(4)
انتهى عام مميز من حياتي ليس فقط بسبب الحادثة التي وقعت بل لأني أنهيت المرحلة الابتدائية ونجحت بتفوق لأنتقل للدراسة بالإكمالية. بقريتنا لم تكن هنالك اكمالية لذا كان علينا أن نرتحل كل صباح إلى المدينة الصغيرة بالحافلة لنلتحق بمقاعد الدراسة.
يوم السبت السابع من شهر سبتمبر، كان علي أن أذهب للمرة الأولى للإكمالية. أقلنا والدي يومها أنا وأختي، أختي كانت في عامها الأخير من المرحلة الأساسية. طيلة الطريق كان والدي يلقي علينا مواعظه المعتادة كل سنة " أنا أثق فيكم، لن أسألكم ولن أحاسبكم بل حاسبوا أنفسكم أولا.كل ما أريده أن تكون نتائج امتحاناتكم ممتازة كالعادة. تعرفون أني وأمكما نحرم أنفسنا لكي لا نبخل عليكم بشيء لذا شرفونا بنتائجكم وسمعتكم...."
وصلنا وقبل أن نغادر السيارة أوصى والدي أختي بي وألح كثيرا عليها لأن تساعدني لأجد معالمي الجديدة بهذه المؤسسة الضخمة.
كم كان عدد التلاميذ كبير ا لم اعتد عليه سابقا في مدرستي الأولى.
أدينا تحية العلم فأوصلتني أختي لقسمي، دخلت وكم كان الجو غريبا لأني لم اعرف أحدا، وكلهم كانوا يتحدثون العربية. نظروا إلي بازدراء خصوصا لما سمعوني أحدث أختي باللهجة المحلية" الشاوية " بعضهم بدأ بالتهامس والآخر لم يعرني اهتماما. شعرت بالتقزز منهم، لم أكلم أحدا أخذت المقعد الأول بالصف الأول وبقيت أنتظر دخول الأستاذ. وبينما أنا كذلك دخل سمير ،هذا الفتى كان بصفي طيلة ست سنوات ومع ذلك لم نصادق بعضنا إطلاقا وأكثر من ذلك لم نكن نطيق بعضنا ولطالما أحب إزعاجي ومشاكستي ووصفي بالمغرورة والمتعجرفة، وللمرة الأولى لم أشعر بالانزعاج عند رؤيته بل على العكس شيء ما بداخلي أحس بالاطمئنان وكذلك للمرة الأولى لم يكن هو الآخر لئيما معي. اقترب مني قائلا "كم أنا منزعج من هؤلاء المتعجرفين الذين يعتقدون أنفسهم أتوا من عالم آخر لمجرد أنهم يتحدثون العربية، مع أن معظمهم "شاوي" أبا عن جد ". ابتسمت وكانت المرة الأولى التي لا أعارضه ولا أعترض فيها على كلام لسمير، لقد قال ما أردت أن أسمعه وما كنت أفكر فيه. جلس في مقعد خلفي تماما كما كنا خلال ست سنوات بالمدرسة الابتدائية، كما لو لم يتغير شيء. بدأت الحصص والدروس والكل بدأ في استعراض عضلاته، سمير كان في كل مرة يطلب مني أن أشارك بالدرس وأجيب، كان يدفعني لذلك دفعا لكني لم أتجرأ على مقارعة هؤلاء بسبب خوفي من لهجتي العربية السيئة و بسبب سخرية الآخرين منا أنا وسمير كلما حاولنا الإجابة عن سؤال ما.سمير على عكسي لم يتأثر إطلاقا بسخرياتهم بل بقي مصرا على تحديهم وحتى بقي مصرا على دفعي للدخول في معترك النقاشات. مرت أسابيع قبل أن اقتنع أني لا أقل شانا عن هؤلاء المتفاخرين بل أني أفضل منهم وكل ما ينقصني فقط بعض الجرأة. سمير كان يساندني ويدعمني ويقف معي في كل إجابة وكل مناقشة كان يمنحني الثقة والإسناد اللازمين لأمضى للأمام دون خوف.
