة ألا تلحق به قبل ان ينصرف.. وقد فر منها اللون والانفاس وكأنها واجهت لتوها فى الداخل حيوانا مفترسا!. سألها وهو يتلقاها بين ذراعية ليحول بينها وبين السقوط وصوته يتهدج جزعا من الرعب الذى سرى اليه منها:
- ماذا حدث؟.. ماذا.. ماذا؟
- رجل.. رجل..!
والغريب انه فى عين اللحظة برز رجل فى ركابها يحاول اللحاق بها.. وما إن لمحة يجاوز الباب ويكاد تمس قدماه أديم الشارع حتى انتزع نفسه منها وتلقى الرجل بين أذرعة ، لا بل تلقفه كما لو كان طائرا يبغى ذبحه! ورفعه عاليا قدر استطاعته وتوقف برهة ينظر الى وجهه ويملأ هذا الوجه بما شاء من رذاذ الغضب من فيه وعينيه التى ترصدت به كالمدافع الرشاشة!.. ثم أطاح به فى الهواء.. طائرا فعلا! وكان من نتيجة ذلك ان ارتطم جسد الرجل القمىء بباب المنزل بعنف إرتج له حلق الباب وصلصلت مفاصله.. وكان حلق الرجل أكثر ارتجاجا ومفاصلة اشد صلصلة فزعق مستنجدا واندفع اليه غريمه يبغية بعد سقوطه هاويا فأسرعت زوجته وأمسكته بجمع انامل يديها من الخلف وهتفت به متوسلة:
- بالله لا تقتل.. كفاك.. كفاك.. هذا بيته وهذه بلدته سيكذبونك ويصدقونه إذا ما لاذ بالشرطة وهو بالطبع فاعل!
صرخ يبغى التملص منها:
- اتركينى هذه ليست بلدته!..
لم تفهم لما تفوه به معنى ونظرت اليه فى رجاء والى الشارع بتوجس وحمدت الله على انه كان خاليا فى هذا الوقت من الصباح الذى استقر فيه الناس بمقاعد أعمالهم.. وأدرك هو مدى ما فى موقفة من خطر فجرها داخل السيارة وفى لحظة مضى بها مبتعدا وهما يدعوان الله ألا يكون لما حدث شاهد.. ومضى وقت طويل قبل ان يتفوة أحدهما بكلمة لانهما كانا يستجمعان لهاث انفاسهما وشعث ما تناثر من اغطية رأسيهما وما بداخل هذين الرأسين من افكار غير نيرة!
وكان هذا الحادث الغريب الذى توافق ان وقع له وقتما فكر فيه (تأكيدا للمثل العامى القائل بأن من يخاف من عفريت يطلع له!) هو البرهان الدامغ على أنه لم يكن على حق إلى حد ما فى مناصرة الرأى المنادى بحرية المرأة فى الشارع أسوة بالرجل.. وآخر عهد لزوجته بهذا العمل (بل بالعمل عموما) إذ أقسم يمينا غليظا بألا تعود اليه (ولو شحدنا) ولم يفت فى عزمة الاتصالات التى انهالت عليهم كالمطر فى الايام التالية تطلبها.. يا إلهى تطلبها لماذا؟.. وكان لقرع الباب أو جرس الهاتف تاثير على اعصابة يشبة تاثير التهديد بالرجم بالحجارة!.. وهو يتصور ان وراء الباب او التليفون رجل قمىء الوجة مثل هذا الذى رآه وهو يلاحقها كالثور ليسمكها من دبر.. فأحكم رتاج الباب وأمسك "عدة التليفون " وجذبها من سلكها ورمى بها أرضا.. وصوت بكاء زوجته الطاهرة.. الحصينة بدينها ونشأتها وحب اسرتها وحبه.. يخترق سمعه وينفذ كسكين حاد صوبه رام يحذق قاعدة التنشين فى أعماقة!
وما أخرجه من الحبس الذى فرضة على نفسه وآل بيته إلا فى ثالث يوم بالضبط عندما فوجىء ان الذى يقرع الباب هذه المرة ليس الا شرطيا اوفده " أمير القرية الام " يدعوه اليه لأمر لم يفصح عنه الشرطى.. وكان قد اوشك ان يصرفة دون ان يفتح الباب بأيه ذريعة كما اعتاد ان يفعل فى اليومين الماضيين.. لولا أن الرجل افصح عن شخصيته قائلا بغلظة:
- الشرطة!
