( 1 )

9 0 00

( 1 )

في قرية الديوانية تعيش السيدة زاهية مع ابنهاخليل وابنتها نايفة بعد أن مات زوجها مصلح وخلفهم في كفاف من العيش ليس لهم أي دخل سوى جهدهم في فلاحة الارض وما يحصدونه من زروعها وأثمارها وكذلك ما يصل إليهم من مصلحة الضمان الاجتماعي والذي قد غدوا يكيّفون عليه حياتهم المعيشية .

وأصلاح القـليل يزيد فــيه ولا يبقى الكثير مع الفســاد

في هذا البيت الذي يعيشون فيه.. المبني من الحجارة ومسقوف بخشب العرعر والزيتون .. عاشت السيدة زاهية أجمل ايام حياتها . ترى كل شيء فيه يذكرها بزوجها وبالأيام الحلوة التي قضتها معه قبل وفاته .

لاتزال السيدة زاهية في مقتبل العمر فهي جميلة ولم تصل الأربعيين من عمرها ولاتزال بها حيوية الشباب ونظارة الجمال الذي عبثت به اصابع الفاقة والفقر بعض الشيء .

يقع بالقرب منهم بيت السيد / خلف العثمان أخو زوجها . وليس بعيداََ عنهم يقع بيت السيد عبد المحسن العلي الذي يعمل حارساَ في المدرسة الابتدائية والتي تقع في طرف القرية ذلك العجوز الذي يرى الدنيا بعين الحكمة والأمل رغم كبر سنه وعرك الزمان له .

عندما توفي مصلح أحمد العثمان عندما كان عمر أبنه خليل سبع سنوات أما اخته نايفة فلاتزال في الرابعة من عمرها . فأخذت زوجته على عاتقها تربيتهما والمحافظة على ما خلفه لهما ابوهما فصارعت الايام وقسوة الزمن ولم يشعر خليل واخته بحرارة اليتم أو فقد الوالد .

رغم السن المبكر الذي فقدت فيه زاهية زوجها والتي كانت فيه في عز صباها الا انهاامتنعــت عن الزواج .

وكنا كغصني بان في كل روضة نشم جنى اللذات في عيشــة رغد

فأفرد هذا الغصن من ذاك قاطـع فما من رأى فردا" يحن الى فـــرد

كان من ضمن الخاطبين لها اخو زوجها الســـيد خلف العثمان الذي لم ينقطع عن طلبها للزواج وتجديد طلبه في فترات مختلفة بحجة الأشــراف على ابناء اخيه .......وكان خلالها يمد لهم يد العون ويتفقد احوالهم وأن كانت الرغبة في زواجه منها اكبر من دافع الأشـــراف على ورثة اخيـــه .

ومع مرور الزمن وتجاوز خليل وأختـــه ســـن الطفـــولة زاد تعلق خلف بالزواج من ارملة اخيـــه حيث بلغ خلف ســـن الســابعة عشــــرة كما ان النايفة قد بلغت الرابعة عشــــرة من عمـــرها وأســــتطاع خلـــف اخيـــراً ان يقنع زاهيـــة بالزواج منه

شــــاورت زاهية خليل وأخته في هذا الأمر فكان ردهما ســلبيا" لكن كثرة تردد خلف وتكرار طلبه جعل زاهية تقنع خليل وأخته بما قاله لهاعمهما خلف العثمان من انهما سيتزوجان غداً وتبقى وحيدة في البيت وبعد ان وافق خلف العثمان على أن تكون ابنته شهرة زوجةٌ لأبنها خليل في المستقبل .

ارسلت زاهية رسالة إلى أخيها إبراهيم هلال الذي يعيش في جدة وطلبت منه الحضور لكي يعقد قرانها على أخو زوجها المتوفي فأعتذر عن الحضور واقنعها أن أبنها قد بلغ السن الذي يمكن أن توكله ويقوم بعقد القران كما أنه من الممكن أن توكل احد اقاربها ليقوم بذلك في حالة امتناع ابنها خليل عن ذلك لكن خليل اقتنع اخيراً بالأمر الواقع وبعد ان افصحت امه بما قررته ورغبتها في الزواج....فأعلن موافقته طلباً لرضاها رغم عدم اقتناعه بهذا الامر . سيما وأن ذلك سيكون في بيته الذي خلفه له والده .