و هكذا مر الفصل الدراسي الأول ونحن لا نزال في نظر الجميع مجرد قرويين لا يستطيعان تركيب جملة مفيدة بلهجتهم و حل وقت أولى امتحاناتي بهذه بالإكمالية. حضرت نفسي جيدا ولم اترك شيئا للصدف، كانت فرصتي بل فرصتنا أنا وسمير لنسحق جميع المستخفين بنا، ولنثبت جدارة هذين القرويين الصغيرين في المؤسسة الضخمة، هذا ما ظل سمير يذكرني به حتى اقتنعت به وصار هدفنا المشترك. مر يوم من الامتحانات فثاني فثالث فأسبوع وكل امتحان كان أفضل من الثاني. كان معظمهم يغشون و يطلبون المساعدة ، أما أنا وسمير لم يفكر أي منهم لا في طلب مساعدة منا ولا حتى سؤالنا بعد نهاية الامتحان عن حظوظنا فيه. لم أهتم كثيرا لأني اقتنعت وقتهـــا أننا سنكون الأفضل وسنفاجـئ الجميع لاحقا.
مضى وقت الامتحانات وحل زمن النتائج حيث يكرم المرء أو يهان. صار كل أستاذ يدخل يعاملنا معاملة خاصة لم يحدث أن عاملونا بها قبلا مع أنهم لم يكونوا سيئين معنا كالتلاميذ. كم كان واضحا تفاجؤهم بنتائجنا، بعد التصحيح على الألواح يبدأ توزيع الأوراق وتلقي الثناء الحصري لي أنا وسمير، فقد كنا الأفضل بدون منازع. للمرة الأولى منذ دخولي الإكمالية أشعر فيها بالتميز والتفوق، للمرة الأولى في حياتي شعرت بالفخر لأني قروية أتحدث لهجتي "الشاوية". وللمرة الأولى تخلصت من عقدة اسمها "العربية". نفس المشهد تكرر مع تصحيح كل مادة وبطلا المشهد الوحيدان كانا في كل مرة" ياسمين وسمير". فجأة انقلب الجميع بطريقة لم أتوقعها، أو على الأقل ليس لهذه الدرجة. الكل صار يبحث عن رضانا وعن صحبتنا خصوصا الفتيات فقد صرن بعد ذلك يقلدنني في لباسي وفي تسريحة شعري وحتى صرن يساندنني في مناقشاتي بالدروس. صار الجميع يتملقنا أما سمير فقد صار محبوب الفتيات الأول كل منهن تحاول لفت انتباهه للفوز بنظرة منه. لم ننسى إطلاقا معاملاتهم السابقة لكن لم يكن من الممكن تجاهل ذلك التقرب الكبير المفاجئ. كنت أحاول الابتعاد ووضع حدود قدر الإمكان خصوصا وان جدتي لم تكن تتواني عن نصحنا بعدم الاختلاط بالغرباء حتى وان كانوا زملاؤنا بالدروس فالكل بالنسبة لها مشبوه وقد يكون والده إرهابيا. كانت توصينا أيضا بإخفاء مهنة أبي حتى عن أساتذتي. كنت أحاول قدر الإمكان تنفيذ ما تقول لأني اعرف ما يعنيه الموت على يد الإرهابيين. اعتقدت أن الحل فعلا في إخفاء هوية والدي "الحكومي" كما تدعوه جدتي لنتقي شر الخوانجيين والإرهابيين. صرت مهووسة بهذا لدرجة أني في كل مرة أجد أستاذا أو مراقبا يسألني عن والدي الذي يعرفه منذ زمن أبقى لليالي طويلة انتظر عودة الإرهابيين لقريتنا لكن هذه المرة من أجل التخلص من والدي ومنا. هذا ما آمنت به وجعلتني جدتي بحكاياتها عن الاغتيالات التي تطال كل الحكوميين اقتنع به مع أن الحقيقة والواقع الذي عرفته لاحقا أثبت أن والدي شخص معروف لدى العام والخاص بالقرية وبضواحيها فهو مناضل "أفلاني" لا يتورع عن الكشف عن انتمائه لأي كان كما أن القرية كما المدينة صغيرتين لدرجة أن الجميع معروف وحتى إن لم يكن معروفا فليس هنالك أسهل من معرفة أي كان هناك. بقيت أعيش مع هذه المخاوف لدرجة صرت فيها منعزلة عن الجميع ورافضة لأي نوع من الصداقات. باءت كل محاولات التقرب مني فصار الجميع يدعوني بالمتعالية بدل القروية. سمير كان أفضل مني فقد تمكن من خلق صداقات مع أترابه وصار محبوبا لدى الجميع. بقي سمير بالنسبة لي الشخص الوحيد الموثوق به الذي كنت أتعامل معه داخل الأقسام، أما عند الخروج فقد كنت أرافق أختي لنعود كل مساء للبيت.