ففتح له دون ان ينبس بكلمة ورافقة وهو فى عجب من أمر استدعاء الأمير له.. مستبعدا ان يكون الرجل الذى اوشك ان يفتك به قد تقدم بشكوى.. لان هذه الاحوال من عمل الشرطة لا الامارة.. ولم تطل به الحيرة كثيرا.. لانه سرعان ما وجد نفسه بعد ان استفاق تماما من غيبوبة افكاره وجها لوجه امام الامير الذى - لدهشته - رحب به بأدب جم معروف عن كل الأمراء.. وأفصح له بأنه ما دعاه إلا ليعلمه بنفسه ان عليه الكف عن امتهان العمل فى معالجة المواشي والغنم فقد تخرج طبيب سعودى من الجامعة وتم تعيينه فى بلدية المدينة وأنه ومن الآن هو المسئول عن البيطرة بجميع انشطتها واعمالها..
وعبثا حاول افهامه ان في الأرض متسع له وللطبيب المتخصص لاداء هذا العمل بلا جدوى بل ان كلمة متخصص هذه كانت ضالة الامير المنشودة فهدده بانه غير مؤهل علميا لممارسة ذلك العمل.. وان هى إلا خبرة اكتسبها والخبرة لا تصلح وحدها للنهوض بعمل علمى متخصص.. وضغط على مخارج الكلمات وهو يشرح المعنى القانونى للتخصص وعلى نواجذه كلما نطق الكلمة مفردة.. ليفهم مدى الجدية وراء تنفيذ هذا الأمر الذى لا خيار له فيه وقدم له إقرار العلم به فوقعه صاغرا وخرج وقد اظلمت الدنيا فى عينيه يتلمس طريقه الى حيث تقف السيارة بصعوبة وما كاد ان يجلس الى مقعدها حتى انطلق بها كالسهم كمن يروم ان يدعس أحد المارة وغريما له (كالرجل القمىء) يقهقه تهكما وهو يطارده!
واذا كان المثل الشعبى يقول بان خبطتين فى الدماغ توجع.. فان صاحبنا نال خبطة ثالثة حينما بلغ البيت ووجد المزارع على الصعيدى ينتظرة لدى الباب لإخباره على مايبدو بأمر هام والذى هرول اليه بمجرد نزوله من السيارة وابتدره قائلا:
- هل سمعت آخر الاخبار.. يقولون انه صدر قرار يمنع الأجانب من ممارسة البيع والشراء فى أسواق الخضار وقصر ذلك على ملاك المزارع من الوطنيين و..
وكاد أن يصرخ فى وجهه:
- لسنا أجانب!
لكنه بدلا من ذلك وضع يده على فمه ليمنعه من الكلام المؤلم غير متحمل لنبرات صوته كأنه يهيل على أم رأسه التراب بهذا الخبر المشئوم الذى تجاوز قدرته على التحمل شكلا وموضوعا! وقر عزمه - إن استطرد عامدا - أن يرفع يده ويصفعه ليلقنة درسا فى أدب الاعلام المتعاطف!.. غير أنه فجأة شعر بالعطف عليه فهو مسكين مثلة يمسه قرح مماثل.. ودس يديه فى جيوبه ليقصر نفسه على قبول التحلى بضبط تلك النفس والتظاهر بعدم الاكتراث بالإحسان إلى من يتعمد إيذاء شعوره!.. ويبدو أنه أخفق فى مزج كل هذه المشاعر المتناقضة بصورة تريح نفس محدثه (المتشفى) الذى قرأ فى وجهة تعبيرا لم يقو على احتماله فيما يبدو فأسرع ينهى وجوده من أمامه متباعدا عنه وهو يحدجة بنظرة ارتياب وتوجس كأنما يتفحصة ليتأكد من انه فى كامل قواة العقلية الى ان توارى وفى ذات اللحظة دلف " حنفى خليفة " وهذا اسمه داخلا بيته فى حركة عصبية كأنه يلوذ به من خطر داهم وتوجه من فورة الى غرفة نومة والقى بجسد أنهكته أعصاب تحطمت من جسامة ما تعرضت له فى يوم واحد من سود الاخبار.. وشعر باحترار تفصد له العرق من كل خلاياه من فرط ما جهد لمغالبة إنفعالاته التى انبثقت من أعماقه انبثاق البراكين من جوف الارض او من قاع البحر! (والبحر على الارجح لانه غرق فى مرق العرق)!.
وعندما أفاق او بمعنى اصح إستفاق رأى جميع افراد اسرته وقد انكببن على فراشه يتحسسنه بوضع أناملهن على جبينه او بلفها حول معصمىى يديه كما لو كن يقسن حرارته او نبضه وتطفر من شفاه بعضهن فى وله كلمة "بابا " فهب جالسا فى ذلك الفراش واستدعاهن جميعا الى أحضانه يسبقهن الصغير هلال طبعا وعالج لف ذراعيه حتى تكفى إحاطتهن جميعا بعطفه وحبه الأبوى وردد بنبرة تشى بحزن دفين:
- انا بخير.. بخير.. اطمئنوا.. بابا بخير!
