(3)
بدأ زمن الانفجارات والاختطافات والموت. كان كل ذلك أخبارا تأتينا من المسافرين فنحن كنا بعيدين عنها، أو على الأقل هذا ما كنا نعتقد في البداية.
بالنسبة لي لم اشعر كثيرا بالفوضى التي تعم البلاد إلا في تلك الليلة الشتوية، حيث خلدت للنوم مبكرا لكن مرغمة هـذه المـرة لان أمي لم تسمح لي بالسهر لمشاهدة فيلم الرعب الذي كان سيبث في العاشرة ليلا. كم انزعجت ليلتها من أمي بل بكيت بحرقة لأني ضيعت ذلك الفيلم الذي انتظرته طويلا. لم استطع النوم ليلتها لكن لم أكن أدري أن ذلك الفيلم المرعـب سيصبــح خلال ساعات واقعا. فبينما كنت العن حظي لأني ضيعت الفيلم سمعت طلقة نار بالخارج ظننت أني أتخيل لكن هذه الطلقة أصبحت اثنتان ثم ثلاثة فلم استطع أن أعدها بعد ذلك. تملكني خوف شديد لم استطع الحراك ولا الصراخ. بقيت جالسة بفراشي والأضواء مطفأة فإذا بأمي وأبي يتهامسان . سمعت أمي تطلب من أبي أن يخرج من النافذة وليبقى مختفيا خارج البيت، فالإرهابيون قريبـون جدا وإذا ما وصلوا سيقتلونه.رد والدي " لن أترككم وحدكم، ولن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا"
سكت برهة ثم أضاف " أين الساطور ؟"
أمي لا تزال تصر على فراره " لن يفعلوا لنا شيئا، لابد أنهم يبحثون عن الحكوميين. أنت موظف وسيصلون قريبا إليك، اختف قبل أن يصلوا "
والدي كالذي لم يسمع كلمة مما قالته أمي " أين الفأس، تركتها هنا منذ يومين، كم تحبون العبث بأشيائي "
وأمي لا تزال مصرة " اهرب قبل أن يصلوا، أرجوك أن تهرب، سنخبرهم انك لم تعد للبيت، هيا اذهب"
ووالدي على حاله كالذي لم يسمع شيئا، مازال يبحث عن سلاح ما. و أي سلاح فعدا الفأس والساطور نحن لا نملك سلاحــا. مالذي سيفعله الساطور ضد البنادق والمسدسات.
تواصلت الطلقات لساعتيـن من الليـل، ومع كل طلقة كنت انتظر أن تكسر أبواب البيت ليدخل ملتحون ذوي بنادق ليقتلوا كل من بالبيت، ناديت بصوت خافت أختي وشقيقاي لكنهم استغرقوا في النوم فحتى صوت الرصاص لم يستطع إيقاظهم. أو ربما بقي صوتي محبوسا بداخلي ولم يستطع الخروج بسبب الرعب الذي تملكني. أردت البكاء لكن الدموع جفت قبل أن تنهمـــر.كم لعنت وقتها الإرهابيين و"الخوانجيين" وحتى عمتي وزوجها وأبناؤها، لعنت الملتحين والمتحجبات وكل أتباعهم، وتمنيــت أن يصابوا بكل مصائب الدنيا. شعرت أن هؤلاء هم السبب فيما يصيبنا. مرت الساعتان كما لو كانتا دهرا. ووالداي لا يــزالان على نفس الحوار.
فجأة توقف إطلاق النار، لكن ذلك لم يزدني إلا خوفا ورعبا فقد كنت اعد الثواني منتظرة أن تكسر أبواب بيتنا الخشبية الهشـة. شعرت بدقات قلبي تتسارع، قررت أن اختبئ ثم غيرت رأيي إذ أردت أن اخرج من غرفتي لأبقى قريبة من والدي. لكن ركبتاي لم تحملاني. ناديت أمي ولا اعرف كيف سمعتني أو ربما قلبها من سمع صراخي. دخلت واقتربت مني فوجدتني ارتجف من شــدة الخوف وما إن لامستني حتى انهمرت دموعي. ضمتني لصدرها وهي تقول " لا تخافي لقد انتهى كل شيء، نحن في أمان " سمعنــا والدي فدخل علينا الغرفة المظلمة حيث كنا، جلس بالقرب مني وبدا يتحدث مازحا " كنت أعتقد انك أكثر أبنائي شجاعة، هـل أخافتك بضع رصاصات ؟ " بقي والداي بجانبي طيلة الليل، شعرت بالأمان بعض الشيء خصوصا لما لفتني أمي بين ذراعيها لدرجة أني لم أعرف كيف غفوت بعد ذلك بل نمت بعمق ساعتين أو أكثر ولم يوقظني سوى طرق الباب في الساعة السابعة صباحا وشعرت لحظتها أني كنت أرى كابوسا، مجرد كابوس. الطارق كان عمي فتحت له أمي الباب وقبل أن يقول شيئا سمعت أبي يقول " كيـف تجرأت على الخروج في هذا الوقت؟" رد عمي " لقد انتهى كل شيء" تدخلت أمي كعادتها قبل أن يتطور الأمر إلى شجار بينهما متسائلة " هل هناك قتلى؟"
" نعم الشارع مملوء بالجثث، لكنها لحسن الحظ اعتقد أنها جثث إرهابيين فقط " أجاب عمي
والدي " ألم يأت الأمن بعد أم أن قدومهم لن يكون إلا بعد أن يقضى على الجميع ؟"
" بلى هناك سيارة للدرك الوطني، وصلت للتو" رد عمي. لم يكمل عمي جملته حتى كان والدي خارجا من البيت طالبا من أمي أن تمنعنا من الذهاب للمدرسة.