تزوجت زاهية من خلف العثمان ودخل بها في نفس الغرفة التي كانت تنام فيها مع اخيه مصلح ......كانت نايفة تنام مع والدتها في تلك الغرفة فانتقلت إلى غرفة بجابنها كان ينام فيها أخوها ...وخرج خليـل بفراشه إلى المجلس الذي كان طريق الغرفتين منه

وضع خليل جثته على فراشه لكنه لم ينم خصوصاً عندما كان يسمع تلك النغمات والهمسات والضحكات الخافتة داخل غرفة العرس .

حاول أن يدفن نفسه في فراشه بين الأغطية. ..... وضع في اذنيه قطن ... فلم يفلح

نهض من فراشه وخرج إلى الفناء الخارجي ثم إلى الطريق واخذ يمشي في طرقات القرية .

بينما كان ماشياً . سمع صوت الراديو في بيت السيد عبد المحسن العلي فقرب من النافذة وطرقها ،،،،،،

مين .

أنا خليل .

ماذا تريد في هذه الساعة .

سمعت صوت الراديو فعرفت أنك لم تنم بعد

قام الشيخ عبد المحسن وفتح الباب ثم اضاء الأتريك وجلس مع خليل.

مالذي أتى بك في هذه الساعة .

لم أنم .

ولماذا لم تنم .

لا أدري .

لقد اعطيت الامر أكبر من حجمه .

صعب عليّ أن ارى امي تنام مع رجل ... كأنه غريب او غير مقبول. او انني ارى ان الزواج غير مقبول بتاتا ...

هذا زوجها على سنة الله ورسوله وقد عملت ما فيه الكفاية لك أنت وأختك . أنت أناني إذاً ...هي قامت بواجبها على أكمل وجه ومن حقها أن تعيش فلا تكون جحوداً....كان من المفروض أن تكون أول من يفرح لها بذلك فهي لازالت في مقتبل العمر ولها ان تعيش بعد ما ادّت رسالتها على الوجه الأكمل .غداً ستتزوج أنت وأختك وهي ستبقى وحيدة في البيت.

هذا صحيح لكن .

لكنك كما قلت اناني ولا تحب السعادة لغيرك .

لا احب احداً أن يشاركني في امي .

غداً سيأتي لك أخ جديد يشاركك فيها .

ربما .

نعم هذا هو الكلام الصحيح وهذه سنة الحياة ويجب أن تبارك هذه الجيزة بل يجب أن ترى امك في عينك رضى وسعادة من اجل أن تكمل فرحتها... يجب أن ترد لها الجميل وأن تبحث عن ما يرضيها .

بعد هذا الكلام هدأت وساوس خليل وشرب معه فنجالين من الشاي ثم استأذن وعاد إلى بيته وقد نام الجميع فأستغل ذلك الهدوء فلف نفسه بين الأغطية في ركن المجلس ونام .

نام خليل مابقي من تلك الليلة وكأنه يسرق من الزمان لحضات . وعندما استيقظ وجد والدته وعمه جالسان في طرف المجلس فقام من فوره فبارك لهما وأخذ مصفاة القهوة من امه وصبّ لهما وهشّ وبشّ فارتاحت امه لذلك وبدت عليها علامات الرضى..

بقي خليل على ذلك اسبوعاً كان خلاله قليل الجلوس في البيت فهو يخرج إلى الوادي و المزرعة مع اخته احياناً وبمفرده احياناً اخرى اما والدته فقد انشغلت بالمهنّئآت من نساء القرية اللاتي يأتين يباركن لها بالزواج .

خلال ذلك الاسبوع كان الارق محالفاً لخليل عند نومه فعندما يأوي إلى الفراش يطرق سمعه لما يدور في غرفة نوم امه.... رغم محاولته اعتبار الامر طبيعياً وأن هذه سنة الحياة لكنه لم يحتمل ذلك الموقف مما جعله يترك البيت في اول الليل حتى يعرف أن من بالبيت قد ناموا .....

انقلبت حياته في البيت الى جحيم .... اصبح يتصور عمه شيطان لايريد ان يراه في البيت .. يرى ذلك الود الذي بين امه وعمه فيغيضه ويمقته ويريد ان يجد لنفسه طريقاً تحت الأرض هرباً من مشاهدة تلك الصور التي تزيد من ساعة لأخرى .

غدى كثير الخروج من البيت ...يخرج إلى زملائه تارة وتارةالى الشيخ عبد المحسن وفي ذات ليلة وجد مع بعض زملائة احد افراد القرية الذي يعمل في شركة ارامكو في المنطقه الشرقية .

