(4)

8 0 00

(4)

ادخل خليل في العنبر رقم ( 3 ) وتم ترقيمه برقم 45 وكان هذا الرقم على ملابسه وسريره الذي ينام عليه ، وظمن التسلسل الرأسي للسرير فتحت سريره سرير وفوقه .آخر حيث ان السرير الواحد يتكون من ثلاثة ادوار .

ذهب إلى الكرسي بموجب الرقم الذي يحمله وأخبره السجان أن هذا الرقم سيضل رقمه إلى أن يخرج من السجن فهو رقم قميصه وسريره ومقعده في المطعم وعليه أن يحفظه جيداً .

ألقى بجثته على ذلك السرير بعد أن ارتدى بدلته الزرقاء ثم أنفجر باكياً بأعلى صوته حتى أزعج من حوله من السجناء ، فقاموا إليه يعّنفونه ويصرخون في وجهه بشتى عبارات التهكم :

* أنت لست رجلاً .

* السجن للرجال .

* لا ينبغي لك أن تكون بكّاءً .

* غداً ستمر الأيام بسرعة .

غدى ينظر اليهم لكنه يردد في نفسه ما قال الشاعر العربي :

من قال ان الحبس دار كرامه فمكابر في قوله متــجلد

ما لحبس الا دار كل مهانة ومذلة ومكاره لاتنــتهي

يكفيك ان الحبس دار لاترى احد عليه من الخلائق يحسد

حضر السجان وحاول أن يسكّن من روعه ويبعد بقية المسجونين عنه إلا أنه لم يفلح فاستدعى الباحث الاجتماعي الذي أصطحبه إلى غرفة في طرف السجن .

أخذ السيد يوسف السعيد يلقي عليه محاضرةً محاولا إقناعه بالصبر وتقبل المحكومية بروح رياضية . كان الباحث يتكلم وخليل يستمع لا ينبت ببنت شفة رغم محاولاته إخراجه عن صمته والتلطف معه وكثرة الأسئلة التي يوجهها إليه لكن خليل لم يرد على أي سؤال منها .

مما حدى بالباحث الاجتماعي إلى إنهاء اللقاء ومحاولة ذلك في اليوم التالي.

تكرر هذا العمل عدة أيام كما حاول بعض زملائه المساجين أن يفهموا منه شيئا لكن ذلك لم يجدي .

ضل خليل صامتا لمدة أسبوعين لا يتكلم مع أحد ...

كان الوقت الذي يفارق فيه سريره عندما يذهب إلى ألأكل فقط أو يغسل فيه ملابسه . او الى المسجد .. او دورات المياة ..

وتمر الأيام والشهور وذات يوم جلس في المطعم بجانب ذلك الشاب الذي بدأ عليه الوقار والاحترام ودخل معه في كلام بلهجة المنطقة الجنوبية فأحس خليل بقربه منه ....

والعين تعرف في عيني محدثها ان كان من حزبها او من اعاديها

فقال له .:

- ما اسمك يا اخي ؟

- خليل .

- آه رقم قميصك هذا كان مع أقرب الناس لقلبي في هذا السجن .

- هذا القميص .... ثم التفت إلى القميص الذي يلبسه .

- نعم . لقد مات في الأسبوع الماضي . فأعطوك قميصه .

- كيف مات ؟

- لقد مات بالقصاص.

- لا حول ولا قوة إلا بالله .أنني أرى أنه لم يغسل أيضا وهمّ ان ينزع القميص عنه .

- هذا مستحيل ... لم يكن مريضا على أي حال.

يقال أنك لا تكلم أحدا فلماذا الصمت إن هذا الصمت لن يفيدك فأنا قد أمضيت في هذا السجن سنتين وبقي ثمان سنوات و أتكلم واضحك ولن يمضي عليك غير ما كتبه الله عليك و عليك أن ترضى بالقضاء والقدر .

- لكنني مظلوم ولم ارتكب ذنبا .

- اللهم اجعلني مظلوم ولا تجعلني ظالم .

- لقد التبست تهمة لست صاحبها .

- تحدث كثيرا الم تسمع المقولة ـ كم في السجن من مظاليم ـ هل تعتقد أنك أنت المظلوم لوحدك ... كثير من هؤلاء مثلك مظلومين أوملعوب عليهم أو مسجونين بأجرة .

- مسجونين بأجرة .

- نعم .بعض المساجين يدخل بدلا من المجرم الحقيقي براتب شهري ولكن .... كم هي محكوميتك ؟

- يقال أنها ثمان سنوات .

خلال الثمان سنوات سوف تعرف أشياء لم تكن تخطر ببالك وأنت خارج الســجن .... السجن مدرسة الحياة.......

- وأنت ما هي جريمتك؟

- كنت مزوراً .

- يعني أنت مجرماً .

- كنت مزورا ولست مجرما .

- اقصد أنك انسجنت من اجل ما اقترفته يدك .

