ـ 4 ـ
شئ ما بدأ يتسلل إلى داخلى بالضيق . علت التوقعات والتخمينات والأسئلة . كانوا ينصتون إلى القصة . يقرأها كمال أبو القمصان بصوت منغم ، ويضغط على مخارج الكلمات . أتظاهر بالإنصات ، لكننى كنت أصيخ السمع إلى الهمسات الجانبية ، أستعيد الكلمات ـ بينى وبين نفسى ـ أتأمل معانيها المعلنة والخفية ، وأرقب التصرفات باهتمام ، انعكاسات الأسماء والتعبيرات التى تنطلق من على الطاولات المتلاصقة . أهملت ملاحظة محمد الأبيض بأنى لم أعد أدير الندوة جيداً ، وأنى أكتفى بالتأمل . يشغلنى المجهول ، الغامض ، الذى أتوقع ظهوره ..
تملكنى شعور بأنه ثمة من يراقب كل كلمة ، وكل تصرف . النظرات ترمقنى ولا أراها ، وإن كنت أشعر بها . تحولت الأعين المحيطة بى إلى عين كبيرة ، واسعة ، تربكنى ، فأنا لا أستطيع الكلام أو الحركة بطبيعتى . أضع حساباً للعين التى لا تهمل كلمة أو تصرفاً . أخشى أن أقول ما لا ينبغى قوله ، ما يؤخذ علىّ ، ويساء تفسيره . ألوذ بالصمت . أتحصن به . الصمت وحده يبعد الآذان المتنصتة ، والتوقعات . حتى القضية التى أجد لنفسى رأياً فيها ، أكتم ما بداخلى ، لا أعلنه . ربما أجبت عن السؤال بإشارة صامتة ، أو هزّة رأس ، أو تعبير بالأيدى . ربما الملاحظة ـ والمؤاخذة ـ على طريقة الكلام ومدى الانفعال ، مدى الإحساس بالأمل والخيبة والفرح والإحباط . تهت فى طرق متعرجة ، لا أعرف إلى أين تنتهى ، ولا كيف أخرج منها ..
ملأنى الإحساس بـأن شيئاً ما خطيراً يوشك أن يحدث ، أتوقع ما لم أحدد صورته ، ما يصعب تصوره . غابت العفوية فى الكلمات . أتأمل وقعها ، وأتدبره . ربما ـ إن أصبحت سطوراً على الورق ـ تحمل ما لا أريده من المعنى ، وتورطنى فيما لا أقصد قوله . تبدو التصرفات بريئة ، ولا تثير الشك ، لكنها ليست كذلك ، ويجب أن أتنبه إليها . حاولت أن أعود إلى مألوف مشيتى ، فلم أوفق . حتى خطواتى أشعر بارتباكها لتصور الخطوات المتابعة ..
كنت أدرك ـ منذ كلمنى الرجل ـ أن الأعين المبثوثة تراقبنى . ربما ليس فى الندوة وحدها . أتوجس من النظرات فى الجريدة ، وعلى الرصيف المقابل للبيت ، وفى محطة الأوتوبيس بميدان المنشية . يصطدم كتفى بمن لا أعرفه . لا ينطق باعتذار ولاعتاب ، وإن تأكدت فى نظراته أنه يعرفنى . وكنت أحرص على إصاخة سمعى من وراء باب الشقة ، وأنظر من العين السحرية ، ومن خصاص النافذة حتى للهمسات التى تلتقطها أذنى ..
كنت ـ قبل أن أغلق ضلفتى البلكونة ـ أطل على الشارع . أطيل تأمل الجالسين على القهوة والواقفين والمارة والمطلين من النوافذ المقابلة . نظرت ـ للمرة الأولى ـ من نافذة المنور : الأقفاص وقطع الخشب والصناديق المتكومة إلى قرب منتصف الطابق الأرضى ومواسير المطابخ والحمامات ودورات المياه علاها الصدأ ، وسرت بالنشع فى الحوائط . أستكين لمعرفتى بأن مفتاح المنور نسخة وحيدة عند ساكن شقة الطابق الأرضى ، ولكن الأسئلة تظل تلح علىّ ، وتثيرنى ..
عادت الأسئلة تفرض نفسها : من ينقل ما يدور فى الندوة؟.. من يكتب التقارير ؟.. هل هو نادر البقال ؟ ملاحظاته العفوية لاتشى بذلك . هل هو محمد الأبيض ؟..
لم يكن يشغلنى حضوره ، ولا غيابه ، ولا أين يذهب أو يجئ . تبدّل الحال بعد أن وضعت قلقى فى النظرات المحدقة ، المتطلعة إلى ماوراء الكلمات والتصرفات . بدأ اهتمامى به لأنى بدأت أهتم به ..
قال فتحى عيداروس :
ـ الولد محمد الأبيض أشبه بصدفة لا يعرف أحد ما بداخلها ..
كنا قد ألفنا غيابه عن الندوة ، وعودته إليها . تمر الأشهر دون أن يأتى إلى المينا الشرقية ، أو حتى يذكر أحدنا أنه التقى به . يكتفى بالقول ـ رداً على السؤال ـ : كنت مسافراً . لم يكن يتحدث عن عمله ، ولا عن ظروفه الأسرية . يحضر فى بداية الندوة ، ويظل إلى انتهائها . يمضى من شارع الأهرام الجانبى إلى شارع الغرفة التجارية ، فميدان المنشية . يواصل السير فى شارع فرنسا ، بينما تمضى الأوتوبيسات بالآخرين إلى أحياء المدينة ..