مضى العام الأول و أتي العام الثاني من دراستي بالاكمالية، التحقت أختي بالثانوية وبقيت وحدي بتلك الإكمالية. كان علي العودة كل مساء وحدي للبيت. لم أكن أحدث سمير خارج الصفوف لدرجة أن كل زملائنا السابقين بالابتدائية اعتقدوا أن علاقتنا بقيت كما كانت، لم يكن أي منهم يعلم أن الجليد الذي ميز معاملاتنا السابقة قد ذاب بفعل التضامن في هذه المدينة المزعجة. بقيت علاقتنا على حالها خارج الأقسام إلى أن أتى ذلك اليوم الشتوي حيث دخلت للقاعة في ذلك المساء كالجميع من أجل إجراء امتحان. كان الامتحان طويلا وممتعا لأني درست جيدا، انغمست فيه لدرجة أني لم أشعر بالساعات تمضي الواحدة تلوى الأخرى. لم أتطلع على ساعتي حتى سمعت الأستاذة تقول "انتهى الوقت، سلموا أوراقكم فورا". سلمت الورقة ونظرت لساعتي فإذا بها تشير إلى الخامسة وخمسة وثلاثون دقيقة. نظرت للنافذة فرأيت الأمطار تتهاطل بغزارة، تطلعت ورائي فإذا بسمير غير موجود، لقد خرج دون أن أنتبه، خفت لحظتها لأني تأكدت من أني لن أستطيع اللحاق بالحافلة التي يفترض رحيلها على الساعة الخامسة والنصف. لا أعرف كيف خرجت من القاعة، وما إن خرجت للساحة حتى ابتللت بالمطر، فأنا لم أحضر مظلتي معي يومها. مررت عبر الساحة الكبيرة متجهة لبوابة المؤسسة. تذكرت كلام أختي وهي تصر علي لأرافق الفتيات لأجل مثل هذه الظروف، لكني كنت دائما أرفض التعامل مع أي كان. ندمت لحظتها لعدم إتباع نصائحها، وفي لحظة ما فكرت أن أتصل بأبي ليحضر إلي فقد كان هناك هاتف عمومي أمام المؤسسة. كان حلي الوحيد لكن ذلك الحل لم يعد واردا بمجرد اقترابي من البوابة لان المحل مغلق. اسودت الدنيا بنظري ولم أعد أعرف ما أفعل و انهمرت دموعي لأني لم أعرف ما سيحدث لي بعد ذلك. ما إن خرجت من البوابة حتى لمحت فتى واقفا منكمشا على نفسه بسبب البرد والمطر، لم أتبين ملامحه إلا عندما اقترب مني بسبب الضباب الذي ملأ المكان. وقفت متجمدة في مكاني والدموع لا تزال تنهمر و أنا أنظر لذاك الفتي الغريب الذي يقترب منى. لم أحس لا بالبرد ولا بالبلل لأن الخوف سيطر على كل جزء من جسدي. وقف الفتى أمامي مؤنبا " ألا تعلمين أننا ضيعنا الحافلة بسببك، الامتحان لم يستحق كل ذلك الوقت" لقد كان الواقف أمامي سمير، كان ينتظر خروجي فهو يعلم أني سأكون وحيدة. ضيع الحافلة لأجلي. هذا ما قلته في نفسي، أردت أن أشكره لأنه لم يتركني لكن لم تستطع كلماتي الخروج من لساني الذي بقي معقودا للحظات. رأى سمير دموعي ولا أعرف كيف ميزها بسبب البلل والمطر والجو المظلم، أو ربما رآها بقلبه لا بعيونه فدنا مني أكثر قائلا"لا تخافي سنعود لبيوتنا راجلين معا ولن يصيبك مكروه لأني معك ". شعرت بالطمأنينة لمجرد رؤيتي لسمير رغم أن كلينا صغير والأخطار لا تزال محدقة بنا في هذا الجو المظلم الذي سنسلكه. قطعنا واديا فأزقة ثم حقلين قبل أن نطل على الطريق المؤدية إلى القرية. امتلأت أرجلنا بالوحل والمياه ما جعل خطواتنا متثاقلة لكن ذلك لم يثننا على المضي بحماس في طريق الرجوع. كانت الحركة منعدمة بل نادرة لأنه بين الحين والأخر تمر سيارة أو شاحنة وفي كل مرة كان سمير يطلب مني الاختباء وراء شجيرة أو صخرة لأنه "لا يمكننا أن نثق بأحد فقد يكون هؤلاء إرهابيون أو ممن يسرقون الأطفال و يبيعون أعضاءهم " هذا ما ظل يردده مع مرور كل سيارة ....