خلال تلك الليلة كان هذا الشاب يحسّن لخليل الصورة التي يعيشـها العاملين في الشركه والميـزات التي يحصلون عليها .

اعجـب خليل بما قاله ذلك الشاب فسأله عن موعد سفره فأخبره انّه سيكون بعد ايام قليلة فعرض عليه خليل ان يصطحبه معه ويساعده في الحصول على عمل هناك فوافق وأستعد أن يبذل جهده معه.

رأى خليل ان هذا الأمر هو الطريق الوحـيد الذي سيخرجه من الكابوس الذي يعيشـه في البيت .

اخبر خليل امه في اليوم التالي بما عزم عليه وأنه سيسافر الى المنطقه الشرقيه ليبحث له عن عمل هناك .

لم توافق والدته على موضوع السفر من الوهلة الأولى .. لكنه قد عزم على ذلك.

حاولت ان تستشفع لديه بكل معارفه وأصدقائه في القرية الا ان ذلك لم يلق لديه آذان صاغية فبعد بضعة أيام سافر خليل الى المنطقه الشرقية.

حصل خليل على عمل في شركة ارامكو وبدأ عمله في قسم الإدارة المالية وهناك تعرف على زملاءه العاملين في المكتب وبحكم دماثة أخلاقه وحسن معاملته فقد كان مقبولاً لدى كثير منهم واكتسب أيضاً حب المسئولين عنه في المكتب.

كان خليل أريحي الفطرة ساذجاً مرحاً الشيء الذي لفت به نظر زميله حسين العبد الله الذي قد عاش حياته كلها في مدينة الدمام واكتسب من حياة المدينة جميع أساليب المراوغة، وعركته المدينة حتى أخرجت منه داهية من دهاة الأرض .

قرر حسين أن يكون خليل هو فريسته المقبلة فأخذ يتقرب منه ويكثرالحضور إلى بيته والخروج معه في خارج أوقات الدوام والجلوس معه.كثيراً ....إلى جانب البحر والسهر معه إلى أنصاف الليالي في المنتزهات المنتشرة في أنحاء المنطقة حتى أصبح خليل يرى أن هذا الرجل هو كل شيء في حياته،

وفي ذات يوم قال حسين بينما كانا يجالسان على شاطئ البحر :

- إنني سأذهب إلى البحرين في الأسبوع القادم ،.. لقد اشتقت كثيراً للبحرين ......

- لماذا البحرين .

- إنها ممتازة ألا تعرف البحرين يا خليل ؟.

إنها قريبة جداً ، يمكن خلال ساعة واحدة في البحر أو أقل ويصل المسافر إلى المنامة .

- ولكن ألسنا مرتبطين بالدوام في الشركة .

- في إجازة نهاية الأسبوع إذا أردت الذهاب معي فأنا سوف أحجز لك معي وأنهي كل شيء .

- لكنني ليس لدي جواز سفر .

- بسيط جداً ..... في ساعة واحدة وجواز سفرك في يدك .

- كيف .

- هذا الأمر أتركه عليّ وأنا سوف أعمل كل شيء فأنا أريدك أن تذهب معي إلى البحرين ....أريدك أن ترى الحياة هناك .....انني لم أعد أسلو عنها ...أذهب في كل عام لا يقل عن عشر مرات .... وقد ترى ذلك سوف تكون مثلي...... غداً أذهب أنا وأنت إلى الجوازات ومن ثم نكمل إجراءات جواز سفرك ونذهب في نهاية الأسبوع سوياً..

لم يكن خليل يشك في صداقة حسين العبد الله بل كان يرى أنه الأخ والصديق الذي بعثه الله اليه في هذه المدينة سيما وأنه لا يعرف كثيراً من سكانها وبحكم البيئة التي تربى خليل فيها فهو سريع الانقياد خلف أي بريق يضيئ له.... قليل التوجس والشكوك ويرى الأمور من منظار سذاجته وصدقه ..

أنهى حسين العبد الله إجراءات سفر خليل معه وفي نهاية الأسبوع ركبا في سفينة صغيرة أوصلتهما إلى المنامة وهناك سكنا في إحدى الفنادق التي في وسط المدينه وأخذ حسين زميله خليل إلى كل مكان في المنامة.. كانت أغلب مصاريف الرحلة يدفعها حسين حتى أخجل زميله من كثرة كرمه وأريحيته .... أخذه إلى الملاهي وإلى الأسواق.. لكنه كان أيضاً يتركه في الفندق اوقاتاً كثيرة ويخرج من عنده ولا يعود إلا متأخراً وكان عذره أنه يقابل بعض أصدقائه في المنامة مما زاد ثقة خليل في زميله ويقينه أنه يعرف أغلب أهل المنامة بل قد يكون على صلة بالمسئولين فيها .