فلم تكف وبقت أغلب أجزاء جسد دنيا خارج التغطية!.. إذ بالكاد لامست اطراف انامله جنبيها فهتفت تصطنع المرح لنسرى عنه الوقر الذى يجثم على قلبه:
- نصيبى قل الى حد يدعونى الى التظاهر او الاعتصام او الاضراب عن الطعام ياسى بابا!
- بل انت البركة كلها!
قالها وهو يرنو اليها بنظرة تفاهم وحب متين فاستنار محياها وقالت كانما قد تذكرت أمرا هاما:
- آه.. على فكرة.. رجب البحراوى سأل عنك..
صاح مستثارا وكأن وزير الزراعة ذاته هو من سأل عنه:
رجب البحراوى.. أتعرفون يا أولاد.. رجب هذا أحد أبطال الانتاج الزراعى بالمملكة!.. وأول من كنت ارشحة لتسلم درع البطولة.. لو أقامت جهة ما بالمملكة احتفالا مثيلا لما تقيمة مؤسسة التعاون بمصر.. ممثلة فى جريدة التعاون لتكريم الذين ساهموا بجهودهم الخلاقة فى زيادة الانتاج كل عام..أتعرفون كثيرا.. ما أمسكت القلم لأكتب الى المسئولين فى تلك الدار ان يتجاوزوا الحدود إلى كافة أرجاء العالم باحتفالهم! ويمدوا أياديهم الى رجب وأمثاله على تلك الارض الطاهرة الطيبة موطن رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم الذى كان اول من رفع قيمة تلك اليد الى العنان بقوله الخالد "بوركت اليد التى تزرع"
صفقت شمس باعجاب لما تسمعه من والدها بينما استرسل هو كانها لم تقطع حديثه:
- والتى كثيرا ما نقرأها فى لافتات كبيرة على الطرق فى كل انحاء البلاد هنا ولا اقول يد رجب البحراوى فقط للعلاقة الخاصة التى تربطنى به.. فان امثاله كثيرون ممن تركت اياديهم الكريمة بصمات على الأرضين اللتين انفلقتا كحبة فول واحدة فى الأزمنة السحيقة الى فلقتين.. كانت احداهما مصر وكانت الاخرى السعودية!
- ماذا يقول بابا..؟
- وربما يفسر لنا هذا سر عشق المصريين للفول..!
- يا الهنا ماذا يقول!؟
- وسر عشق البحر الذى يفلقهما.. لأجسام المصريين!.. الذى لا يعلم غير الخالق سبحانه قرارة المكين لمن احبهم هذا البحر المرجانى الاحمر.. المبارك بأسماكه ووحوشة ايضا..!
- جميل.. جميل.. كلامك هذا.. وبعد يا بابا..
استطرد كانه يصف ما يراه رؤى العين:
- والذى تستحوذ لجته الزجاجية.. لا بل الماسية التى تشف ما تحتها من مرائى الى مسافات بعيدة عند القاع فى بعض المواضع القريبة من شواطئة الحافلة بالعديد المتنوع الاشكال والالوان من الاسماك الجميلة التى ذاقت اللحم المصرى الطيب..!
- بابا فيم تحدق وماذا ترى.. وما هذا الكلام..؟
- والتى يكتفى من يراها بالنظر اليها فحسب من شدة ابداع الخالق.. دون او تثور فى نفسه غريزة الجوع ودون ان يسأل نفسه قطعا عن سر عدم تحرك الرغبة البريئة فى التذوق..!
- بابا.. بابا.. ماذا تقول كأنك ترى مالا نراه..!
استرسل وعيناه ساردتان فى اللامنظور:
والتى ما كانت لتخطئها هذه الاسماك الجميلة ابدا.. لانها تعلم سردها الدفين.. ولذلك فهى غالبا ما تتوارى عن اعين الناظرين لا على استحياء كما يجب ان يتخيل البعض.. ولكن خوفا من ان يكون بينهم احد ناشطى الأخذ بالثأر!.. يسرعون بالاختباء بين فروع وجذوع الشعاب المرجانية..
- رباه..
- التى تشبه غابة من أشجار وردية ولا زوردية!.. فيروزية وأرجوانية!
- صورة جميلة... صورة بديعة..!
- تلتف وتتشابك..
- يا الهى... حنفى.. أفق!
- فى نموات ترتفع قرب السطح وتنخفض عند القعر.. وفى داخل البحر صانعة دروبا وطرقا يعرفها القباطنة والملاحون جيدا والويل كل الويل لمن جهلها ولم يرسم خرائطها فى رأسة كما فى كراسته وضل سبيلة بين شبكتها الساحرة.. الضافية مثلك يا دنيا..!
