- 2 -

11 0 00

- 2 -

أفاقت صباحاً... لم تر أمها ولا أباها.. دخل المحاسب... قال لها: لماذا ذهبوا دون أن يدفعوا؟!! أجابت سامورا: سأدفع ما تريد.. سأدفع أنا ما تريد.. ابتسم المحاسب وقال: حسناً حسناً.. ادفعي الآن.. أجابت: لا.. لا.. سأدفع بعد أن أشفى.. سأعمل ثم أعطيكم....

سألها: وأين ستعملين..؟!.. أجابته: في أي مكان تريدون.. أجابها: حسناً.. سأسأل مدير التشغيل إن كان لديه عمل يوكله إليك.. على كل حال أنا موافق على هذه الفكرة يا عزيزتي.. لا تشغلي بالك بالتكاليف.. أنت صغيرة.. قاطعته: لا.. لا.. أنا كبيرة.. عمري يزيد عن عشر سنين بثلاث سنين.. لست صغيرة.. قال: وهو يغادر الغرفة حسناً.. كما تريدين يا صغيرتي سامورا..

وبعد ساعة دخل إليها شاب وسيم، سألها: أنت سامورا..؟.. ماذا تجيدين من الأعمال.. أجابته: أجيد الغسيل والكي ومسح الزجاج.. ثم إني ذكية.. فأنا الأولى في مدرستي.. يمكنك أن تكلفني بما تريد.. وسترى أنني أتقن كل ما تريدني أن أعمله. تفرس الشاب فيها كوحش.. ثم ابتسم وقال: حسناً.. ستعملين عندنا في كي الثياب.. ثلاثة شهور.. مقابل تكاليف علاجك.. وستأكلين ما يأكله بقية الموظفين من أمثالك.. وسنهيئ لك مكاناً للنوم يناسبك.. هل تقبلين؟!.. أجابت سامورا: قبلت.. قبلت.. فأعطاها ورقة وقعتها.. ثم ودعها وخرج. أكلت سامورا بشغف.. ونامت طويلاً.. فقد انزاح عن صدرها همٌ ثقيل. قالت لنفسها: سأترك المدرسة، سأعمل منذ الآن.. لست محظوظة مثل رفيقاتي اللواتي يكملن تعليمهن.. سأبدأ العمل قبل أربع سنين.. لكن لا بأس.. سأخفف عن أبي وأمي شيئاً من عبئي الثقيل. تنهدت وراحت تحلم: سأعمل وأكسب المال.. سأشتري شقة وسيارة.. وأجد لي زوجاً شهماً أنجب منه الأولاد.. وعندما سيولدون سأبذل لهم راحتي وروحي.. وسأجعلهم يعيشون في جنات النعيم.

عجبت لنفسها حين خطرت لها كل هذه الخواطر!! سألت نفسها: هل سأترك أخي وأمي وأبي؟ هل سأترك بيتي ومدرستي..؟ أجابت: يجب أن أعمل لأصبح حرّة.. يجب أن أكسب المال.. ولم تدر سامورا أن عمرها لا يزيد إلا قليلاً عن عشر سنين. فُتح باب الغرفة.. واقتربت منها الممرضة وهي محتقنة الوجه، سألتها: أصحيح أنك تريدين أن تعملي هنا؟! ابتسمت سامورا وقالت: نعم.. نعم.. أريد أن أغدو حرّة.. دمعت عينا الممرضة وقالت: لكنك صغيرة يا سامورا.. أنصحك أن تبقي مع أبيك وأمك.. وأن تستمتعي بحياة الطفولة.. إنها أحلى فترات العمر.. ولماذا تستعجلين الشقاء يا سامورا؟.. فوجئت سامورا بقولها، وعجبت لكن الممرضة لم تأبه لدهشتها، تابعت تقول لها: إن لم يدفع والدك لك تكاليف العلاج، فأنا أدفعها لك يا سامورا.. أنا أدفعها لك.. أحذرك من العمل.. إنهم الآن يخططون لسهراتك.. سمعتهم بأذني يتندرون.. فهل تسمعين.. أنا أعطف عليك يا سامورا.. عودي إلى بيتك يا سامورا.. مهما كان عذابك في بيتك شديداً، فعذابك خارجه أشد بكثير.. لم تستطع الممرضة أن تستمر.. بكت بحرقة.. أسرعت إليها سامورا ومسحت لها دموعها وقالت لها: أرجوك هل أساء إليك أحد؟.. أنا أعتذر إن أسأت إليك يا حبيبتي.. مسحت الممرضة دموعها وقالت: أنت حرّة يا سامورا.. افعلي ما تريدين.. لكنني أحببت أن أنصحك.. قبلتها من وجنتها.. وغادرت الغرفة مسرعة.

لم تفهم سامورا من كلام الممرضة شيئاً.. سألت نفسها: كيف يخططون لسهراتي.. ولماذا أعود إلى بيتي.. وأنا هنا سأكسب المال وأصبح حرّة؟.. لكن إخلاص الممرضة كان واضحاً.. تريد أن تدفع لها أجور العلاج من جيبها.. وتريدها أن تعود إلى بيتها.. لكن سامورا كانت شهمة.. ما كانت تريد أن يدفع لها أحد فرنكاً.. قالت: على كل حال.. سأعمل هنا ثلاثة أشهر.. وسأرى ماذا سيحدث.. فإن وجدت العمل مناسباً بقيت.. وإلا تركته لأذهب إلى البيت. بيت أمي وأبي؟.. دخل الطبيب ومعه الممرضة ابتسمت سامورا للممرضة، لكن الممرضة لم تلتفت إليها.. ومن خلف الطبيب ابتسمت لها وأشارت إليها أن تخفي صداقتها معها.. عجبت سامورا لذلك.. لكنها نفذت ما تريد منها الممرضة.

قصّ الطبيب أربطة رأسها.. رأى جرحها قد التأم.. قال لها: أهنئك يا سامورا.. لقد شفيت.. بعد يومين ستغادرين سريرك.. فما رأيك؟ أجابته: كما تريد يا سيدي.. سألها: لكنني لا أرى أمك.. ولا أباك؟ صمتت.. فتابع وهو يجمع أدواته: حسناً.. لا بأس.. كثير من الآباء مشغولون.. وكذلك الأمهات يا سامورا.. بأمور كثيرة.. العمل.. وكسب المال.. والبحث عن المتعة واللذة.. والسهرات.. نظر إليها مندهشاً حين قالت: قد أعمل معكم لثلاثة أشهر يا سيدي.. خشي الطبيب أن تكون لا أب لها أو أم.. فاحمرّ وجهه.. وهمس وهو يغادر الغرفة: سنسعد معك يا سامورا.. وداعاً.. وخرجت الممرضة معه.. كانت حزينة.. لم تقبل سامورا عرضها..

كانت سامورا فرحة.. إنها ستبدأ حياة العمل.. ستدخل بوابة الحياة.. ستصبح حرة.. ستملك الأموال.. ستتصرف كسيدة رغم أن عمرها لا يزيد عن ثلاثة عشر عاماً.