ـ 3 ـ
حين علا أذان الفجر فى جامع أبو العباس ، كنت صاحياً ، مشغولاً باجترار ماحدث فى الندوة ، هذه الليلة . من كان يتابع القراءة ، ومن كان يتابع همسات الجالسين ، حرصت ، فلا تفوتنى أية حركة أو كلمة أو إشارة . لا أفلت حتى التصرفات العادية ..
ثم ابتلعتنى أمواج النوم ..
صحوت . نظرت فى ساعة اليد الموضوعة على الكومودينو المجاور ..
السابعة . ضوء الصباح يتسلل من خصاص النافذة ، وثمة تيارات من الهواء البارد ، تندفع من تلاقى تقاطعات الشوارع ..
شارع حداية متفرع من ميدان الأئمة . على الناصية قهوة تطل على الشارع والميدان . يستطيع من يكلف بالمراقبة أن يجلس فى الناحية المطلة على الشارع . يتتبع خطواتى حتى دخولى البيت . لو أننى تأملت السحن ، فسأفطن إلى الملامح الطارئة والغريبة . أعرف رواد القهوة ، حتى من لم تنشأ بينى وبينهم علاقات جيرة أوصداقات . يلى القهوة مخزن مغلق وسمكرى سيارات . يسهل أن أتبين فيهما عين مراقبة . الطوابق الأرضية فى البيتين المجاورين ، أعرف سكانهما بالإسم ..
البيت من ثلاثة طوابق . أسرة عطية السمادونى المدرس بمدرسة راتب الإعدادية فى الطابق الأرضى . لا يأذن لكشاف النور أن يدخل الشقة فى غير وجوده ، أو وجود مصطفى ، أكبر الولدين . أقيم مع أمى فى الطابق الأول . فوقنا أسرة الدخاخنى . الزوج عاشور الدخاخنى قارئ ومؤذن مسجد طاهر بك بالحجارى ، والابنة الكبرى صفية فى كلية الآداب ، والوسطى هنية فى كلية الهندسة ، والصغرى ليلى فى الثانوية العامة بمدرسة رأس التين ..
منذ هبط جثمان أبى ـ قبل ثلاثة أعوام ـ محمولاً على الأيدى ، لزمت أمى البيت ، لا تنزل إلا لزيارة الصالحين من أولياء الحى . تعد الطعام ، وتغسل الثياب ، وتنظف الشقة ، وتتلو آيات القرآن ، وتتهدج بالأدعية ، وتكرر الكلام عن قطار الزواج الذى قد يفوتنى ..
أتأمل الوجه الذى لم تؤثر التجاعيد حول العينين والفم فى جماله . الصفاء الطفولى يطل من عينيها ، والابتسامة الهادئة ترافق صمتها وكلامها ..
أقبل أطراف أصابعى المضمومة :
ـ لن أجد زوجة أجمل منك !..
تشيح بيدها :
ـ خذ الأمور بهزار حتى ترفضك البنات ..
كانت تعانى ما أعانيه . تكتفى بالنظر ، والتأمل الصامت ، المشفق . لم أصارحها ـ ولا لمحت ـ بما حدث . تصورت القلق ، والخوف ، والأسئلة التى لن تنتهى ..
جفانى النوم ثانية ، فقمت . ارتديت ثيابى ، ونزلت إلى الطريق . تطلعت إلى ما حولى ، وأمعنت النظر . لا أحد ، والشوارع هادئة ، والصمت سادر ، وثمة عجوز وحيدة ، التف جسمها ببالطو من التيل الباهت اللون . جلست على المقعد الحجرى ، قبالة الكورنيش ، تطعم ثلاث قطط فتات خبز مغموساً فى اللبن ..
توالت الصور متلاحقة ، متشابكة ، لا أدرى لماذا تذكرت قول نادر البقال :
ـ أعترف أنى لا أعرف الفرق بين الرواية الجديدة والرواية الضد والرواية اللابطل والمدرسة الطليعية والمدرسة الحديثة ومدرسة العبث والشكلية والبنائية .. تسميات كثيرة متلاحقة .. لا أستطيع أن أفرق بينها ..