- ماذا..؟.. مثلى
تضاحكت شمس وقمر لمنظر والدتهما وهى تتساءل بنوع من الاستهجان هو اقرب الى الاستحسان على حين واصل زوجها:
- أو اصطدم بها.. كما اصطدمت انا بعلى الصعيدى.. لأنه فى الأولى سيكون كمن وقع فى بيت جحا بيتك الذى توهتنى فيه يا دنيا!..
تعالت ضحكات البنتين وصفقتا باكفهما فى اكف بعضهما.. واستنكرت امهما هذه المرة بصدق سلوكهما الشائن واستتلى الاب:
- وفى الثانية ستخترق سيوفهما جسد السفين وربما تكشط جزءا منها.. او تشطرها نصفين كقطعة الجبن بين حدى سكين سنها " سنان " حاذق من هؤلاء الذين كانوا يجوبون القرى فى الزمن الجميل ويعرفون جيدا مدى محبة الله لمن يتقن عمله!.. ولعل حوادث غرق العبارات التى تحمل عمال مصر الكادحين مثل العبارة سالم اكسبريس عام 1991.. وغيرها خير دليل على ذلك..!
وصمت برهة يلتقط انفاسه ويتأمل الأثر الذى تركه كلامه فى أنفس آل بيته ونفس دنيا على وجه الخصوص التى أدار حديثه المطول عن البحر وشجونة رأسها ولم تدر لم لم يتناول فى طياته وجبة اقل دسامة حتى لا تهاجمهم الكوابيس وتباريح الاحلام وهم نيام او ايقاظ.. نعم هناك كوابيس النوم وكوابيس اليقظة ايضا.. وهذه حقيقة يعرفها كل انسان عاقل.. لانه ما من حى إلا مر بها ورآها فى الظلمة وهو على البر شاطر او فى وضح النهار على درب المجهول.. خائب..!
فهل كانت حادثة إحراق الصقيع للنباتات الزاهرة فى المزارع كابوسا فى اليقظة حط على أم رأس رجب البحراوى ورءووس اقرانه من المزارعين امثال على الصعيدى ربما.. ولكن بتكافل اناس امثال صاحبنا حنفى مع هذا المزارع او ذاك إنمحت تماما آثار الكابوس واستعاد الجميع صحوتهم.. بل صاروا اشد صحوة فابدعوا سبل الوقاية من ان تتكرر النكسة وصنع بعضهم وعلى غير اتفاق.. كما لو أنها السليقة وغريزة الدفاع عن الحياة أكياسا بلاستيكية يغطى بها النباتات ليلا فيما يشبه " ناموسية النوم"! كلما لاح فى شاشة عرض السماء ظهرا ما يقرأة عجوز يمشى على عكازين!.. او ما تدربوا على هم على قراءته كيلا تتعطل او تفسد الانشطة الليلية الهامة للنبات فى تركيب غذائة وفى تخليص المعمورة من الغازات بتضييق حيز الفراغ حولها وكتم انفاسها بالأغطية عمالا على بطال.. وانما يفعلون ذلك فى ليالى سقوط الندوة فحسب.
قرأ حنفى بسهولة ما وراء انشغال ذهن دنيا من قلق وهواجس.. فاسرع يبدد اثر ذلك من نفسها قائلا وهو يتبادل متخابثا نظرات تفاهم مع ابنتيه:
- قد تحدثت طويلا عن البحر.. فهل تستطيع اخصائية الفنون الجميلة التحدث عن البر بأجمل مما تحدثت انا؟.. أشك فى ذلك!
واستخلصت دنيا نفسها من مسارب التية التى أوشكت أن تدخلها وتنهدت تنهيدة خفيفة تمتمت بعدها
متسائلة بابتسامة وانية:
- البر؟!
- أجل فلى صحاب على البر أكن لهم فى قلبى كل الحب والاحترام.. لما لهم من أفضال وأيد مباركة لا يدانيها إلا فضل وبركة تلك الارض الطيبة.. الطاهرة التى قبلت أكف الأقدام التى دبت عليها..
- تقصد الزراع والمزارع؟
أجاب فى حماسة:
- إياهم وإياها أقصد..
اتخذت دنيا مكانا أقرب الى النافذة وجلست تنظر من خلالها إلى السماء.. الى سرب من طيور بيضاء أمعنت النظر وتاهت فى بيداء التأمل وأخيرا قالت:
- لا شك أن إستزراع تلك النتف الصغيرة من الأراض الخصبة الصالحة للزراعة المنتشرة حول مخرات السيول وفى الوديان التى حفرت فيها العديد من الأنهار المؤقتة التى تروى ما على الارض من نبات وحيوان ريا مباشرا إبان هطولها ولفترة وجيزة بعد الصيف.. حيث مع دخول فصل الشتاء تكون الخزانات والسراديب تحت الارض قد امتلأت.. صانعة نهرا آخر فى الفصل شحيح المطر.. والذى يسقى ما فوقها بالآبار وهى بمثابة أفواهه العديدة الانتشار فى كل مكان حول الوديان وقريبا منها فى هذا القطاع الوعر.. العسير من أرض المملكة العصية الإستزراع على هؤلاء الذين اعتادوا رؤية نهر سخى كريم طوال العام يشق صدر أرض صالحة وخصيبة هى من خلفته وهبته..
