ـ 1 ـ
زجاج القهوة يظهر الناس فى الطريق والكورنيش والبحر والسماء والمارة القليلين . عدد من الرواد اتخذوا أماكنهم على الطاولات المتباعدة ، يقرأون الصحف ، أو يتناقشون ، أو ينظرون ـ فى جلساتهم المنفردة ـ ناحية البحر . كل المقاهى والكازينوهات على امتداد الطريق ، أسدلت التندات لحجب أشعة الشمس عن الوصول إلى الطاولات . أتطلع إلى حدوة الكورنيش الموصلة بين السلسلة وخليج الأنفوشى . ربما تشاغلت بعد البلانسات والفلايك فى الميناء الشرقية ، أو تأمل مئذنة أبو العباس وقلعة قايتباى ، يشيان بحى بحرى القريب . أسراب النورس تحوم فوق سطح الماء ، تصخب ، وتصيح ، وتهبط بمناقيرها . تلتقط الأسماك ، وتعلو ، تتصاعد فى أسراب متداخلة ، تبدو سحباً رقيقة ، متحركة ..
أعدت النظر إلى الجالسين ..
ـ من يقصد الرجل ؟..
بدوا مشغولين فى متابعة قراءة يحيى عباس لقصيدته ..
أراقب الوجوه فى اهتمام ، الملامح والتعبيرات . لو أننى اقتحمت نفوسهم ، أتعرف إلى ما قد تخفيه البراءة الظاهرة . تتسلل نظرتى ، تحاول التقاط من تتجه إليه شكوكى ، من ينصت إلى المناقشات الجانبية ، أو يسجل الملاحظات ، أو يتنبه للكلمات ذات الوقع . أجوس مناطق قريبة وبعيدة . أتذكر أشخاصاً ومواقف ، استدعى أحداثاً . تدفعنى كلمات الرجل ، تمثل خيوطاً أكرّها ، أحسن التقاط طرف الخيط فلا أفلح فى انتزاعه من تشابك الخيوط حوله ..
قال يحيى عباس فى قصيدته :
تحت جدار الوطن المنفى ..
كنت أمد عروق دمائى
أتهيّأ للدفن
وحيداً فى الصحراء
يظهر جنرال الوقت فتياً
يأكل صحن بلاغته
الجوعى
والفقراء (1)
مسحت عيناى الجالسين بسرعة ، تحاول أن تلتقط رد الفعل .. لكن الأعين ظلت في اتجاهها ناحية يحيى عباس ..
أعدت السؤال فى نفسى :
ـ من يقصد الرجل ؟..
لم يكن يشغلنى فى الندوة قبل ثمانى سنوات ـ من أتى ، ولا من انقطع ، ولا كيف تدور المناقشات . أتصور ـ أحياناً ـ أن كل واحد من الجالسين يريد أن يحقق نصراً . يعلو صوته ، فيسكت أصوات الآخرين . لا يدقق فيما يذكره من معلومات ، ولا الآراء التى يعلنها . المهم أن تنتهى المناقشة بابتسامة يجيد رسمها على شفتيه ، وإحساس بالخذلان يلف الجميع ..
قال لى الرجل وهو يحاول تعريفى بنفسه :
ـ حضرت ندوتك ثلاثة أعوام .. ثم حل بدلاً منى زميل آخر ..
كان رأسه خالياً من الشعر تماماً ، فيما عدا بعض الشعيرات المتداخلة السواد والبياض فى الفودين . له وجه ممتلئ ، دهنى ، وصدغان متهدلان . ملامحه لاتبين عن حقيقة مشاعره ، وإن أطلت فى عينيه جرأة واضحة . يرتدى بنطلوناً تتنافر زرقته مع لون السويتر البنى ، ولف حول رقبته تلفيعة من الصوف ..
استطرد للدهشة المتسائلة :
ـ كان حضور الندوة جزءاً من عملى ..
وقال فى لهجة معتذرة :
ـ أنا أهوى الشعر .. لكننى مساعد فى مباحث أمن الدولة ..
داخلنى قلق وتوتر . توالت الأسئلة مندفعة :
ـ ما دخل الندوة بالمباحث ؟ وماذا فيها لتراقب ؟ ومن حل بدلاً منك ؟
قال الرجل :
ـ ألا تعرف أن الندوة مراقبة ؟..
وشاب صوته نبرة تمثيلية :
ـ هذا عملنا يا أستاذ .. كل الندوات يجب أن نراقبها ..
علا صوتى بالدهشة :
ـ لماذا ؟..
ـ لأسباب أمنية ..
ـ إنها قعدات مفتوحة ..
ـ أي تجمع لابد أن نراقبه ..
من العين التي تتابع ؟ ماذا ترى ؟ وبماذا تملى على الورق ؟..
توالت القراءات والمناقشات ، لكنني ظللت غائباً عن كل ما حولي . امتلأت نفسي بالكثير من الهواجس والأفكار والتوقعات غير المحددة : كيف مضت الأعوام ؟ ومن كانوا يراقبون الندوة ؟ ومن يراقبها الآن ؟.. ومضت ، وتوقفت ، في ذاكرتي مئات المواقف التي عشتها . لم أتمهل أمام معظمها ، ولا فكرت فيها ..
لأنى عجزت عن ملاحظة غير المألوف ، فقد شردت فى التذكر . أن أراقب دون سبب مفهوم ، كان ذلك يضايقنى ، ويصيبنى بالتوتر . أزمعت أن أتصرف كأننى لا ألحظ شيئاً ، كأننى لا أبالى . تعمدت أن يظل ما عرفته فى داخلى . تجاهلته ، أو أفلحت فى كتمه ، لا أبوح به ، حتى لا تعلو رائحة الخوف فى الندوة . تطرد المترددين عليها ، يؤثرون الابتعاد وعدم التورط فيما قد ينشأ من مشكلات . صرت أميل إلى العزلة . بدا الصمت ملاذاً من توقعات قاسية . اكتفيت بأن أتيح الفرصة لمن يريد القراءة ، ومن يريد المناقشة . ربما ثارت فى داخلى آراء مؤيدة أو رافضة . أكتمها . أسير فى طريق ضبابية ، أو مجهولة النهايات ..
نبهنى محمد الأبيض إلى أن وقت الندوة انتهى قبل ساعة . أسندت المظروف الأصفر ، الكبير ، إلى صدرى ، وقمت ..
اعتذرت للباقين بموعد فى المنشية . أسرعت فى خطواتى لألغى فرصة مرافقتى . ألفوا الأسئلة وردودى عليها ، حتى أصل إلى محطة ترام 4 المتجه إلى بحرى . ملت من شارع الغرفة التجارية المفضى إلى محطة الرمل . ثم ملت فى التقاطع ، وعدت ثانية ناحية طريق الكورنيش ..
تأكدت من إحكام الجاكت على رقبتى ، ومضيت فى تعالى زفيف ريح ، ينبئ بعاصفة قادمة ..
كانت الميناء الشرقية خالية من المراكب ، فغطس البحر فى سواد ، ماعدا الأضواء البعيدة ، المنبعثة من السلسلة ..
................................
(1) القصيدة للشاعر حسين على محمد.