بقي سمير طيلة الطريق ممسكا بذراعي إلى أن تراءت لنا ملامح قريتنا التي بدت جميلة وسط ذلك الضباب الذي يلفها. لم أرها بذلك الجمال قبلا وربما فرحتي برؤيتها هي ما جعلتني أراها بذلك البهاء. أخيرا دخلنا الشارع الرئيسي ومشينا بهدوء مستمتعين برؤية قريتنا كما لو لم نرها منذ أمد. ما إن اقتربت من البيت حتى لمحت سيارة أبي مركونة أمامه وكان مستعدا للانطلاق فلابد أنهم شعروا بالقلق لأن الساعة تشير إلى السادسة والنصف ولم أصل بعد، لمحنا والدي فنزل من السيارة منتظرا دنونا منه فسألنا "مالذي أخركما ؟لقد قلقنا كثيرا. أجبته "بسبب الامتحان لم أنتبه للوقت وعند خروجي اكتشفت أن الحافلة انطلقت ولحسن حظي أن سمير كان ينتظرني" ابتسم والدي وشكر سمير لأنه لم يتركني وحدي. أكمل سمير طريقه إلى بيته الذي يبعد عنا ببضع أزقة. دخلت البيت ورويت لهم بالتفصيل الممل ما حدث لي. و في الصباح الموالي كنت على وشك الخروج من البيت عندما سمعت طرقا على الباب لقد كان سمير فقد طلب منه والدي أن يصطحبني في الذهاب والرجوع من المدرسة. لقد صار مرافقي منذ ذلك اليوم. استغرب الجميع صداقتنا الجديدة التي ظهرت أمامهم فجأة فنحن لم نعد نفترق إلا نادرا لدرجة أنه كان يزورنا حتى في أيام العطل لندرس معا. أحبه والداي كثيرا فملفه نظيف لأن والده ابن شهيد وكثير الانتقاد للفيس ومثل والدي كما أنه نه أنه عسكري وبالتالي فعائلته ليست "خوانجية". كل معايير الثقة حسب والداي متوفرة في هذا الفتى. مضى عام جديد ونجحنا مرة ثانية بتفوق، هذه المرة نحن على أبواب شهادة جديدة. تلقينا التهاني من أوليائنا وحتى المواعظ لأنهم صاروا يعولون علينا لنتفوق في أهم شهادة في حياتنا إلى ذلك اليوم وحتى في حياتهم لأن كلا من أبوينا لم يحصل على أكثر من تلك الشهادة. أمضينا صيفا هادئا فلم نسمع بالإنفجارات و لا الاغتيالات منذ بداية الصيف، كما أني وسمير قررنا أن نقرأ مجموعة من الكتب كنا قد حضرناها سابقا، كنا نتبادل الكتب كل أسبوع. وقتها قرأنا روايات المنفلوطي المترجمة و كتاب شعر دون عنوان ولا اسم الشاعر، كان لأبي. قرأنا لجبران خليل جبران. لم تتعدى قراءتنا كتب الأدب والشعر. ولا أعرف كيف مضى الصيف وصرنا أمام تحد جديد هو التفوق للمرة الثالثة في هذه المؤسسة. لم نشك في نجاحنا لأنه كان بالنسبة لنا ولأهلنا وكل من يعرفنا نتيجة منطقية بل كان علينا التأكيد على هذا النجاح باحتلال أولى المراتب بالنسبة لأهلنا والمرتبة الأولى والثانية بالنسبة لي ولسمير. تناسينا بعض الشيء زمن الحرب التي كنا عليها ولم نعد نهتم كثيرا لأخبارها إلى أن أتى ذلك اليوم الذي مات أو اغتيل فيه بن حمودة، كان خارجا من المسجد ليجد رصاصات الغدر في انتظاره، كان أمين عام لإتحاد العمال الجزائريين. لم أكن اعرفه قبلا أو بالأحرى لم أكن اهتم بهذا الرجل الذي كان يطل علينا من خلال أخبار نشرة الثامنة، تلك النشرة التي