- الله.. هذا جميل... جميل يا ماما..
- جميل جدا..!
- هل سمعتم عن محبوبة طاهرة تتجدد عذريتها وخصوبتها كل عام؟!
صاح الجميع باستحسان:
- كلا.. لم نسمع..!
استرسلت هى:
- إنها أرض الكنانة.. محبوبة نهر بكر مسفط رأسه الجنة!.. تسترد خصوبتها وعافيتها فى موعد اللقاء السنوى مع الفيضان الذى ينزله الله من جنته فى قلبه ليوزع الحب الإلهى بالفسطاس على زوجات عشر لاترتوين مهما شربن!
هز حنفى رأسة علامة على ان المعنى وصل وبلغ من نفسه موقعا حسنا وهو يردد:
- جميل.. صورة جميلة وواقعية فعلا..!
وهتفت شمس وقمر وهىلال:
- فعلا... فعلا.. فعلا..!
وواصلت دنيا:
- ولا تقول لولا إلمامهم بفنون الزراعة الحديثة.. أقصد الحديث الآن عن الزراع!.. ولولا استعمالهم لأدوات التقدم العلمى.. التى تتنوع من الألات الى التقاو المنتقاه والمخصبات والرى بالرش والرى بالتنقيط! والاعتماد على وسائل حديثة لعلاج الامراض ومقاومة الحشرات.. بتنظيم بعض العمليات العضوية غير الكيماوية فان فطرتهم وميراثهم الحضارى عن اجداد كانوا اول من عرف المجتمعات الزراعية المستقرة.. واول من انشأ دولة بمعناها الادارى والحكومى!.. وخصها الله فى كتابة العزيز بذكر فومها وعدسها وبصلها وقثائها.. ولذلك لم يجد أحد غضاضة فى ان تكون الغالبية العظمى من المزارعين هنا فى القرية.. او هناك فى كافة الأرجاء.. من أبناء أم الدنيا الأخت الشقيقة لأمهم.. والاعتراف بذلك موثق تاريخيا وفى غير حاجة الى دليل أو برهان..
- جميل فعلا..
- فعلا.. فعلا.. فعلا..!
- إننا نرى انهم عندما يبغون ان يجذبوا الانظار لإعلان فى التلفاز لمنتج زراعى.. يحرصون مثلا على أن يظهر فى الإعلان الفلاح المصرى بجلبابه الأزرق وطاقيته البنية وبيده علبة الفول.. خضراء كتب عليها زرع فى كاليفورنيا!.. وهذا يثبت ان تشجيع الفول ليس ظاهرة مصرية فحسب!
- ولكن للفول شهرة على مائدة الطعام المصرية فهو الملك غير المتوج على تلك المائدة و....
قاطعتة دنيا واستتلت:
- نراه مطبوخا متعدد الألوان والأصناف فى جميع أوقات الوجبات.. و شهرته امتدت الى العالم ليكون من معالم مصر شأنه فى ذلك شأن الأهرامات..
- وشأن المكرونة فى إيطاليا!
- هو رمز من الرموز التى تدل على امتداد الجذر الوتدى للأصالة فى أطباق الارض..
- وأطباق الفول المدمس أيضا يا دنياى الحبيبة..
ضحكت دنياه فى سعادة غامرة وتمتمت وهى تغمز بعينيها العسليتين الشديدتى الصفاء كالذهب لابنتيها اللتين راحتا تراقبان ما يتم عليه حديث يتعالى مستواه بين امها وابيها فى صمت أخاذ:
- ما أقصد إلا مجرد تعبير.. تعبير من الحقيقة لا من الخيال أضع به بعض العلامات على الطريق..
سأل حنفى بصبر نافذ مغضبا لسبب لا يعلمه:
- علامات على أى طريق.. طريق الفول؟!
أجابته بابتسامة الحب التى أبى غضبه المفاجىء ان ينزلها من عرشها الذى توسد محياها:
- لا.. ولكنها علامات ننهل منها العبرة والفكرة.. مهما كانت هينة الشأن.. او كما يقولون يا زوجى العزيز الدرس المستفاد!!