تحدث عن بيته المطل على ناصية شارعى رأس التين والموازينى ، وتحدث عن المكتبة الحجازية التى يشترى منها الكتب ، ويستعيرها ..
***
عرفت أنه يطيل الوقوف ـ للقراءة ـ فى المكتبة الحجازية بشارع الميدان ..
كنت أريد أن التقى به بعيداً عن القهوة . ميزت قامته الطويلة ، والصلع الذى تسلل إلى مقدمة رأسه ، وحاجبيه الكثيفين ، وعينيه العسليتين ، وراء نظارته الطبية . الكتب ـ بلا انتظام ولا ترتيب ـ تعلو الأرفف وعلى الأرض وفوق الطاولة التى تفصل بين الشارع ومدخل المكتبة . آلاف الكتب المجلدة والجديدة والمهترئة . يبدو فى وقفته ، مستنداً إلى الجدار جزيرة ساكنة وسط صخب شارع الميدان : أصوات صحن البن والنداءات والصيحات والشتائم والأدعية ، وروائح السمك المشوى والكابوريا والجمبرى والملح والعرق ، ورائحة الشواء المترامية من كشك زجاجى على ناصية شارع اسماعيل صبرى ..
قال محمد الأبيض فى لهجة مرحبة :
ـ هل تريد كتاباً محدداً ؟..
ألفت لثغة لسانه ، وتحويل الراء غيناً ..
ـ بل أريد أن أتحدث إليك ..
نطقت عيناه باهتمام ، وإن ظل صامتاً ..
سرنا فى اتجاه الموازينى ..
أزمعت أن أتعرف إلى ما يهمنى دون أن أتطرق إلى المراقبة . شرق حديثنا وغرب . اكتفيت بالأسئلة ، وبدا الصدق فيما روى . قطع تعليمه عندما أدرك أن ظروف أسرته لا تقوى على تكاليف الدراسة الجامعية . رضى بوظيفة فى مصلحة الموانى والمنائر . للأنفوشى رائحته التى أتبينها بمجرد اقترابى منه . اختلاط رائحة اليود والملح والطحالب والأعشاب والأصداف والأسماك الميتة . أتذكر الأنفوشى إذا صادفت أنفى رائحة مقاربة . جلسنا فى قهوة تطل على ميدان أبو العباس وباب الجامع والبناية الهائلة التى سدت الطريق إلى السيالة وياقوت العرش . إلى اليسار الحديقة ذات الفسقية المتهدمة ومستشفى الأطفال . وإلى اليمين يمضى الطريق إلى قلعة قايتباى ومعهد الأحياء المائية وحلقة السمك ..
فاجأنى بقوله :
ـ هل قرأت مقال عاطف المنياوى فى الأهرام ؟..
لم أكن قرأت المقال ، فسكت ..
ووشى تهدج صوته بتوتر :
ـ إنه يعيب على الدولة تأخرها فى تطبيق الخصخصة ..
وكز على أسنانه ، فأحدث اصطكاكها صوتاً مسموعاً :
ـ مايحيرنى أنى قرأت كتابين للرجل فى عهد عبد الناصر عن حتمية الحل الاشتراكى
اصطنعت ابتسامة متوددة :
ـ لكل عهد ظروفه ..
ظل على توتره :
ـ ورجاله ..
ثم وهو يهز رأسه :
ـ عاطف المنياوى وأمثاله رجال كل العهود ..
وأشاح بيده ذبابة حطت على أنفه :
ـ مشكلة هذا البلد أن مثقفيه إما وصوليون ، أو عاجزون عن الوصولية !..
قلت ، ربما لأجاوز الصمت الذى ساد لحظات :
ـ ماذا تعمل ؟..
ـ أراسل بعض الصحف فى الخليج ..
غابت الراء تماماً فى الغين الواضحة ..
قلت فى صوت مبطن بالود :
ـ من الإسكندرية ؟..
وهو يراقب حصاناً تكوم أمام العربة الكارو ، وسط شارع الميدان :
ـ مقالات الأدب لا تشترط موطناً ..
غمزت بعينى :
ـ صحف الخليج الآن مورد رزق أدباء الترحيلة المصريين ..
قلب شفته فى استياء :
ـ تعبير غير لائق ..
وأنا أتأمله بنظرة طويلة :
ـ لكنه دقيق ..
واجهنى بملامح مكتئبة :
ـ أنت تتقاضى مرتباً ثابتاً ..
وسبحت نظراته فى آفاق غير مرئية :
ـ لولا مكافآت هذه المقالات لمت من الجوع ..
واتسعت فتحتا أنفه :
ـ أنا مفصول من عملى ..
أدركت أنى سرت فى طريق خاطئة . لم أسأله عن وظيفته ، وما إذا كانت مراسلة صحف الخليج مورد رزقه الوحيد ..
ـ أعرف المحررين فى مكاتب الصحف بالمدينة .. تصورت إن المراسلة عمل إضافى ..
ـ هذا عمل فرضته الضرورة ..
قلت متنبهاً :
ـ لماذا ؟..