كان نادر البقال يراجع كلماته أثناء النقاش . يتصور أن الكلمات ليست كافية لتوضيح رأيه . لا يطمئن إلى وصول المعنى ، يضيف إلى ما قاله ، ويحرص على توضيحه . كلمات لتأكيد المعنى ، ثم يزيد فى حديثه . يبدو أنه أنهى رأيه ، لكنه يبنى عليه رأيا آخر . ربما أشار إلى أنه لم يعد لديه ما يقوله ، ثم يضيف ما قد ينشئ قضايا لم تكن واردة . يتأمل ما قاله . يخشى أنه لم يحسن التعبير ، أو أن الجالسين لم يفهموا . يعيد صياغة الكلمات ، أو يضيف إليها . الكلمات تجر كلمات أخرى كثيرة ، تالية ، والفكرة تمضى فى طريق غير واضحة ، أو تتشظى إلى أفكار يعجز عن حلها . يستطرد إلى جوانب لا تتصل بالقضية التى نناقشها . تراكمات من الكلام تبدو ـ فى النهاية ـ غير متصلة . لا صلة لما بدأ به كلامه ، بما أصر أحدنا على أن يقاطعه ليبدى رأيه . وكانت تشغله آراء الآخرين ، وملاحظاتهم . يبدى اهتمامه بكل ما يقال ، ويعانى الارتباك ..
قلت :
ـ أرى أن نخصص ندوة لكل مدرسة ..
قال كمال أبو القمصان :
ـ ومتى نقرأ كتاباتنا ؟..
قلت :
ـ نحن ورشة أدبية .. المفروض أننا نتعلم ..
قال فتحى عيداروس :
ـ أفضّل أن أكون بلية فى ورشة أسامة صابر ..
تلفت محمد الأبيض ـ بتلقائية ـ حوله :
ـ الحمد لله إن أسامة غير موجودة ..
وجرى فى الهواء براحة يده :
ـ كانت قطّعتك ..
لم تكن أسامة جميلة الملامح ، وربما بدت ملامحها غير متناسقة ، فدقة الأنف تناقض غلظة الشفتين واتساع الفم ، والجبهة العالية أقرب إلى الاستدارة ، ولكن أسامة كانت تروق لى . يجذبنى إليها بساطة آسرة ..
قالت :
ـ الفتاة التى يقيم الرجل علاقة معها .. هل يفترض أنه يحبها؟..
لعينيها نظرة صريحة ، تثبتها فى عين من تتحدث إليه ، فتربكه ..
قلت :
ـ طبعا ..
وضعت ساقاً فوق ساق ، وراحت تهز قدمها المدلاة :
ـ حتى لو كانت علاقة ليلة ؟..
عرانى ارتباك :
ـ هذا شأن آخر ..
وهى تعبّر بشفتيها وفمها وتقاطيع وجهها وأصابعها :
ـ لماذا لا أبحث فى الشاب أنا أيضاً عن هذا الشأن الآخر؟..
وزوت ما بين حاجبيها :
ـ لماذا لا أجرب المتعة دون ارتباطات .. مثل الرجل ؟!..
وامتصت السيجارة بقوة ، فغارت وجنتاها :
ـ بصراحة .. أنا لا يشغلنى الرجل الذى أصحبه إلى بيته لأمارس الجنس معه ..
ثم وهى تضغط على نهاية الكلمات :
ـ ما حققه الأديب الرجل من تفوق على الأديبة المرأة يعود إلى حريته فى إشباع غريزته الجنسية .. وهو ما لا تمتلكه المرأة ..
وران على صوتها تهدج :
ـ فلماذا لا تملكه المرأة ؟..
وتطلعت ـ بعين غير متأملة ـ إلى امتداد الأفق :
ـ أنا لا أرغب فى مجرد العلاقة الجنسية .. الجنس فى ذاته لا يشغلنى .. ما يهمنى هو التخلص من القيود التى يحرص الجميع على تكبيلى بها .. العفة المفروضة بالأوامر والتوجيهات ..
وارتعشت ملامحها بالانفعال :
ـ إذا كان للرجل إرادة ، فإن للمرأة إرادتها كذلك .. وإذا كانت إرادة الرجل تزين له إقامة العلاقات العاطفية والجنسية .. فلماذا تحجم المرأة عن ذلك ؟
ثم أنزلت ساقها ، ومالت بجسمها إلى الوراء :
ـ لماذا يطاردنى الرجل ، وأتظاهر بأنى رضخت فى النهاية ؟!.. تستهوى الرجل فتاة ما ، ولابد أن رجلاً ما يستهوى الفتاة .. فلماذا يعلن ما بداخله ، وتكبت هى ما بداخلها ؟..
