(2)

7 0 00

(2)

بدأ عهد جديد بل دخلت مرحلة أخرى للسياسة مكان فيها. فنشرة الثامنة لم تعد بالنسبة لي مجرد عرض لأحداث خيالية مثلها مثل الأفلام الكارتونية التي أعشقها، بل أدركت فجأة أن صور الحروب و المجاعة التي تبث واقعية وليست تمثيلا كما كنت أعتقد. لقد صدمت من ذلك الواقع المروع الذي نعيشه بل يعيشه الآخرون، لأنه إلى ذلك اليوم كل شيء كان يحـدث عنــد الآخرين فنحن في منأى ومأمن من كل ذلك. لكن ليس لوقت طويل فالبداية الجديدة والأحداث الجديدة لم تكن سوى مقدمــة لأشياء أعظم.

لم أعلم وقتها أن السياسة ستكون سببا لخراب سيدوم طويلا. فالمناقشات الصغيرة بين والدي" الأفلانـي" وزوج عمتـي " الخوانجي" كانت العينة السلمية والصغيرة لما ينتظرنا من سنوات دموية. أتذكر كم كان والدي يستميت في مهاجمة الفيس لدرجة أني اعتقدت أن كلا من عباسي مدني وعلى بلحاج مجرد شياطين في صور بشر. وعلى العكس زوج عمتي وابنته كانا من أتبـاع هذين الرجلين وكانا لا يتوقفان عن الاستشهاد بأقوال عباس مدني، كم كانا يستميتان في الدفاع عنه وعن مبادئ الفيس.

كل هذا كان يتم في اجتماعات عائلية في ليالي صيفية لا تسع النقاشات رغم طولها، كان واضحا انقسامنا بين المعسكرين الأفـلاني و الخوانجي كما ندعوهما. فالساكنون بالمدينة كانوا" خوانجيين " أما نحن ساكني القرية كنا أفلانيين أو على الأقل لم نكن خوانجيين. قريباتي بدأن بوضع الحجاب وأقربائي أصبحوا ملتحين ومن أصحاب الجلابيب والشاشيات، هم أتباع الفيس. أما نحن فكنــا لا نتوقف عن السخرية منهم، فوالدتي كانت أشد تعنتا من والدي فهي تهاجم بصراحة ودون أي التواءات لباسهـم الجديـــد والغريب عنا.

طبعا هم أيضا لم يكونوا ديمقراطيين، بل كانوا أسوأ من والدتي فبالنسبة لهم كل فتاة لا تضع الحجاب فهي مرتـدة وكـل أفلاني هو مجرد طاغ من الطغاة. كنت صغيرة لكني كنت أنزعج من قريبتي وهي تشاهد الأخبار وتنتقد الصحافية المتبرجة، أختـي الكبرى كانت تتملقها بإخبارها أن صحافية مشهورة بتقديم الأخبار بالتلفزة الوطنية قد تحجبت وتابت فطردت من العمل لكـن قريبتي لا تتوقف عن السخرية، " عن أي توبة تتحدثين بعدما رأى جميع الرجال شعرها وملامح جسمها، إنها مجرد منافقة ..." التائبون منافقون و الأفلانيون طغاة. بدأت أكره زيارات زوج عمتي وقريبتي لنا لأنهم مع مرور الوقت أصبحوا لا يتوقفون عــن تقديم الملاحظات لنا بشأن لباسنا وكلامنا وحتى طريقة صلاتنا. نحن بالبيت كنا مدمني مشاهدة القنوات الفرنسية والمسلسلات المكسيكية المدبلجة لكن عند زياراتهم لا نشغل التلفاز إلا نادرا لأنهم حرموا علينا كل البرامج التي كنا نشاهدها، خصوصا إذا لم تكن والدتي موجودة بالبيت. أصبحت ألح على أمي لئلا تخرج عند بداية المسلسل لأنها الوحيدة التي كانت تسكتهم بسخريتهـا منهم. شيئا فشيئا صاروا يتفادون الحديث في الدين وفي المحرمات بوجود أمي.

لا أزال أتذكر ذلك اليوم الذي انفردت فيه قريبتي بي وبأختي، وسألتنا " متى ستضعان الحجاب ؟ فلقد كبرتما على التبرج وأصبحتما فتنة سيعاقبكما الله على ذلك، " كنت في الحادية عشر من عمري وأختي في الثالثة عشر. لم أتفوه بكلمة، لم اجب لا بلا ولا بنعم لان الأمر محسوم بالنسبة لي فوالدتي لن تسمح لنا بارتداء خمار وجلابية مهما حدث، لكن لم أرد أن أخيب قريبتي. أما أختي فأجابت بأنها ستفعل حالما تسمح لها أمي بذلك. سمعت أمي نقاشنا فتدخلت وطلبت من قريبتي أن تتوقف عن إفسادنــا بأفكارها المتخلفة، وذكرتها للمرة الألف أننا لانزال صغيرات على هذه الأمور وأننا لن نتحجب قبل أن نشيخ. شعرت أختــي بالحرج من جواب أمي القاسي وحاولت التبرير لكن أمي لم تسمح لها بالمضي وأسكتتها. كانت أمي منقذتي من تلك المآزق النقاشية، ربما أحببت الديكتاتورية لحد ما لأنها الطريقة الوحيدة لإسكات تلك الأفكار الغريبة عن الحرام والحلال. أما أختي فكانت أكثر لينا مع قريبتي لدرجة أنها بدأت تميل لتلك الأفكار وتستجيب لها بعيدا عن أعين أمي، لكن لم يدم هذا التأثر طويــلا لأن الأحداث التالية جعلتنا نحسم أمرنا لصالح المعسكر الأفلاني.