هز زوجها العزيز رأسه علامة على الفهم والموافقة.. وقد فعل هذا الحديث فى نفسه فعل السحر فنهض من الفراش وبارح المنزل راكبا سيارته واخذ يجوب بها طرقا جانبية.. منعزلة تتكاثر فيها الاعشاب البرية ذات الازهار الشعاعية الصفراء وتتناثر فى بعض جوانبها اشجار السنط والعرعر والتى ما ان ينتبه اليها متأملا حتى تقع عيناه على بعض الزواحف الهادئة الطبع والبيضاء الدم من القنافذ والحرباءات.. او على العكس من ذلك الحيوانات الكثيرة الحركة مثل القردة!
آه لشد ما يشعر بالوحدة المريحة! وتساوره مختلف صنوف المشاعر الودية من كل ما يطالعة او يراه..
هتف به صوت او توهم من وراء اشجار العرعر او الصخور:
- ماذا جنيت من الغربة يا ولدى!
كان صوتا شببيها بصوت امه فجاوبه مرددا فى لا وعى:
- انا لا أعتبر نفسى فى غربة.. وارى فى أهل تلك البلاد أهلى.. بل ان بعض اسماء عائلاتهم او بلدانهم تماثل تماما اسماء بعض العائلات والبلدان فى وطنى..
عاد الصوت يحاوره:
- إنها أوهامك.. أضغاث أحلامك وأفكارك التى تجمل لك وجه الغربة فتجعلة اجمل من وجه امك.. بينما تحت المساحيق والاصباغ التى تجيد زوجتك.. دنياك فنونها يتربص لك الوجة الشديد الاصفراء من المرارة ويدفعك الى مسالك صعيبة الاجتياز من الوعورة!
وماذا يفعل الانسان؟.. ماذا يفعل الانسان الحر؟!... ان اخذنا بذلك المقياس فان الدنيا كلها غربة.. اننا نستشعر الغربة فى الوطن إن ران عليه وتمكن منه وباء الفقر..!.. نعم الفقر فى الوطن غربة وابشع انواع الغربة يأتى من الظلم وغياب العدالة.. وتبنى افكار من نوع "الفقر ليس نقيض الغنى"!.. فقد تكون فقيرا وتشعر انك اغنى الناس باستغنائك عنهم!.. وقد تكون غنيا وتشعر انك افقر الناس بحاجتك اليهم! والى المال الذى يروى أنفسا مالحة لا ترتوى مهما شربت!.. نعم أنفسا مالحة.. مالحة!..
ووجد نفسه يردد تلك الكلمة فى لاوعى وينتفض واثبا من دخيلة نفسه وقد تشتت تركيزه حتى كادت السيارة تصطدم بحافة الطريق لولا أنه أسرع بتعديل مسارها فى اللحظة الأخيرة ثم أسلم نفسه ثانية لأفكاره لكن دون غرق يسلبه إرادته وتنبهه وواصل:
- ماذا يفعل أولادى وزوجتى لو وقع لى حادث أودى بحياتى؟.. كيف يعيشون؟.. بل كيف يعودون الى البلد؟.. رباه ما اشد حاجتهم الى فاحفظنى لهم!
وتذكر صديقه رجب البحراوى فخيل اليه انه يسمع صوته يهمس فى أذنه قائلا:
- يا اخى تفاءل.. الكريم لا يضام..
ثم بمرح أضاف:
- مت أنت ولا يهمك.. الله موجود فلا تخف.. فقط مت!
وعبثا حاول ان يضع هذه الكلمات فى عقله حتى يفكر بوعى وواقعية لأن صوتا آخر توهم انه لعلى الصعيدى لازال يطن ويرن فى أذنيه صائحا:
- السوق.. السوق لصاحب الارض.. لا لمن يزرع..!.. صدر قرار.. صدر قرار..
فهدر بغضب:
- لعن الله السوق ولفظ السوق ومن ساق ويسوق وسائق ومسوق؟!
وكانما كانت فى غضبته تلك النهاية لآلامه فتوقف بالسيارة وهو يحوقل ويبسمل ويستعيذ بالله ليرى أين هو؟ ولما تأمل ما حولة بنظرة متفحصة.. ادرك انه مازال فى بقاع يعرف دروبها ومسالكها.. وحمد الله كثيرا على ان افكاره التى استحوذت عليه لم تسقه الى مكان غريب لا يعرفة... وقفل راجعا ليجد على باب بيته احد معارفة من الافغان لا يدرى ماذا يعمل يطلب منه توصيلة والبقاء معه لحين عودته من زيارة بعض ذوى قرباه فى احدى القرى القريبة وسينقده أجرا مجزيا فوق ما سيظفر به من الحفاوة التى سيقابلهما بها أقربائه حينما يقدمه لهم على انه صديق!