لحظتها أدركت أن كل ذلك لم يكن مجرد حلم أو كابوس، بل كان واقعا فالإرهابيون كانوا هنا. وقفت من فراشي متجهة للمطبخ حيث كانت أمي جالسة برفقة عمي. رأيت وجهين شاحبين، من الواضح أنهما لم يذوقا طعم النوم ليلتها، مسح عمي على رأسي وأكمل حديثه مع أمي " اعتقد أن عمي أحمد هو من أوقف هؤلاء المجرمون، وإلا كنا جميعا ميتين."
عمي أحمد كان مجاهدا في أيام الثورة التحريرية وهو احد أعيان القرية، الجميع يحترمه و يقدره. وبعد الذي فعله في تلك الليلة صار بطلنا جميعا. فوحده تمكن من القضاء على ستة إرهابيين وجرح آخرين.
الساعة تشير إلى السابعة والنصف، خرج عمي من البيت واستيقظ إخوتي وكانوا لا يعلمون شيئا مما حدث ليلتها. أختي بدأت بلوم أمي " لم لم توقظيني ، لدي فرض في الحصة الأولى "
" لا مدارس اليوم ، ستذهبين غدا " أجابت أمي
مريم :" لا بل علي أن اذهب، لدي فرض في الرياضيات. أين أبي سأطلب منه إن يوصلني بالسيارة، فقد فأتتني الحافلة"
أمي بحزم هذه المرة " قلت لن تذهبي. الموتى بالخارج وأنت تتحدثين عن المدرسة"
فجأة عاد إلي كل الخوف الذي شعرت به طيلة الليل، لم أعرف ما أبعد به خوفي غير الالتصاق بأمي.كنت أتبعها وهي تتنقل بيـن غرف البيت. لاحظت أمي خوفي فاقتربت مني مطمئنة لي" لقد انتهى كل شيء، لا تتركي إخوتك الصغار يخرجون..."
اعرف كانت تحاول إلهائي لأنسى، نفذت ما طلبت وبقيت بجانب إخوتي كنا نلهو حينا ونتشاجر في آخر وبينما نحن كذلك لم أعرف كيف اختفى شقيقي الأصغر عنا، بدأنا بالبحث تحت الأسرة وفي الغرف. ظننته خرج من البيت فلحقته حتى وصلت للشارع الرئيسي وحينها مرت من أمامي شاحنة كانت تحمل جثثا، لمحت تلك الجثث المنتفخة للإرهابيين الذين قضى عليهم عمـي أحمد. تبعت الشاحنة بنظراتي حتى اختفت حينها نظرت حيث كان الناس مجتمعون فرأيت الكثير من الدماء تملأ الشارع. لقد كانت دماء لآدميين بل لإرهابيين.كان الكل منشغلا بروايته في تلك الليلة الليلاء. البعض تحدث عن خوفه والآخر عن بطولتـه والكل كان يبالغ محاولا إضفاء شيء لقصته مع الخوف ليجعلها أكبر من مجرد خوف مما حدث بعيدا عن الأعين، البعض ادعى أنهم دقـوا بابه ولأنه لم يفتح قرروا أن يتركـــوه في الأخير، والبعض قال أنه حاول أن يقاومهم لكن سطح بينه المنخفض لم يسمــح له بالرؤية جيدا ........وهكذا اختلقت الروايات والقصص المبالغ فيها، لأنهم أرادوا أن يرسموا ملامح للبطولة بعد هذا الحدث الكبير الذي وقع ليلتها.
اتضح لاحقا أن أحد الإرهابيين الذي سقط مقتولا كان من أهل القرية، بيت عائلته موجود على مشارفها. درس بتلك القريــة وقضى أولى سنوات دراسته ببيت عمي أحمد، لقد آواه كثيرا وبدل أن يكون ممتنا دق بابه في تلك الليلة ليتخلص منه ومن عدة أشخاص كانوا مسجلين بقائمة سميناها بقائمة الطغاة، أعرف أن والدي كان مذكورا فيها وكل موظف وكل صاحب بندقيـة والنتيجة أن معظم أهل القرية وردت أسماؤهم على قائمة الموت في تلك الليلة لكن القدر لم يشأ ذلك بل قرر أن يعكس البرنامـج فيصبح الجلادون هم القتلى ...
صرنا قصة من القصص الخيالية، صرنا أبطالا دون أن نفعل شيئا. صرنا أهل القرية البطلة. قصتنا أصبحت على كل لسان فما حدث بعيد عن التصديق. نشرت الجرائد قصتنا مع الحدث، فالحدث كان مميزا هذه المرة لأننا هذه المرة لم نفقد ضحايا أو أرواح بل قضينا بفضل رجل مجاهد اسمه "عمي احمد " على إرهابيين حاولوا أن يجعلونا عبرة للطغاة حسبهم فصاروا هم العبرة.
لم أعد أعلم كيف أنهينا ذلك العام الذي كاد أن يصبح مأساة من مآسينا لولا جرأة رجل واحد أصبح بعد ذلك أهم رجـل في أعين الكبار منا والصغار.