كان حسين يذهب مع خليل إلى السوق ويشتري ملابس وعطور وما في حكمها ويقنع خليل بالشراء أيضاً بحكم أن هذه السلع غير متوفرة في الدمام حتى أشترى كل واحد منهما حقيبة كاملة .

وفي يوم العودة كانت المفاجأة ...لقد اعتذر حسين في اللحظة الأخيرة عن المغادرة مدّعياً بأنه قد نسي مقابلة بعض أصدقائه وأنه لا يمكن أن يعود إلى السعودية دون مقابلته فاقتنع خليل بذلك وطلب من حسين السفر فهولايدري متى يلحق به ، بل إنه كتب معه رسالة لمدير الإدارة يطلب فيها أن يمنحه إجازة عارضة لمدة اسبوع نظراً لعدم تمكنه من السفر في ذلك اليوم وعاد إلى المنامة أما خليل فقد سافر حاملاً أمتعته وأمتعة حسين العبد الله الذي طلب منه أن يأخذ حقيبته معه حتى يلحق به لاحقاً.

وصلت السفينة إلى ميناء الدمام ولكثرة الأعمال هناك والمسافرين والبضائع التي ترد .. كان الزحام كثيراً مما أدى إلى انتظام طوابير المسافرين في أروقة الميناء .

كان رجال الأمن يقفون في آخر ذلك الطابور يطلبون من المسافرين فتح الحقائب ومن ثم تفتيشها ثم السماح للمسافرين بالدخول والتوقيع على جوازات سفرهم وهكذا مشى خليل ذلك الطابور حتى وصل إلى نقطة التفتيش ......

- افتح الحقائب ..... قال ذلك رجل الأمن .

قام خليل بفتح حقائبه وحقائب زميله أمام رجل الأمن .

أدخل الضابط يده هنا وهناك في الحقائب فوجد مظروفاً في حقيبة حسين ا لعبد الله فأخرجه .

- ما هذا ؟

- لا ادري

- ا ليست هذه حقيبتك ؟

- بلى .

- ما هذا المظروف اذا ... ؟

- لا أدري عنه فإنها حقيبة حسين العبد الله .

- ألم تقل أنها حقيبتك ؟.

- لقد أرسلها معي من البحرين .

- كلكم تقولون ذلك .

- ثم ألتفت إلى زملائه وقال :

- خذوه واحتفظوا بالحقائب وفتشوا كل شيء معه .. فقد يكون معه غيرها .

- أنا لا أعرف عن هذا المظروف شيئاً .

- بعد قليل سوف تعرف وهذه الأساليب نحن نعرفها جيداً .

ثم ذهب خليل وحقائبه إلى مكتب للتحقيق في طرف الميناء ...لم يكن يعلم خليل بالذي في المظروف حقاً لكن الأقدار نسجت خيوطها حوله .

وهناك بدأت المسائلة الحقيقية عن هذه الحقيبة وماذا في ذلـــك المظروف وهو حقاً لا يعرف عنه شيئاً لكن التنصل لم يعد ينفعه الآن فقد ضبط في حوزته وهذا المظروف يحتوي على كمية كبيرة من المهربات الممنوع دخولها إلى المملكة وبعد أن اعترف خليل بإحضار تلك الحقيبة من البحرين أصبحت تهمة تهريب الممنوعات هي قضيته ثم نقل الى السجن .

تم استدعاء صاحبه حسين العبد الله من قبل الشرطة بعد عودته من البحرين فأنكر ما أدعاه خليل بل زاد الطين بّلة أن حسين أفاد أنه نصحه بعدم المغامرة والسفر بهذه المهربات إلى السعودية إلا أنه رفض مما دعاه إلى التأخر عن تلك الرحلة خوفاً من أن يحسب شريكاً في هذه الجريمة مما أوثق الحبل حول رقبــة خليل فاكتملت حلقات القضية وحكم عليه بالسجن ثمان سنوات وألقي خلف القضبان في تهمة لم يكن له فيها لا ناقة ولا جمل.