قال فتحى عيداروس :
ـ أنصحك بصداقة سيدى العجمى .. فهو يكره النساء !..
استطرد قورة إدريس :
ـ وهو أيضاً حامى الحشاشين ..
أضاف للدهشة فى عينى أسامة :
ـ اعتاد الحشاشون أن يرضوا المزاج وراء ضريحه ..
خمنت أنه لا يفكر فى المناقشات التى يدلى فيها بآرائه . لا يناقشها فى ذهنه ، ولا ينشغل بها بعد أن ينصرف . ربما جلس إلى أصدقاء آخرين ، أو شاهد فيلماً فى التليفزيون ، أو مارس رياضة المشى . قد يفعل شيئاً ، أو أشياء ، لكنه لا يخلو إلى نفسه لتدبر مشكلة ما . وإذا تحدث ، تلاحقت الكلمات ، كأنه يريد أن يتكلم فى أشياء كثيرة ، فى اللحظة نفسها ..
فوتت ملاحظة قورة إدريس . اتجهت إلى فتحى عيداروس بعينين متسائلتين :
ـ لماذا العجمى ؟..
قال فتحى عيداروس :
ـ لجأ إلى المنطقة التى تسمت باسمه .. فراراً من زوجة أبيه التى أساءت معاملته .. وعاش حياته يكره النساء ويكره استقبالهن .. حتى بعد وفاته !..
قالت أسامة صابر وهى تدفعه بأصابعها فى صدره :
ـ أنا أريد من يحبنى لا من يكرهنى !..
قال محمد الأبيض :
ـ لن تجدى من يحبك ويوافق على شروطك الغريبة !..
رمقته بنظرة استياء :
ـ حتى فى الزواج .. أرفض منطق البنت التى تنتظر تقدم الولد لخطبتها ..
وعدّت على أصابعها :
ـ بلا زواج .. أستطيع أن أذهب إلى السينما بمفردى ، وأتردد على المطاعم ، وأتجول فى الأسواق ، وأتفرج على الفاترينات ، دون أن أخشى غضب زوجى ولومه ..
وجاشت عواطفها :
ـ حريتى أجمل من أن أخضعها لمن ينظر فى الساعة عند عودتى إلى البيت ، أو يقطع قراءتى فى كتاب ليطلب فنجان قهوة ..
ثم وهى تهز رأسها :
ـ المصيبة أن الزواج يعنى إقامة علاقة جنسية بموافقة المجتمع ..
التقطت أذنى ما همس به قورة إدريس لنادر البقال :
ـ أثق أن فخذى أسامة صابر لم يلتقيا منذ البلوغ !..
غلب محمد الأبيض انفعال :
ـ هل أنت واحد من الذين غزوا فخذيها ؟..
قال نادر البقال :
ـ أسامة رجل فى اسمها وتصرفاتها ..
وتداخلت فى صوته بحة :
ـ أثق أنها لن تسلم نفسها إلاّ للرجل الذى ستتزوجه ..
رمقه قورة إدريس بنظرة مرتابة :
ـ تثق ؟!
وهو يتجه بعينيه إلى الناحية المقابلة :
ـ لى تجربة فاشلة معها !..
قال محمد الأبيض :
ـ أسامة تذكرنى بأسطورة كاينيس Kainis بنت ملك اللابيثيين ..
قال فتحى عيداروس :
ـ أسامة بنت الحاج صابر أصبحت أسطورة ؟!
قال الأبيض :
ـ كانت كاينيس ترفض الزواج حتى لا تخضع لسلطة أى رجل ..
قال قورة إدريس :
ـ ما أعرفه أن فتاة الأسطورة تعرضت للاغتصاب .. وأسامة قد تفعل هى فعل الاغتصاب !
وجرى بأصبعين فوق شفته العليا ، يبرم شارباً وهمياً :
ـ ثم إنها منحت القدرة على التحول إلى رجل حتى تحمى نفسها ..
قال نادر البقال :
ـ أسامة ترفض دور الأنثى من أصله !
وأنا أعبر طريق الكورنيش ، توقفت لعبور سيارة لورى زرقاء مغلقة ، تهتز قضبان النافذتين من كل جانب بأيد لم أر أصحابها ، وإن ترامت أصواتهم بالهتاف : اسلامية .. اسلامية ..