- هذا صحيح . ولكن لم أكن أتوقع أنني سوف انكشف أو ادخل السجن

- عقوبة التزوير لا تصل إلى هذه المدة .

- هذا صحيح لكنني متهم في أعمال أخرى أضيفت إلى عملية التزوير

- هل قتلت ؟

- لا . لم أقتل وسوف أخبرك بها مستقبلا لكنني أريدك أن تقبلني صديقا فمنذ موت صاحبي في الأسبوع الماضي لا أتحدث إلى المساجين ولكنني أرى أنني ارتاح لحديثي معك .

- وأنا كذلك .

- إذا فلنذهب إلى البوفيه لنشرب كوبين من الشاي .

على فكرة .......من أين أنت . ؟

- أنا من الجنوب.

- أنا أعرف الجنوب تماماً فمن أي المناطق أنت.؟

- من قرية في وادي الفرعين اسمها الديوانية.

- أعرف قرية... الديوانية.

- فمن ايّ اسرة إذاً...؟

- من بيت العثمان ....... وانت من ايّ قرية لهجتك من الجنوب ايضا ؟

- انا من قرية في نفس المنطقة اسمها سمايل .

- سمايل ، أنهم أخوالي ، خالي إبراهيم هلال.

- أعرفه ، أنه يقيم في جدة منذ زمن .. انا اسمي زاهر بن عبد الله.

أثناء جلوسهما وحديثهما في البوفية حضر الباحث الاجتماعي السيد يوسف فسلم عليهما وانصرف وفي اليوم التالي وبينما كان يتجول داخل العنبر وجدهما يتحدثان أيضاً فوقف بجانب خليل ورتب على كتفه وقال :

- ألا تريد التحدث معي يا خليل ؟

- لا أريد أن أتحدث مع أحد .

- لكنني أريد أن أتحدث معك ولن تخسر شيئاً .

فالتقط زاهر الحديث وقال :

- لماذا لا تتحدث معه يا خليل إن الأستاذ يوسف من أطيب الناس المسئولين عن السجناء إنه يعمل لمصلحة النزلاء في هذا المكان البعيد عن الناس كلها .

عليك أن تتحدث معه وتعتبره صديقك الذي يمكن أن تأمنه على أسرارك .

التفت خليل إلى يوسف ، لكنه لم يتكلم.

فقال يوسف :

- هل تقبل بي صديقاً كما قال زاهر.؟

- لا .....

- أعطني فرصة لأبحث مشكلتك.

- بماذا ستفيدني.

- ربما أفيدك. أنت لا تعرفني، وإذا لم أفيدك فلن أضرك ولن تخسر شيئاً فأنت الآن في السجن ولن يكون لك أكثر من ذلك.

اذهب معه يا خليل إلى مكتبه ، قال ذلك زاهر.

ولابد من شكوى الى ذي مرؤة يواسيك او يسليك او يتوجـع

ثم أخذ يوسف بيده وذهب معه إلى غرفته .

دخل يوسف وخليل إلى الغرفة فأغلق يوسف الغرفة وسأله عن كامل القصة التي على أثرها جيء به إلى السجن .

- أريدك ان تفهم أولاً أنني مظلوم وأنني لم أقترف ذنباً ، ولم يكن لي أي جريمة إلا أنني قد كنت ضحية لأحد المجرمين الذي كان يلبس لي قناع الصداقة حتى أوقعني ، إنه حسين العبد الله .

- آه .... حسين العبد الله .

- أنت تعرفه .

- نعم هذا زبون عندنا لقد دخل السجن في قضايا كثيرة أكثرها حشيش وتهريب مخدرات ....

- ... هو ذلك اللئيم .

- هذا النوع من البشر مستعد لبيع أعز أقرباءه فما هي قصتك معه.

بدء خليل يسرد قصته معه وبعد الانتهاء منها قال يوسف :

- لقد كنت ضحية سهلة ولكن، ربك يمهل ولا يهمل ولابد أن تستفيد من هذه التجربة وأن تكون قوياً ولابد أن تتحمل فالحياة تجارب..

غادر خليل مكتب السيد يوسف وعاد إلى سريره ...... وأخذ يتفكر في أموره الخاصة وأخذت تسرح به الخواطر في قرية الديوانية وكيف سيكون وقع الخبر عندما يصل إلى هناك..

* ماذا سيكون موقف امه و أخته نايفة ..... الله .... ستكونان في موقف لا تحسدان عليه. هذا خليل الذي كانتا لاتريا الشمس تشرق إلا من فوق جبينه ..... انه مسجون ... او مجرم كما سيقال عنه .

* آه ... لقد خاب أملكما. لكنني والله مظلوم ...

* ماذا سيكون رد أبناء عمي . وابنة عمي شهرة التي أحسب الأيام لأذهب فأخطبها من أبيها وأتزوجها ..... لن ترضى بي بعد اليوم .

* كيف سينظر أهل القرية إليّ ؟

* ربما لن يصل إليهم الخبر..

* لا بد أن يصل . فالمحكومية طويلة ولابد أن يعرفوا ..