نجبر على مشاهدتها يوميا لأن كلا من أبي وأمي لا يستغنيان عن مشاهدتها مهما كانت الظروف. فجأة موت ذلك الرجل جعل منه بطلا من أبطال النضال في الجزائر. فالموت صار يؤكد لنا وطنية هؤلاء. فالاغتيال هو الدليل الوحيد على وطنية أي كان و أكبر برهان على أنه كان نزيها. أصبح على كل لسان كما لو أن موته سيجعل الأمور تسوء. اختلفت التحليلات و التكهنات عن المستفيدين من موت الرجل خصوصا في ظل الأوضاع الأمنية والاقتصادية التي تزداد سوءا كلما بدت أنها ستتحسن. شعرت بنفس الإحساس عند موت بوضياف مع فارق صغير وهو أننا أصبحنا نعرف جيدا معنى الموت والاغتيالات وصرنا نتعايش معها كما لو أنها ظرف طبيعي. لم يمض يومان حتى أتانا خبر فضيع آخر بل أشد وقعا علينا من الأول. طبعا الأخبار السيئة وقتها لم تكن أقل من"موت". كنا بالأقسام حين دق احدهم الباب، خرج الأستاذ فدرت نحو سمير وقلت له بصوت خافت " يبدو أن أحدهم أتى من أجلك فقد سمعت اسمك" لم افهم ولم أرى لكن كل ما كنت اسمعه كان تنهدات واسم سمير.... لم تمض دقيقة حتى دخل الأستاذ وطلب من سمير الخروج لان عمه ينتظره. شعرت لحظتها بالخوف لكني لم أجرؤ أن اخبر سمير بما اعتقدته، خرج سمير وكنا نسمع خطواته تبتعد عن القسم حينها قال الأستاذ" زميلكم توفي والده". اسودت الدنيا بعيني وشعرت بحزن لأني أعرف الميت جيدا فقد كان صديقا لوالدي وقد كان يزورنا بين الحين والأخر. لكن حزني الأكبر كان من أجل سمير. فهو صديقي وأعرف كم كان متعلقا وفخورا بوالده. تذكرت لحظتها كلامه عن غياب والده الطويل عن البيت بحكم عمله بتيزي وزو ،كان يزورهم كل شهرين أو أكثر ليبقى أسبوعا فيرحل بعدها.كما أخبرني أنه في كل مرة يزورهم فيها والده يشعر فيها بالخوف لأنها قد تكون الأخيرة لأن والده أكثر من الجميع معرض للاغتيال حيثما يحل، فإن لم يغتل بالبيت فالطريق لبست أكثر أمانا بسبب الحواجز الأمنية المزيفة التي انتشرت بكل المنعطفات عبر كامل التراب الوطني، وإذا ما تخطاها فهو يطارد الإرهابيين في غابات جرجرة. نزلت دموعي رغم أني لم أرد لها أن تظهر للملأ. شعرت بالخوف والألم ،شعرت بسوء كذلك الذي شعرت به ليلة هجوم الإرهابيين على قريتنا. لم أعد أعلم كيف أكملنا تلك الحصص. خصوصا وان كل أستاذ يدخل يسألنا عن سمير فهو أهم العناصر بالقسم. علم الجميع بمأساة هذا الفتى المميز. عدت لقريتي وذهبنا جميعا لتعزيته وعائلته. لم أجد سمير بالبيت لكن وجدت أمه وأخواته اللواتي تكبرنه سنا. كان الكل يصرخ ويتألم لم تعرف أمي وكل المعزيات ما تقلنه في مثل تلك الظروف. لعن الإرهابيين وجميع "الخوانجيين" محملين إياهم ما حدث. زاد يقيني يومها أنهم سبب كل مصائبنا وإلا لم يغتالون رجلا عرف بطيبته و أخلاقه كما انه لم يكن يتأخر عن صلواته رغم الظروف الأمنية السيئة. للمرة الألف تأكدت أن كل من يتحدث عن الحلال والحرام وعن الطغاة والكفار ما هم إلا حملة