اعتصام بعاصمة الولاية وبكل الولايات الجزائرية لأتباع الفيس بعد إلغاء نتائج الانتخابات. لقد فازوا بالدور الأول بتلك الانتخابات لكن السلطة رفضت المضي في الانتخابات خوفا من سيطرة الفيس على الحكم وبالتالي العودة للوراء، الانتخابات لم تكن نزيهة كما آمن الكثيرون فاحد أقربائي اخبرنا بأنهم زوروا النتائج في الكثير من مكاتب الاقتراع. تصلنا الأخبار من المسافرين لباتنة عن أولئك الملتحين الذين احتلوا محطة المسافرين وقبعوا بها ليلا ونهارا. يأتيهم الطعام من العائلات المقيمة هنـاك وعائلة عمتي هي واحدة منها.

كم كنا نحب الالتفاف حول ابن عمي مراد الذي يسافر يوميا لباتنة بحكم العمل ليحدثنا بطريقة هزلية وساخرة عن الاعتصام وكل الانتهازيين الذين يأتون من ضواحي الولاية لابسين قشابيات وعمائم أو شاشيات ليتناولوا من ألوان الطعام التي تحضر للمعتصمين.

حدثنا كثيرا عن عمتي التي تستيقظ مبكرا مع بناتها ويحضرن ما طاب من المأكولات، ثم يأتي زوجها وأبناؤه الذكور ليأخذوا كـل ذلك الطعام. و أخبرنا أنها طلبت منه مرة أن يساعدهم فرفض لأنه لن يفعل ذلك حتى لو كان الموجود بيـن هؤلاء والده شخصيا. كم استمتعنا بتلك القصص الطريفة حتى وإن كان مبالغا فيها، لكن تلك المتعة لم تدم طويلا فإطلاق الرصاص وأخبار الاعتقالات حلت محل تلك القصص. وكم كان خوفنا كبيرا من أن يمس الاعتقال احد أقربائي القاطنين بباتنة فجلهم من إتباع الفيس.

لم يمض وقت طويل حتى عين محمد بوضياف رئيسا للجمهورية ومرت الأيام وشعرنا أن الأمور بدأت تتحسن، لكن هيهات ...

لم اعد اذكر لم عاقبتنا أمي في ذلك اليوم الصيفي الجميل بعدم الخروج من البيت، بقينا بغرفتنا نصرخ ونلعب وأمي كانت تحاول إسكاتنا بين الحين والأخر. أزعجناها كثيرا بلعبنا وصراخنا الذي لم يكن يطاق فقررت أن تسمح لنا بمشاهدة التلفاز بشرط أن نتوقف عن الصراخ واللعب. فتحنا التلفاز على القناة الوطنية، فوجدنا تلاوة القرآن رغم أن الساعة كانت تشير للعاشرة و خمسة وأربعين دقيقة. سمعت أمي تلاوة القرآن استغربت قائلة " لابد أن شيئا ما حدث، قد يكون عباسي مدني هو الميت "، لم تكن تعتقد ذلك بل كانت تتمنى، لأنه في داخلها وفي داخلنا شيء ما يقول أن سبب كل أزماتنا هو هذا الرجل، وكما لو أن موته سيحــل الكثير ....

لم يمر وقت طويل حتى أطلت علينا مقدمة الأخبار تمسح الدموع وتخبرنا عن اغتيال الرئيس بوضياف بولاية عنابه، رأينا صور الاغتيال حيـث كان الرئيس جالسا يلقى خطبته الأخيرة، آخر ما قاله كان الإسلام. سمع صوتا أو حركة وراءه التفت قليلا ثم انطلقت رصاصـة الغدر التي أردته قتيلا. قطعت الصورة لكني رأيت الرئيس الميت، صورته لم تمحى من مخيلتي ، بل أضافت مخيلتي لتلك الصــورة صورا أخرى، لبطن مثقوب بالرصاص ولدماء ملأت القاعة حيث كان الرجل يلقى آخر خطاب له. بقيت لأيام بل لأسابيع أتخيل تلك اللقطات.كنت أراها في أحلامي وفي يقظتي. صار الليل مخيفا بالنسبة لي، صارت القاعات مخيفة والساحات مرعبة. صار الموت يعني لي تلك المناظر المرعبة لجسد اخترقته الرصاصات.

بقينا لسنوات نتمنى لو انه لم يمت. شعرنا انه كان منقذنا ومنقذ البلاد من أزمات السكر والخبز والزيت التي عصفت بنا، ولاحقـا من أزمة الأمن.......