* وحتى لو خرجت بثلاثة أرباع المدة ..

* لكن هذا قضاء الله وقدره وليس لي في الأمر حول ولا قوة ، إنها قدرة الله وليس لي إلا الصبر ...نعم الصبر ...

* لكن إلى متى ، إلى متى ، ثم صاح صيحة أفزعت جميع من في العنبر ، لا ، لا أنا مظلو م .

* مظلــــــووووم ........... مما حدى بجميع نزلاء العنبر إلى الهرولة نحوه هذا يسأله ماذا حصل له والآخر يدعو له بالشفاء وذاك يوصيه بالصبر وآخر ينظر إليه ثم يعود لا يكلمه ، لكنه انفجر باكياً بصوت مرتفع واضعاً وجهه بين راحتيه...

حضر طبيب السجن فأعطاه بعض الكبسولات المهدئة وانصرف .

ذهب إليه زاهر، فأخذ يهدي من روعه واصطحبه إلى البوفية فقال زاهر معاتباً له :

- لم أكن أتوقع أنك ضعيف هكذا .

- إن سجني هنا ظلماً في جرم لم أقترفه ، إن المجرم الحقيقي طليقاً يسرح ويمرح وأنا البريء خلف القضبان كما ترى إنها مرارة الظلم ، أنت لم تجرب مرارة الظلم .

- قلت لك لست وحدك مظلوماً في السجن ، بل كل سجن من سجون الدنيا ، هناك كثير من المظلومين وقد ثبتت إدانتك وتم ضبط الحشيش بحوزتك وكان لابد عليك من تفتيش الحقيبة قبل أن تصل إلى الدمام .

- لم أكن أعلم أن ذلك اللئيم ينوي أن يلبسني هذه الجريمة .

- لقد ألبسكها وانتهى الأمر ...... لكن الرجل يصبر ويتحمل ففي صبرك أجر وتسلية ولكن إذا لم تصبر فماذا أنت فاعل ... إنك لا تستطيع أن تعمل شيئاً .

- كنت أفكّر واتصور.... كيف سيكون وضع الخبر على عائلتي فلم أستطع أن أحبس جزعي .

- هذا الأمر قد كتبه الله عليك قبل أن تنزل إلى الدنيا ... قبل أن تولد فلماذا تجزع من قضاء الله وقدره ... إنك لا تستطيع أن تغيّر الأقدار والذي يعلم من أهلك فلا يستطيع أن يهرب هو أيضاً من قضاء الله وقدره ، والأقدار تسير على الناس كلهم .....

- لا حول ولا قوة إلا بالله .

- إذا قارنت مصيبتك بمصيبة غيرك هانت عليك مصيبتك ، وهنا كثير من السجناء مصائبهم أكبر من مصيبتك لكنهم رجال صبروا وسلّموا أمرهم إلى الله فالله وحده هو الذي قدّر لك هذا وربما أن الله أراد بك خيراً في ذلك فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيرا ، والله وحده هو الذي يستطيع أن يخرجك أنت وغيرك ، لكنني أريدك أن تكون أقوى من الأيام والمشاكل ، ومشكلتك بسيطة جداً إذا قورنت بمصائب بعض النزلاء.

- كان ذلك غصباً عني .

- لقد جاءت بي الأقدار إلى هنا فلم أجزع ولم أصرخ مثلك أنني أحمد الله على كل حال خصوصاً بعد ما عرفت أن مصيبتي لم تكن أكبر من ما هي عليه.....

ثم وقف حديثه برهة وقال :

- أنظر إلى ذلك الشاب الذي يقف بجانب شباك البوفية .

- نعم إنني أراه....

- ذلك الشاب قتل رجلاً ومحكوم عليه بالقصاص وأنا عندما أنظر إليه أحمد الله على أن مصيبتي لم تكن مثل مصيبته.

وذلك الرجل الذي جلس معي بالأمس بعد صلاة العصر في المسجد بعد أن ذهب الناس .

- نعم لقد رأيته .

- هو الآخر محكوم عليه بالقصاص لأنه قتل زوجته وأخيها .. وكثير وكثير ... إن وضعي أنا وأنت طيّب بالنسبة لما يغصّ به السجن من النزلاء ، فكن قوياً على قضاء الله واحذر أن تشمّت بناء بقية نزلاء العنبر وأنت بريء والحمد لله أنك بريء ، وقد دخل سيدنا يوسف عليه السلام السجن وهو بريء أيضاً .

- جزاك الله خير ..

- إذاً اعتبرني أخوك فأنا وأنت أبناء عمومة هاهنا وقد يكون مجيئك إلى هذا السجن رحمة ساقها الله إليّ ، فقد فقدت صديقاً كان يعزيني في سجني ولكنه قد انتقل إلى رب العالمين أسأل الله أن يغفر له .

- رحمة الله عليه .

- عند ذلك سنكون أقوى من السجن ومن الأقدار ومن المدة التي نقضيها هنا . فليس لنا هنا سوى الصبر .