موت لكل نفس طيبة وتقية. لم أستطع أن أستثني أيا منهم حتى أقربائي. فقد صرت بعد ذلك أتجنبهم وإذا ما التقيتهم صرت أكثر وقاحة من أمي فأنا لم اعد امتلك تلك الدبلوماسية التي تجعلني أبدو متفهمة و واعية بما يقولونه. صرت اتهمهم بارتكاب الجرائم في حق الأطفال فقد كنا نسمع عن أطفال يذبحون من الوريد للوريد لمجرد أنهم أبناء طغاة "حسبهم"، و الأسوأ أني صرت ادعوهم صراحة ب"الإرهابيين". مناقشاتنا صارت شجارات حادة تزعج أختي التي لا تتوقف عن تأنيبي لأنها تراني لا استطيع احترام الضيوف مع أن ما يزعجها فعلا هو وقوف والدتي بصفي كما أنها أصبحت مع الوقت مقتنعة بأفكار ابنة عمتي التي أصبحت صديقتها فالاتصالات بينهما لا تتوقف سواء بالرسائل أو بالهاتف. أحيانا أتجسس على حديثهما أو رسائلهما فأخبر شقيقاي لنتهكم عليها. كان أخي يردد" تريد أن تصبح خوانجية، سأخبر أمي" وهي بالمقابل تصفنا بالجهلة الذين سيندمون على هذا عندما يحين أجلنا، لكننا لا نتوقف عن السخرية منها فقد كنا ثلاثة ضد واحد. شقيقاي كانا يقفان على الدوام بجانبي لأن أختي كانت دائمة الوشاية بنا لدى أمي على عكسي تماما إذ أجيد التغطية عليهما مهما كانت درجة الأخطاء. هذا جعل مني مع الوقت أصبح صديقة لهما يخبراني بكل أسرارهما أما أنا فكنت أكثر تحفظا معهما لأني كنت أراهما صغيرين ليفهما همومي....
مر أكثر من أسبوع على موت بن حمودة و والد سمير، كان اليوم سبتا لما كنت على وشك الخروج من البيت لأتوجه للمدرسة كعادتي، سمعت حديثا على الباب بين أبي وأمي مع شخص ثالث كأنه صوت سمير، كان خافتا وحزينا لدرجة أنني لم أعرفه من الوهلة الأولى أو ربما لأني لم أتوقع أن يعود للمدرسة بهذه السرعة. دخلت أمي فطلبت مني الإسراع لأن سمير ينتظرني، خرجت بعد لحظات، حيينا بعضنا على استحياء. لم أجد الكلمات المناسبة لأعزيه أو حتى لنبدأ حديثا طبيعيا. رؤيته منكسرا جعلت دموعي تهددني بإفشاء إشفاقي على هذا الفتى الذي لم ترحمه آلات الإرهاب لتجعل من والده القتيل و منه الجثة الحية التي عليها أن تصارع آلام اليأس و الخوف والفراغ والحرمان لتتجاوز موتا جديدا هو موت الروح. كم بدت المسافة طويلة نحو الحافلة التي كانت تنتظر على بعد مترين، صعدنا الحافلة فبدأ الجميع بإلقاء التحايا والتعازي على سمير وكان في كل مرة يجيب بإيماءة من رأسه تنم عن كل الأسى الذي يعتريه وبابتسامة حزينة حاول بها أن يقول "أنا حي لا أحتاج إلى شفقة". جلست بقرب النافذة كعادتي أتأمل الطريق التي نسلكها كمن يحاول اكتشافها من جديد أنظر للجبال كما لو أني أبحث فيها عن فكرة أو موضوع أهم من موت والده ولا أجد. أسترق بين الحين والأخر بضع نظرات نحو عيون سمير علني أجد فيها ما يعزيني أنا في فقدان فرح واهتمام صديقي الوحيد. لعلها أنانية مني لكنه عودني أن أكون مركز كونه لا العكس. ربما خفت أن أفقد ذلك الموضع. لم نحدث بعضنا طيلة الطريق...