استبشر خيرا واستنار وجهه المسود الكظيم وهو يرفعه الى السماء وأدام فيها النظر هنيهة يشكر الله على انه وقد كتب على نفسه الرحمة والوعد الصادق بكفالة الرزق لكل مخلوقاته لم ينس عبده الحنفى!..
نعم.. نعم.. ها هو باب جديد من أبواب الرزق يفتح له.. توصيلة هنا وتوصيلة هناك.. القرية تغص بالعمال الذين يحتاجون فوق قضاء حوائجهم المادية الى التواصل مع اقاربهم وأصدقائهم وبنى جلدتهم فى المدن والقرى الاخرى ، فضلا عن ابتياع أدوات ومستلزمات لزوم أعمالهم فى الزراعة وخلافه ، أو الحصول على بعض الاطعمة والمواد التى لا تتوافر فى البقالتين الصغيرتين قبالة مدرسة البنات ، والتى يجرى التركيز فيهما على توفير إحتياجات الاطفال من الادوات المدرسية والحلوى والمسليات والشيكولاته والمشروبات الغازية والعصائر ورقائق البطاطس ومستحضراتها الهشة (كالفشفاش) أكثر من التركيز على احتياجات المنازل الضرورية. ثم أنه مازال فى الوسع الانتقال فى صحبة الرعاة فى البوادى والحضر لحقن المواشى والأغنام بالطعوم والمضادات الحيوية والمقويات! وللآن لم يتفاءل أحد بأن الطبيب البيطرى السعودى الذى تعين فى البلدية لن يستعين به!.. انه على يقين بأنه لن يطول الحالات التى تطلبه فى المناطق البعيدة والنائية! خاصة وأن بعضها لا دروب معبدة له فى الجبال والفيافى! بل بعضها لاتقع على طرق!.. إنه وحده وحديث عهد بالعمل وفى امس الحاجة لخبير مثله يجيد العمل بيده! متفرغ ولا عمل رسمى يربطه!.. حدث نفسه بكل هذا وأضاف:
- ستدور العجلة ويعم الخير الجميع فهذا منطق الحياة والتزام من الخالق حيال مخلوقاته ولو كانوا من غير المؤمنين به.
وبغتة انقلبت سحنته الى النقيض وتساءل فى قلق:
- ولكن ماذا اعمل فى الاقرار الذى تعهدت بموجبة امام أمير القرية الام بالا اعود لممارسة ذاك العمل..
سكت لحظة وفكر ثم واصل كأنما يطمئن نفسه:
- والله سيكون هذا شأن البيطرى السعودى فهذه بلاده ومن حقة ان يصرف اموره فيها.. واعتقد ان أحدا لن يعترض ان اكون مندوبا له او وكيلا رسميا عنه.. ثم ان حجم العمل اكبر من ان يقوم به فرد واحد وحاجتهم اليه مازلت قائمة وملحة.. وكما يقولون: الضرورات تبيح المحظورات!
جالت هذه الخواطر فى ذهنه وحدث بها نفسه وهو في طريقة بالسيارة ينهب الارض نهبا والافغانى الطيب جالس الى جوارة لا يحير حراكا ولا يحادثه..
كان الطريق قد بدأ يتعرج ويدخل فى سلسلة من المنعطفات والمرتفعات تعقبها منخفضات أو مضايق إلى حد لايمكن معه تجاهل خطورة مثل هذا التفكير مع السرعة التى تندفع بها السيارة.. وفضل الحديث مع رفيقة ليضمن الا تستولى عليه افكاره كرة اخرى فبادرة متسائلا:
- أأنت سعيد فى حياتك هنا.. أعنى هل انت ناجح فى عملك بعيدا عن وطنك؟
- وطنى أكلته الذئاب!
غمغم بها الأفغانى ذو العمامة الكبيرة والذقن الكثيقة التى تميز غالبيه الافغان ثم أردف:
- سامحنى!.. اعنى انه يعيش دائما فى حروب على مر تاريخه.. ولا يوجد حقبة واحدة نعم فيها بالاستقرار والسلام!
سأله بلهفة وتركيز:
- لماذا!
فاجابة ربما دون ان يقكر وكما لو كان يلقى بأمر بدهى ولهجة قاطعة:
- الافيون..!.. الأفيون والحشيش..!.. انتقلت العدوى من الصين الينا.. بل قل فرت العصابات التى جعلت من الصين كلها المزرعة الاولى له من شدة بطش السلطات الصينية ووجدت فى بلادنا المرتع الخصب الامن لها.. انت تعلم اننا لنا حدود مع الصين لكنها للاسى والاسف غير مراقبة وبلا سلطات.. لتعدد السلطات وتناصرها وتشرذم المجتمع كلة.. شعوبا وقبائل
ساد الصمت بينهما هنيهه. ,. وفكر ان يواسى صاحبنا لما راه من علامات الحزن والاسى تكسو محياه بخطوط حادة وقاسية.. فقال مهونا:
- بل قل انها ماساة الحرب التى شنها الامريكيون عليكم بدعوى محاربة الارهاب..!