بمجرد وصولنا صار الجميع يتجاذبني ليسألني عما أخبرني به سمير. كانوا كمحققين يبحثون عن سر جديد أو لغز آخر لموت رجل كم كان واضحا أن موته كان بسبب واضح هو خدمته للدولة الطاغية بتعبير الإرهابيين. كم انزعجت من استفسارات وتساؤلات الآخرين لأني أحسست أن كل هذا لا يتعدى الفضول في أغلب الأحيان. و بالمقابل أزعجت هؤلاء لأني كنت أمتنع عن إبداء أي تعليق عن الموضوع وأحيانا أكتفي بأن أطلب منهم أن يوجهوا الأسئلة للمعني بالموضوع... مرت حصتان قبل أن يدق جرس الاستراحة. علمنا أن أستاذ الاجتماعيات سيتغيب الحصة الثالثة بعد الراحة. تباطأت في كتابة الدرس على غير عادتي لأترقب من بعيد ما سيحصل، خرج الجميع من القسم ولم يبق غير سمير الذي اتجه نحو مؤخرة القسم ليطل من نافذة مفتوحة على الساحة. بقي واقفا هناك كمن يتأمل قدره و حياته من بعيد. أكملت كتابة الدرس فاستجمعت قواي وأغلقت باب القسم لأتجه نحو سمير، وقفت بجانبه لكني لم استطع قول شيء ، نظر إلي بوجه مليء بالأحزان والآلام، كان كمن يلقي بكل أحماله علي بتلك النظرة. عري عن قلبه ومشاعره في تلك اللحظة أمامي فلم استطع أن أتمالك نفسي فانطلقت دموعي المحبوسة. كانت لحظة حقائق واعترافات بين صديقين سيصبحان بعد هذا أعز صديقين في الوجود، مضت لحظات نفضي فيها عن مشاعر الحزن والأسى من جانبه وعن مشاعر التفهم والمساندة من جانبي. مرت لحظات قبل أن يتحدث "انتهى خوفي وقلقي الدائم على والدي، لم يعد لدي ما أقلق بشأنه" سكت برهة ثم أضاف" بلى الآن قلقي أكبر فأنا صرت مسؤولا عن شقيقتي وشقيقي الصغير. صرت مسؤولا قبل أن أعرف معنى الطيش.." أنا قلق على عائلتي، أعرف أننا لن نعاني ماديا لكن كيف لي أن آمر شقيقتاي اللتان تكبراني وكيف لي أن أعرف الخطأ من الصحيح في تصرفاتهما..." بدا أخيرا مصدر همه فأردت أن أخفف عنه فقلت"أنت لطالما كنت مسؤولا عن عائلتك فوالدك رحمه الله لم يكن يعيش معكم كثيرا وفي غيابه الطويل كنت المسؤول. اترك الأمور تسير كما كانت......" توقعت أن يعارضني ويناقشني كما يفعل عادة خصوصا و أني لم أكن أعني ما أقوله، فقط كنت أحاول أن أسايره، لكنه كان كالغريق الذي يتشبث بقشة، بدا راضيا عن كلامي"سأحاول ترك الأمور تسير بشكل عادي كما كانت، أنت محقة" رد
سكت ثم غير الموضوع لأنه بدا كالذي يريد إخراج الكثير من الأشياء والأحزان في وقت واحد، شعرت أنه كان كالمكبوت لأيام ربما لأنه لم يجد من يفهمه، أو ربما لأنه كان يحتاج لان يحدثني أنا دون غيري" أتذكرين حين قرأت "في سبيل التاج" تعرفين كم تأثرت بتلك الرواية". طبعا فأنا لا أزال أذكر كم كان متحمسا لأقراها وأعطيه رأيي فيها. كم شوقني وقتها لأقرأها، لقد أعجب بها لدرجة أنه كان يردد الكثير من العبارات الجميلة التي أثرت في أيضا، لقد حفظناها عن ظهر قلب فقد قرأتها خمسة مرات ولم أمل منها ولا زلت مستعدة لأقراها من جديد رغم أني لا أزال أحفظ معالمها... أضاف سمير"أتعرفين أن إعجابي بالرواية وبقصتها المليئة بالعبر جعلني أتخيل موت والدي على يدي لأنه خان الوطن، وضعت الكثير من السيناريوهات لموت والدي على يدي لأنه خان وطنه ووضعت لنفسي نهاية مماثلة لأنقذ شرف والدي فأصبح كذلك الفتى اليوناني الذي ضحى بحياة والده وحياته وشرفه لينقذ وطنه وشرف والده، أتعرفين بم شعرت لحظة سماعي لموت أبي. شعرت أني من ساهم في موته لأني لم أتوقف عن رؤيته ميتا في تخيلاتي طيلة الأشهر الماضي..."
قاطعته" لا تلم نفسك فلست مذنبا في شيء، مشكلتك انك أحسست بموت والدك قبل أن يحدث الملام في موته هم هؤلاء الإرهابيون الذين لا يتوقفون عن تشغيل آلات الموت والدمار، إنهم وحوش مجردون من الإحساس لا يجيدون شيئا سوى تخريب حياتنا بمواعظهم الدينية التي لا تحمل غير القتل والذبح والتفجير في طياتها، هؤلاء هم خونة الوطن الذين يستحقون الإعدام بأشنع الطرق والتشهير بكل منهم ليصبحوا عبرة. لكن خوفنا منهم منحهم حرية التمادي في تعذيبنا حتى وهم بعيدون عنا. والدك مات شهيدا حقيقيا لأنه مات لأجل الوطن ونهايته أفضل من تلك التي تصورتها " اعرف أن حبه الكبير لوالده هو ما جعله يبحث عن سبب لموت والده، أراد أن يلوم نفسه لكن لا يعرف حتى فيما أذنب. كان يقول أي شيء يخطر على باله في تلك اللحظات، لكن لم أعرف إن كان ذلك لأنه يثق بي أو لأنه لم يجد من يستطيع أن يحدثه بما يخالجه. لم أهتم كثيرا بالسبب فالأهم هو أني أصبحت مخبأ أسراره و موطنا لإفراغ مكنونات قلبه. رغم لحظات الحزن التي صاحبت اعترافاته شعرت بسعادة لا توصف لأني أحسست كم أنا مهمة بالنسبة لسمير وبأني قادرة أن أكون مفيدة ولو بقدرتي على سماع صدى آلامه الكبيرة. كنت أفهم كل ما يقوله رغم أنه لم يكن واضحا بل لم يكن قادرا على قول ما يريد، لأنه مثل كل الأشخاص الذين يعيشون هذا البلد وبالأخص هذه المنطقة متحفظ لدرجة العجز عن البكاء حتى مع نفسه. هو مثل كل هؤلاء القساة كطبيعتنا تظهر عليه الصلابة والتماسك من الخارج لكنه من الداخل يتحطم ويتفتت بطريقة هي الأكثر إيلاما من كل مشاعر الأسى التي يمكن أن تعتري بشريا.شعرت بالذنب لأني كنت سعيدة بتلك اللحظات، لم أستطع إلا أن أفرح لأني وللمرة الأولى أشعر أني مهمة وحتى مفيدة لسمير. طبعا حزنت لأحزانه لكن في داخلي شعور بالغبطة طغى على كل أحزاني ومخاوفي، شعور بالفخر لأني سيطرت على اهتمام الشخص والصديق الوحيد الذي عرفت في حياتي إلى غاية ذلك اليوم. بقينا على انفراد طيلة ساعة الفراغ و كانت ساعة لبناء جديد لحياتنا معا، صارت منعرجا جديدا لصداقتنا التي بدت كما لو أنها تولد من جديد لكن بأسلوب مختلف. قدمنا تعهدات لم ننطق بها لكن روحينا تبنتها:"سنكون أقوى معا، لن نخفي عن بعضنا شيئا بعد الآن، سيكون الواحد منا لأجل الآخر.."
بعد ذلك صار سمير أقرب شخص إلى قلبي، وصار أهم حتى من عائلتي التي لم أكن قبل ذلك لأقارن أيا كان بها لكن اليوم احتل سمير المكانة الأكبر في قلبي، لم أكن أؤمن قبلا بالصداقة لكن اليوم صرت أعيشها بكل جوارحي و نذرت نفسي قربانا لها.
صديقي الوحيد، هكذا صار سمير في حياتي. لم نكن نفترق قبلا لأنه لم يكن لدي خيار آخر لكن بعد اليوم لم نعد نفترق لأني لا أريد ذلك.