- ليس علينا فقط.. بل على العالم الاسلام كله لمن ليس معهم..!.. انهم يتملقون الشعوب بدعوى حقوق الانسان ونشر الحرية والديمقراطية ومحاربة الفقر!.. ويتصيدون المخالفات دون ان يقيموا اعتبارا لحق الشعوب فى السيادة على اراضيها او بالاحرى دون ان توكلهم هذه الشعوب فى الاعتراض على الممارسات الخاطئة لحقوق الانسان هذه!.. ناهيك عن الضغوط السياسية واستغلال التناقضات الايمانية التافهة بين دول الجوار وتعميقها وجعلها تماثل الخلافات الشديدة التى تمس جوهر عقيدتهم الدينية بما جعل دينهم الواحد ينقسم اديانا وكذلك الضغوط الاقتصادية والتهديد بقطع المعونات الموجهة التى لا تعطى لوجة الله! وسكت هنيهة يختطف أنفاسه واسترسل:
- بل والتهديد احيانا بالضرب تحت الحزام!.. سبحان الله.. قد خلق الله البشر جميعا احرارا متساوين فى الحقوق والواجبات كأسنان المشط كما نادى سيدنا محمد رسول المساواة والحرية وبأنه لافرق بين عربى ولاأعجمى إلا بالتقوى.. قبل ان يخلق الله الفلاسفة ودعاة الحرية فى الثورات الشعبية التى غيرت نظم الحكم فى بلادهم واطاحت بجميع الاباطرة والممالك.. مثل الثورة الفرنسية والثورة الامريكية والتى قيل أن تأثيرها إمتد الى كل شعوب العالم.
وسكت ثانية وزفر زفرة حرى واستطرد:
إن أسنان المشط هذه أدق واقوى تعبير عن حقوق الانسان لمن يفضون الطرف عن هذه الحقوق ان تعارضت مع مصالحهم فيطبقونها فقط داخل بلادهم.. هؤلاء الذين لا هم لهم إلا الإساءة الى الإسلام ورسوله.. وإلا التسلط على شعوبه والاعتداء على حريتهم بفتح المعتقلات جوانتانمو وخلافة واختلاق الاباطيل والاكاذيب لمحاربيتهم واحتلال ارضهم والهدف واضح فى بريق اعينهم المسلطة على الخيرات الطبيعية التى حبا الله بها سبحانة هذه الشعوب من دونهم.. كنوز الشرق على حد قول الاميرة فرجينيا وهى تخاطب ملكا آخر من ملوك اوروبا فى هجمتهم الصليبية الشرسة بقيادة ريتشارد قلب الاسد ملك انجلترا على أرض الأنبياء والديانات السماوية!.. وزلة اللسان التى تداركها أحد رؤساء أمريكا فى العصر الحالى واكثرهم عداء للإسلام واعتداء على اراضيه وشعوبه.. أأنت معى؟
تمتم بصوت خفيض فجأة بعد ان كان جهوريا كأنه يلقى خطبة فى جمع من الناس.. وتهدج هذا الصوت وهو يكرر:
- أأنت معى.. أتسمعنى؟!
كما لو كان يسترضيه ليتقرب اليه ويؤمن معه بوجهة نظره.. هذا الافغانى المثقف الذى غاص فى بحار السياسة الدولية وفى خلجان هذه البحار التى تكتنفها الظلمة وكأن حنفى أحد أساطين هذه السياسة وليس ببساطة سائق سيارة.. مجرد سائق.. لكنه شريف يعمل بكد وجد وينحت الصخر فى سبيل استخلاص لقمة العيش الحلال.. تلك التى تبدو احيانا فى فم اليتيم عجبة!.. وعجبى!.. لم تكن بك حاجة ياصاح لكل تلك الخطبة الطويلة القوية ليؤيدك ويدعمك إنسان بسيط مثله!
هتف حنفى على حين غرة كمن وجد كنزا وكان يبحث عن رد يعلو به إلى مستواه:
الإسلام هو الحل!
فتهلل الأفغانى إستبشارا وهتف بحرارة:
- هذا بالضبط هو ما يقلقهم.. ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة.. وجادلهم بالتى هى احسن.. لو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك..
وران الصمت بينهما ثانية بضع لحظات قبل ان يغمغم حنفى قائلا بنفس المستوى وكأن الحديث مازال متصلا:
- توقف هنا..!
- ماذا..!
- اعنى السيارة.. توقف قد وصلنا الحوطة حمدا لله.. حمد الله على السلامة!